بعد أن تطرقت المؤلفة إلى تأثير العامل الإسلامي على علاقات روسيا مع العالم العربي وعلى الأوضاع في البلقان على النحو الذي عرضنا له في الحلقة السابقة، نجدها تنتقل في هذا الجزء الأخير من كتابها إلى رصد طبيعة العلاقات الروسية بالدول الإسلامية المحيطة بها والتي مثلت تطورات الأوضاع فيها هاجساً أقض مضاجع الروس في ضوء اتساع التأثير الذي يمكن أن تلقي به تلك التطورات على طبيعة الأوضاع الداخلية في روسيا وهو الأمر الذي يبدو أنها عانت منه بشكل خاص في الشيشان.

تشير شيرين هنتر في كتابها إلى أن العامل الإسلامي وبشكل خاص الخوف من المتشددين الإسلاميين واحتمالات تسببهم بزعزعة استقرار روسيا لعب دوراً رئيسياً في صياغة السياسات الروسية تجاه آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز. وتؤكد أنه حتى ما قبل 11 سبتمبر، كان المحللون الغربيون قد أثاروا نقاشاً جدياً حول جدية وخطورة التهديد الذي يمثله المتشددون في آسيا الوسطى والدرجة التي وصل إليها مستوى هذا التهديد الأمر الذي استغلته موسكو من اجل مواصلة موقفها المهيمن في آسيا الوسطى والحيلولة دون امتداد النفوذ الغربي واحتواء المنافسين الإقليميين مثل إيران وباكستان. إن عدداً كبيراً من هؤلاء الخبراء يرى أن روسيا بالغت في الحديث عن التهديد الإسلامي من أجل تبرير سياساتها التدخلية في آسيا الوسطى وجهودها من أجل استعادة سيطرتها على المنطقة باعتبارها تمثل مجالها الحيوي، وهو الأمر الذي وصل حسب هؤلاء في بعض المراحل إلى حد العمل على توفير بيئة أو أجواء مولدة للصراعات.

وعلى هذا الأساس فإن البعض يشير إلى أن موسكو بالتعاون مع أوزبكستان ساهمت في إطلاق الحرب الأهلية في طاجيكستان في 1992 من اجل إظهار خطورة التهديد الذي يمثله المتشددون الإسلاميون ومن أجل تبرير وجودها العسكري الكبير هناك. وطبقاً للبعض، فقد كان الأمر بمثابة تدخل خارجي من قبل روسيا وأوزبكستان ارتقى بحالة التوتر إلى مستوى حرب أهلية في طاجيكستان. غير أن المؤلفة تشير إلى أن الحقيقة رغم ذلك تبدو معقدة، فالسياسة الروسية تجاه آسيا الوسطى منذ 1992 تأثرت إلى حد كبير بالمصالح الاقتصادية والسياسية وكذلك بالخوف الحقيقي من تصاعد التيارات المتشددة وتأثيرها على الأمن الروسي. وفي الوقت نفسه، فإن روسيا احتكرت هذه المخاوف من أجل تحقيق أهدافها التوسعية. وعلى هذا تستعرض المؤلفة الأهداف الروسية في آسيا الوسطى، مشيرة إلى أنه بعد نحو سنتين على تفكك الاتحاد السوفييتي، فإن السياسة الروسية تركزت على الغرب. وقد كان الهدف الرئيسي للأمن القومي هو الالتحاق بالناتو والمجموعة الأوروبية أكثر منه استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي.

المخاوف الروسية: غير أن المؤلفة تشير إلى أن الحرب في طاجيكستان عززت المخاوف من التشدد الإسلامي وإمكانية اجتياحه آسيا الوسطى وأن يلقي بتأثيره على السكان المسلمين داخل روسيا في ضوء مساعي أقليات مسلمة داخلها إلى إقامة دول إسلامية. وتذكر المؤلفة أن جماعات محددة لديها هذا الهدف غير أن السؤال يدور حول الإمكانيات التي تملكها لتحقيقه؟ الأكثر من ذلك فإن سياسات القهر والاستبعاد الشامل لكل الإسلاميين بما فيهم القوى المعتدلة من الحياة السياسية زادت من مخاطر تطور مثل هذه الحركات وانتهاجها نمطاً أكثر راديكالية. تستعرض المؤلفة في هذا الخصوص الحرب في طاجيكستان من أجل الوقوف على دوافع وأبعاد الدور الروسي في النزاع. وتشير إلى أن الحرب الأهلية في طاجيكستان ساعدت روسيا على تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية والسياسية الإقليمية الأوسع. وقد تم تسهيل ذلك من خلال سقوط حكومة نجيب الله في أفغانستان في أبريل 1992 على يد قوات القائد الطاجيكي أحمد شاه مسعود وتشكيله حكومة جديدة هناك من خلال القوى التي حاربت الاتحاد السوفييتي. هنا أعلنت روسيا أن حدودها الخارجية تتمثل في تلك التي تمثلها دول الاتحاد السوفييتي السابق، وعلى ذلك فإن الدفاع عن هذه الحدود ضروري من اجل الدفاع عن روسيا.

حراسة الحدود

وفي شتاء 2003 كانت القوات الروسية لا تزال تقوم على حراسة الحدود الطاجيكية الأفغانية. وطبقاً للبعض فإنه وانطلاقاً من الحرب الأهلية الطاجيكية عملت روسيا على توقيع اتفاق جديد بين دول الاتحاد السوفييتي السابق يتم بمقتضاه تشكيل قوات حفظ سلام، وتم بمقتضى هذا الاتفاق الجديد تعديل التفويض الأخير ليتضمن الدفاع الجماعي.

ولمساندة هذا القرار فإن القيادة المشتركة لقوات حفظ السلام للاتحاد السوفييتي السابق تم إنشاؤها من قبل دول مثل قيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان التي ساهمت بقوات في طاجيكستان انتشرت هناك في 1997 وهو ما أضفى على العمليات الروسية هناك قدراً من الشرعية.

غير أن الأمور لم تسر على النحو الذي خططت له روسيا تماماً، ففي منتصف 1994 بدأ التحالف الروسي الأوزبكي يسوده قدر من التوتر وبدأت روسيا تدرك أن أوزبكستان منافس محتمل أكثر منها شريك يعتمد عليه في إدارة المنطقة.

وساعد على تنامي هذا الإدراك زيادة مستوى التعاون بين أوزبكستان والغرب في ذات الوقت الذي كانت علاقات روسيا مع الغرب تمر بمرحلة من البرود. وقد شهدت علاقات أوزبكستان مع الولايات المتحدة دفعة كبيرة إثر الزيارة التي قام بها وليام بيري وزير الدفاع الأميركي لها في أبريل 1995 وهو التطور الذي أدى إلى زيادة حدة التوتر في علاقات روسيا بأوزبكستان.

وقد حاولت الدولتان إزاء الظروف التي تمر بها المنطقة آنذاك تجاوز هذا التوتر حيث أدى استيلاء طالبان على كابول في سبتمبر 1996 والمدن الشمالية الرئيسية في أفغانستان بما فيها مزار الشريف في أغسطس 1998 إلى التقارب بين البلدين مرة ثانية من أجل مواجهة ما اعتبره البلدان نجاحاً للتشدد الإسلامي.

وقد أدى تباين المصالح الروسية الأوزبكية والذي تواكب مع عدم قدرة الحكومة الطاجيكية على احتواء المعارضة وإخضاعها إلى البحث عن حل يقوم على أساس التفاوض لإنهاء الصراع في طاجيكستان والذي أسفر عن ضحايا قدر عددهم بنحو 100 ألف شخص.

وفيما يكشف عن طبيعة التشابك الذي يحكم العلاقات الدولية تشير المؤلفة إلى أن من أهم العوامل التي ساعدت على إنجاح اتفاق السلام بشأن طاجيكستان والذي رعته الأمم المتحدة في 1994 وانتهى بتوقيع اتفاق في موسكو في يونيو 1997 صعود طالبان في أفغانستان وتحسن العلاقات الإيرانية الروسية على خلفية هذا الصعود، والذي نظرت له روسيا على أنه يمثل التشدد الإسلامي فيما نظرت إليه إيران على أساس الاختلاف المذهبي.

التهديد الطالباني

لقد كانت أيديولوجية طالبان أكثر تشددا مما تمثله تلك التي كانت تعكسها المعارضة الطاجيكية أو حكومة رباني في أفغانستان. فضلا عن ذلك فإن طالبان كان ينظر إليها على أنها أداة في يد باكستان والغرب من أجل تحقيق استراتيجيتهم وأهدافهم الاقتصادية في آسيا الوسطى والتي تتناقض مع المصالح الروسية.

ولهذا فإن التحدي الذي مثلته طالبان أوجد مصالح مشتركة بين كل من روسيا وطاجيك أفغانستان. من ناحية ثانية فإن العلاقات الجيدة بين إيران وروسيا، وكذلك بين إيران وأحمد شاه مسعود زادت من احتمالات التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع في طاجيكستان. فقد بدأت العلاقات بين إيران وروسيا بالتحسن بشكل كبير اعتبارا من 1994 ولكن أحمد شاه مسعود حافظ على مسافة من إيران على أمل الحصول على مساندة الولايات المتحدة.

ومع ذلك فإن التحدي المشترك الذي مثلته طالبان كفرع جديد للتشدد متوافقا مع العوامل الاستراتيجية والسياسية الأخرى قادت الأطراف المختلفة إلى القبول بصيغة الحل الوسط حيث استخدمت إيران نفوذها مع المعارضة الطاجيكية من أجل تسهيل عملية السلام.

غير ان اتفاق السلام المشار اليه واجه صعوبات عدة لدى التطبيق. فمن ناحية، لم يؤد توزيع بعض المناصب الوزارية للجبهة الطاجيكية المعارضة إلى التحول بالوضع في طاجيكستان إلى نظام يقوم على المشاركة السياسية كما ان إسلاميي طاجيكستان كانوا يطالبون بقدر أكبر من التمثيل السياسي.

ورغم انتهاء الحرب الأهلية في طاجيكستان، فإن البلاد ظلت الجبهة المتقدمة في الدفاع عن انتشار الحركات المتشددة الأمر الذي انعكس في انغماس طاجيكستان وروسيا بشكل كبير في الحرب الأهلية الأفغانية حيث اتخذا جانب القوات المعارضة لطالبان. وباختصار، فإنه حتى بعد انتهاء الحرب الطاجيكية فإن العامل الإسلامي ظل يلعب دورا في تشكيل سياسة روسيا في آسيا الوسطى.

تتطرق المؤلفة بعد ذلك إلى فصل آخر من التأثيرات الإسلامية في السياسة الروسية على صعيد التعامل مع آسيا الوسطى ويتمثل في تطورات ما بعد احداث 11 سبتمبر فتشير إلى أن هذه الأحداث وغيرها وفرت فرصاً في الوقت الذي فرضت فيه تحديات على روسيا في آسيا الوسطى.

لقد بدا أن القيادة الروسية انتابها قدر من الصدمة جراء التفجيرات التي وقعت في الولايات المتحدة وقد اعتبرت أن هذه المشاهد تعبر عن طبيعة طالبان والحركات التي تساندها والتي ينظر إليها من قبل روسيا على أنها تمثل التشدد الإسلامي.

لقد أتاحت المبادرة الأميركية بتشكيل تحالف ضد الإرهاب الدولي لروسيا فرصة إعادة صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا على أساس التحاقها بالتحالف على الإرهاب. لقد كانت روسيا تأمل بأن تحصل جراء هذه التطورات على مساعدة اقتصادية وبعض التنازلات من الغرب من بينها التغاضي عن تطورات الموقف في الشيشان.

الحرب على الإرهاب

كما تشير المؤلفة إلى أنه يوجد بعد حضاري في الموقف الروسي يقوم على أساس أن تحالفها مع الغرب إنما يمثل تحالفا للحضارة المسيحية في مواجهة الإسلام. وحسب تعبير محلل روسي فـ «إن الصراع بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية لم يعد يقع في إطار الخيال العلمي أو الألعاب العقلية وإنما أصبح حقيقة من حقائق الحياة».

وفي ذلك انتقد البعض في روسيا أولئك الذين ما زالوا يعتقدون بوجود تعاون روسي مع العالم الإسلامي في مواجهة الغرب وقال: «روسيا لن يكون بمقدورها الوقوف مثل هذا الموقف تماما. إنها الفرصة الوحيدة لها لكي تصبح جزءا من العالم الغربي وأن تصبح حليفه الحقيقي. وعلى هذا فإن هناك بعض الأوهام التي ينبغي التخلي عنها من أجل تحقيق ذلك وعلى رأسها الحديث عن تعاون روسي ـ إسلامي».

غير أن الأمور لم تأت على النحو الذي تشتهيه روسيا تماما ليؤكد عدم صحة الرأي السابق بخصوص الاندماج الروسي في عالم الغرب فقد فرض قرار الولايات المتحدة شن هجوم على قواعد طالبان وطلبها تعاون دول آسيا الوسطى في هذه العمليات بما في ذلك استخدام بعض القواعد الجوية لهذه الدول مشكلة أمام روسيا.

فقد كانت القضية بالنسبة لروسيا هي هل تنخرط في هذا العمل؟ وهو ما قد يسمح لها بلعب دور كبير في تحديد مستقبل الأوضاع في أفغانستان ذات التأثير القوي على ما يجري من تطورات في آسيا الوسطى بما في ذلك ضمان دور لحليفها المتمثل في التحالف الشمالي؟ ولكن ذكريات الحرب في أفغانستان تقف ضد هذا الخيار.

كما ان الروس كانوا قلقين بشأن البيان الأميركي الذي أشار إلى أن ضرب القاعدة وطالبان إنما يعد بداية لحرب طويلة ضد الجماعات الإرهابية والدول التي ترعى الإرهاب، وهو ما اعتبر إشارة إلى مجموعة من الدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا كالعراق وإيران وسوريا.

فضلا عن ذلك فقد كانت موسكو تخشى من تأثير الحملة الأميركية على طالبان على علاقاتها هي مع العالم الإسلامي. ومن أجل ذلك زار عدد من العلماء المسلمين الروس وكذلك عدد من المفتين في شمال القوقاز مصر وسوريا والأردن والعراق من أجل شرح الموقف الروسي من الحرب على الإرهاب.

دول الطوق

تتطرق المؤلفة بعد ذلك إلى طبيعة العلاقات التي تحكم روسيا مع مجموعة الدول الإسلامية التي تحتل أهمية خاصة بالنسبة لها لاعتبارات تاريخية وجغرافية، وهي دول الطوق الشمالي اذا صح التعبير، والمقصود إيران وتركيا وأفغانستان وباكستان وهى الدول التي تحظى بأهمية كبيرة في استراتيجية روسيا.

ورغم أوجه التشابه العديدة بين هذه الدول إلا أن هناك اختلافات عميقة في علاقاتها مع روسيا تتراوح بين التوتر الحاد الذي وصل إلى حد العداء كما في حالات باكستان وأفغانستان تحت حكم طالبان، إلى نوع من أنواع الشراكة مع إيران فيما احتلت تركيا موقعا بدا غامضا بالنسبة للسياسة الروسية.

كما أن دور العامل الإسلامي في تشكيل هذه العلاقات يختلف بشكل كبير في كل حالة. ففي بعض الحالات كان عاملا بالغ التأثير وذا تأثير سلبي، كما في حالة باكستان وأفغانستان، وفي حالات أخرى لم يكن له تأثير على الإطلاق أو كان له تأثير محدود كما في حالتي إيران وتركيا.

وهنا تشير المؤلفة إلى تطورات الحرب السوفييتية الأفغانية ودور باكستان في البلاد بعد رحيل السوفييت خاصة لجهة تعزيز نشأة طالبان. وقد أدى طموح طالبان لتصدير نسختها المتشددة إلى آسيا الوسطى إلى دق ناقوس الخطر من قبل روسيا، وكانت الدولة التي تمثل جبهة المواجهة في هذه الحالة كما سبقت الإشارة لذلك هي طاجيكستان. وفي هذا السياق، تشير المؤلفة إلى أن بعض المتشددين الإسلاميين الطاجيك تلقوا مساعدات من طالبان شملت التدريب خاصة بعد سقوط كابول في يد الحركة.

على صعيد آخر، بدأت باكستان تظهر كمنافس جيوسياسي محتمل لروسيا إزاء كونها تمثل طريقاً بديلا لتصدير النفط والغاز من بعض جمهوريات آسيا الوسطى. من ناحية أخرى فقد ساد تنافس باكستاني روسي على تشكيل مستقبل أفغانستان السياسي الأمر الذي تحول إلى مستوى من التوتر الملموس عقب بروز طالبان.

ولأن المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية بين البلدين تبدو مختلفة، فقد كان من المحتم أن يصل الأمر بينهما إلى مرحلة تقترب من الصدام. ولكن العامل الإسلامي ساهم في زيادة سوء علاقات الدولتين خاصة بالنسبة للموقف في الشيشان.

الازمة الشيشانية

وبحسب المؤلفة، فإن طالبان وباكستان استغلا الأزمة الشيشانية بشكل كبير من أجل ثني الحكومة الروسية عن دعم خصوم طالبان في أفغانستان. وهنا تفيض المؤلفة في الإشارة إلى جوانب التعاون والدعم بين طالبان قبل استيلائها على كابول وبين الثوار الشيشان الأمر الذي وصل، حسبما تذكر.

إلى حد تزويدهم بمقاتلين ومساعدات مالية تقدر بنحو 4 ملايين دولار وكذا نحو 24 صاروخ ستينجر مضادة للطائرات، وهو التعاون الذي زاد بقدر كبير بعد وصول طالبان إلى الحكم، حيث أنه رغم عدم الاعتراف بها إلا أنها كانت تتعامل وكأنها الحكومة الشرعية للبلاد وكذلك الأمر بالنسبة لأصلان مسخادوف الذي راح يتصرف على أنه رئيس دولة مستقلة.

ولذلك فإنه لم يكن من الغريب أنه مع اندلاع حرب الشيشان الثانية سارع زعيم طالبان الملا محمد عمر ووزير خارجيته إلى الاعتراف بالجمهورية الشيشانية الأمر الذي كان يعكس رؤية تقوم على أساس التضامن الإسلامي. غير ان هذه العلاقة لم يستفد منها الطرفان كثيراً حيث أن تعاون طالبان وتنظيم القاعدة مع ثوار الشيشان سهل من مسعى روسيا لتصوير حربها في الشيشان على أنها حرب ضد الإرهاب،

ولذلك فإن وزير الخارجية الروسي في تلك الفترة راح يصف الاعتراف المتبادل بين الجانبين على أنه محاولة لتشكيل ما وصفه بـ «عصابة دولية». وقد استغلت روسيا ذلك الأمر على نحو كبير وهكذا خرج مساعد بوتين في يناير 2000 ليعلن أن ممثلا عن أصلان مسخادوف وقع بروتوكول تعاون مع أسامة بن لادن، وهو الأمر الذي أنكره مسخادوف فيما بعد. كما راح مساعد بوتين يتحدث عن إمكانية توجيه ضربات وقائية ضد معسكرات طالبان والتي يمكن أن تمثل تهديداً للأمن القومي الروسي أو الدول الصديقة.

اتهام باكستان

وتشير المؤلفة إلى أن الرابطة الشيشانية الطالبانية لم يكن لها ان تتم بدون مساعدة باكستانية. وفي هذا الصدد تدعو إلى عدم التقليل من تأثير الجماعة الإسلامية في باكستان. وفي إشارة إلى طبيعة الموقف الرسمي تذكر المؤلفة تصريحات للسفير الباكستاني في موسكو لدى سؤاله حول طبيعة الصلات الباكستانية مع الشيشان وزيارات مسؤولين شيشان لإسلام آباد، حيث راح ينفي تأييد بلاده للثوار الشيشان.

وأعلن أن الموقف الباكستاني عامة تجاه قضية الشيشان يتشابه إلى حد كبير مع الموقف الروسي تجاه صرب البوسنة. وحسب مصادر روسية، فإن مثل هذه الزيارات من قبل المسؤولين الشيشان لباكستان جاءت قبيل التمرد في داغستان، وهو ما زاد من احتمال دعم طالبان وباكستان للشيشان.

لقد كانت موسكو تتهم الباكستانيين بإرسال مقاتلين إلى الشيشان، ووفقا لمتحدث رسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، فإن نحو 200 مقاتل مدربين جيدا قدموا من باكستان للمشاركة في القتال بالشيشان. غير أنه لدواعي السياسة وحفاظا على الحد الأدنى من العلاقات، لم تبادر أي من الدولتين إلى قطع العلاقات.

بل إن الحكومة الباكستانية، ورغم انتقادها لطبيعة التعاطي الروسي مع أزمة الشيشان، ساندت مبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي الروسية وتعاملت مع أزمة الشيشان على أنها أزمة داخلية. كما أنها حاولت في الوقت ذاته استخدام وارداتها من السلاح من موسكو كوسيلة لتحسين العلاقات معها. كما أن إسلام آباد عملت على توصيل مساعدات إنسانية إلى الشيشان ولكن عبر القنوات الروسية الرسمية.

غير أن ذلك لم يسهم كثيرا في التخفيف من حدة التوتر في علاقات البلدين رغم الزيارات الرسمية، ومنها تلك الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الباكستاني لموسكو في يوليو 1997 خاصة على خلفية الموقف الباكستاني من طالبان. وفي هذا الصدد، تشير المؤلفة إلى تصريح للرئيس الباكستاني برويز مشرف في مايو 2001

راح يؤكد فيه على أنه «شاء من شاء وأبى من أبى فإن طالبان حقيقة تفرض نفسها. لقد جاءت إلى أفغانستان لتبقى وأولئك الذين يأملون في رحيلها سيذهب أملهم سدى. غير أن الرياح هذه المرة لم تأت بما يشتهي الباكستانيون فسرعان ما وقعت بعد ذلك التصريح بنحو أربعة أشهر فقط أحداث 11 سبتمبر التي كانت أول مسمار حقيقي في نعش طالبان.

وقد أدى ذلك إلى تغير الوضع بالنسبة لطبيعة أفغانستان من مصدر توتر إلى حالة أخرى قد تنعكس في قلق ولكن من نوع آخر. فروسيا التي فرحت بسقوط طالبان تصورت أن في ذلك فرصة لإعادة برهان الدين رباني الذي كانت حكومته لا تزال تمثل أفغانستان في المنظمة الدولية.

غير أنه في ضوء حقيقة أن اليد الطولى كانت للولايات المتحدة، فقد انتهى الأمر بتعيين حامد قرضاي مع إرضاء موسكو بتعيين قائد التحالف الشمالي السابق الذي تسانده الجنرال محمد فهيم كوزير للدفاع وسط آمال بأن يكون لها دور في تدريب الجيش الأفغاني الجديد. وعلى وقع هذه الآمال ووقع زيارة قام بها قرضاي إلى موسكو في مارس 2002، بدأت واشنطن بالإضافة إلى إسلام آباد تبديان قلقهما من النشاط الروسي.

أما فيما يخص العامل الإسلامي في فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، فقد لعب، حسب المؤلفة، كعامل مساعد لجهة تعزيز التعاون الروسي الأفغاني في مجال مطاردة فلول طالبان في أفغانستان، وفيما اصطلح على تسميته بالحرب الدولية على الإرهاب. وعلى هذا فإن التحدي الرئيسي بالنسبة لموسكو إنما يتمثل في التنافس مع الولايات المتحدة وليس الإسلام.

وبالنسبة للوضع على الجبهة الباكستانية، فإن سقوط طالبان أتاح فرصة لفتح صفحة جديدة في علاقات روسيا مع إسلام آباد. وإن لم تصف صفحة هذه العلاقات تماما على خلفيات قضايا أخرى من بينها استمرار الشكوك الروسية بشأن مواقف باكستان إزاء الوضع الأفغاني وكذلك اعتقاد موسكو بأن باكستان لم تتخل تماما عن دعم من تراهم متشددين، وهو ما يبدو حسب الرؤية الروسية في موقفها من تأييد ثوار كشمير، فضلا عن انعكاس التحسن في علاقات موسكو ودلهي السلبي على علاقاتها مع إسلام آباد.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق