نحن في السنة السادسة لاحتلال أفغانستان من قبل الولايات المتحدة مدعومة من الناتو، وهي مهمة مشتركة بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. في 26 فبراير الماضي جرت محاولة اغتيال لديك تشيني من جانب انتحاري من طالبان عندما كان نائب الرئيس الأميركي يزور قاعدة باغرام الأميركية الجوية «الآمنة» ـ التي كانت في الزمان الغابر قاعدة جوية سوفييتة آمنة أيضا أثناء نزاع سابق.

وأدت تلك العملية إلى سقوط العديد من الجنود الأميركيين والأفغان الذين كانوا يعملون في القاعدة. تلك الحادثة وحدها كانت كفيلة بأن يركز نائب الرئيس تفكيره على حجم الهزيمة في أفغانستان، حيث ارتفع عدد الضحايا إلى حد كبير في صفوف القوات الأميركية وقوات الناتو في مواجهات مع المقاومة الإسلامية أو جراء سقوط طائرات مروحية.

يسيطر مقاتلو طالبان على 20 مقاطعة على الأقل في العديد من الأقاليم التي حلت فيها قوات الناتو محل القوات الأميركية وليس سرا أن الكثير من مسؤولي تلك المناطق يدعمون مقاتلي طالبان، الأمر الذي يعني أن الوضع خارج السيطرة، علما بأن بوش وبلير كانا قد ظهرا في بداية هذه الحرب في العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية مؤكدين أن هدف الحرب كان تحرير النساء الأفغانيات. فليحاولا تكرار ذلك الآن وستبصق النساء في وجهيهما.

من هو المسؤول عن هذه الكارثة؟ لماذا لا يزال البلد خاضعا لسيطرة القوات الأجنبية؟ ما هي الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة؟ ما هي وظيفة الناتو؟ وكم من الوقت يمكن أن يبقى أي بلد تحت الاحتلال خلافا لإرادة غالبية شعبه؟ وماذا عن مشاريع إعادة الإعمار المعلن عنها؟

لقد أوجدت تلك المشاريع نخبا جديدة تستحوذ على حصة الأسد من المساعدات الأجنبية وأنشأت عصابات إجرام خاصة بها وشركات للعلاقات العامة تعمل لكسب الرأي العالم الغربي. لكن جهود هذه الشركات لم تتمكن من تعزيز الدعم للناتو داخل البلاد، بينما الرئيس حامد قرضاي يقبع معزولا في مقره تحت حراسة أبناء جلدته من البشتون، فيما يبقى مئات الألوف من الأفغان في العراء، حيث يموتون من البرد في فصل الشتاء من كل عام.

هل كان من الممكن أن تكون أفغانستان أكثر أمنا بتدخل محدود على نمط خطة مارشال؟ من نافلة القول إنه كان من الممكن أن يكون البلد مستقرا لو تم بناء المدارس والمستشفيات المجانية والبيوت للفقراء ولو تمت إعادة إعمار البنى التحتية الاجتماعية المدمرة إثر انسحاب الجيش السوفييتي عام 1989.

كما كان ضروريا أن تساعد الدولة الزراعة والصناعة الحرفية لتقليص درجة الاعتماد على محصول الأفيون. لكن ذلك كان يتطلب دولة قوية ونظاما عالميا مغايرا. لكن لن يأمل إلا شخص طوباوي مصاب بالجنون إلى حد ما بأن تورط بلدان الناتو نفسها بتطبيق تجارب اجتماعية تقدمية في الخارج.

وهكذا نما فساد النخبة مثل سرطان بلا علاج وسلكت أموال المساعدات دروبا منحرفة وشيد رفاق قرضاي الفلل الضخمة التي يقوم على حمايتها الناتو على مرأى ومسمع من الفقراء الأفغان. وفي الوقت الذي لم تتحسن فيه الظروف الاقتصادية، راحت تغير الهجمات العسكرية لقوات الناتو وجهتها لتصب جام غضبها على المدنيين الأبرياء.

الأمر الذي أشعل نار حركة احتجاج عارمة وعنيفة مناهضة للأميركيين في العاصمة الأفغانية وباتت الغالبية العظمى من الشعب الأفغاني تنظر إلى القوات الأجنبية على أنها احتلال إمبريالي، فيما تنمو حركة طالبان وتقيم تحالفات جديدة وذلك لأنها تمثل بارقة الأمل الوحيدة للتحرر الوطني.

ليس هناك أي طريقة قد تمكن الناتو من كسب الحرب في الوقت الحالي وإرسال مزيد من الجنود سوف يفضي إلى مزيد من القتلى، أما المعارك على نطاق واسع، فإنها كفيلة بزعزعة الاستقرار على نطاق اوسع قد يشمل الجارة باكستان.

ترجمة : باسل ابوحمدة