كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن تعاظم النفوذ الأميركي في العالم خصوصاً بعد تحولها إلى القوة العظمى الوحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وقد ارتبط هذا الحديث لدى الكثيرين بوصف الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية القرن الحادي والعشرين بلا منازع. وهذا الكتاب الذي نناقشه هنا يبحث في مفهوم الإمبراطورية ومدى مطابقته للوضع الأميركي الراهن ويجري في الوقت نفسه مقارنات بين الإمبراطوريات السابقة التي سادت ثم بادت والإمبراطورية الأميركية.

مع اتساع المجهود العسكري والنفوذ السياسي الأميركي وخاصة في أفغانستان والعراق، بدأ الفكر السياسي يتمحور حول فكرة السلوك الإمبراطوري لأميركا من منظور تشابهه مع تجارب كيانات إمبراطورية سبقت في التاريخ، وأشهرها الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البريطانية. والكتاب يحاول أن يبحث في عوامل التماثل أو الاختلاف بين هذه التجارب التي كان دأبها التوسع الإقليمي ومحاولة بسط النفوذ والهيمنة على مقاليد أقطار وأمم وشعوب. أما المؤلف فهو مؤرخ كبير متخصص في دراسة «الظاهرة الإمبراطورية» وهو البروفيسور برنارد بورتر أستاذ التاريخ بالجامعات البريطانية. يبدأ هذا الكتاب بما يمكن أن نصفه بأنه «حالة إنكار» وكأننا نقتبس حرفيا عنوان الكتاب الذي أصدره بهذا الاسم في آخر العام الماضي الصحافي الأميركي الشهير «بوب وودوارد». وربما يكون هذا الاقتباس جائزا لأن مؤلف كتابنا الحالي، البروفيسور البريطاني «برنارد بورتر» يفتتح سطور كتابه بمقدمة يحمل عنوانها كلمة واحدة هي «إنكار».

وهو بذلك يشير إلى موقف الإنكار الذي تصدر عنه جمهرة الشعب الأميركي بين الساسة أو المفكرين أو المواطن العادي وكلهم يكادون يعبرون بلسان حال واحد قائلين: عفوا نحن لا نملك ولا ندير إمبراطورية. وبالمناسبة فالعبارة منقولة عن السيد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق الذي ظل يؤكد قوله: نحن لا نمارس الإمبراطورية. لكن العكس هو الصحيح، كما يؤكد مؤلف كتابنا، الذي يضيف في نغمة التهكم الإنجليزي المعروفة قائلا: إنهم (الأميركيون) يقولون ذلك بينما يتبعون كل أنماط السلوك التي يراها الآخرون بغير استثناء سلوكيات الإمبراطورية، ومن ذلك مثلا أنهم يقدمون على غزو البلاد ويغيرون الحكومات ويفرضون سيطرتهم هنا أو هناك بأساليب شتى.

ماذا يقصد رامسفيلد؟... ربما كان رامسفيلد وَمْن سواه من أهل الإنكار يقصدون أنهم لا يديرون عجلة إمبراطورية بالمعنى الرسمي أو التقليدي أو المتعارف عليه، على نحو ما سبق وجرّبه العالم، سواء مع الإمبراطوريات العتيقة في أسبانيا أو البرتغال أو الإمبراطوريات العتيدة في إنجلترا وفرنسا، وحجّتهم في ذلك أن أميركا لا تحتاج الأقطار لكي تضم أراضيها إلى رقعتها الإقليمية بحيث يصبح لها ممتلكات فيما وراء البحار لا تغرب الشمس عن ساحتها ولا هم يريدون حكم الشعوب بشكل إمبراطوري مباشر من خلال حاكم عام أو نائب للملك كما كان الحال بالنسبة لفرنسا وبريطانيا. وقد لا نعدم من ناحية أخرى وجود أميركيين يقولون أن ما يفعلونه هو الجانب المعاكس ـ هو وجه العملة الآخر من السلوك الأمبريالي أو من النهج الإمبراطوري. ألا تراهم يرفعون شعارات تقول بأنهم يعملون على تحرير الشعوب وتخليصها من هذا الديكتاتور أو ذلك الطاغية المستبد؟ ألا يملأون الدنيا لافتات يرفعونها وترددها وسائل الإعلام الأميركي في أرجاء المعمورة آناء الليل والنهار تقول إنهم يعملون جاهدين لكي يصبح العالم أهدأ بالا وأوفر سلاما وأمنا؟

أميركا تواجه بريطانيا

عند هذا المفتتح من قضايا الكتاب يلفت مؤلفنا البريطاني أنظارنا إلى أن أميركا تعرف بحق معنى الإمبراطورية ولها تجربة مباشرة ومريرة أيضاً مع النهج الإمبراطوري ولكنها كانت في الأساس تجربة إنجليزية. وفي هذا يقول البروفيسور بورتر أن أميركا تدين بوجودها إلى تمرد سكانها على الإمبراطورية البريطانية شخصيا التي كانت تحكمهم وتسيطر على مقاليد حياتهم وتصفهم بأنهم أهل المستعمرات ومن رعايا صاحب أو صاحبة الجلالة الإمبراطورية البريطانية.

في كل حال يوضح كتابنا أن الكيان الأميركي الراهن بكل ما يملكه من سعة في الموارد وضخامة في الإمكانات وزاد جبار من القوة المادية والمعنوية، هذا الكيان الأميركي يتصف بطابع إمبراطوري مختلف أشد الاختلاف عن كل إمبراطورية عرفها البشر عبر التاريخ.

إن كلمة «إمبراطورية» مشتقة من لفظة «إمباير» في أصولها اللاتينية ومن ثم فمعناها الأصلي ينصرف إلى دلالة القوة الجبارة المنيعة العاتية، وينبني على هذه الدلالة القول بنزوع قوم يستخدمون هذه القوة العاتية ـ الغاشمة أحيانا ـ للسيطرة على قوم آخرين.

القوة الناعمة

والحق أن هذه المعاني والدلالات الاشتقاقية كان من السهل استخدامها والتعامل معها في الماضي، عندما كانت القوة تقتصر أو تتجلى بالذات في القدرات والإمكانات وفي السطوة المادية عسكرية أو اقتصادية وبيروقراطية في الأساس.

لكن مع تطور الأنساق التاريخية ما بين القرن العشرين إلى القرن الحالي تطورت هذه المفاهيم واضطر أساتذة علم السياسة إلى تعريف نوعين من القوة أولهما القوة المادية بالمعنى السابق والثاني هو القوة الناعمة بمعنى التأثير المعنوي بأشكاله الثقافية والسلوكية والفنية، وسائر أنماط النفوذ اللامادي.

بهذا المعنى يمكن القول بأن ثمة تأثيرا معنويا أو نفوذا «ناعما» بل إمبراطوريا إمبرياليا إن شئنا للكيان الضخم - القوة العظمى التي تحمل في زماننا اسم الولايات المتحدة الأميركية. هنا يسوق المؤلف أمثلة على هذا التأثير «الإمبريالي» إن شئت التدقيق يتجسد في مفردات أسلوب الحياة الأميركية الذي نجحوا في ترويجه أو حتى في «بيعه» في طول العالم وعرضه ـ ما بين شطائر الهامبورغر إلى سراويل الجينز إلى أفلام هوليوود إلى موسيقى الديسكو الصاخبة.

بيد أن المهنة الأكاديمية التي ينخرط المؤلف في سلكها تجعله ينبّه قارئه إلى أن هذه المؤثرات يصعب وصفها بالهيمنة الإمبريالية. لماذا؟ لأن أميركا لم تفرضها على أحد قسرا ولا بالحديد والنار ـ بل الناس هم الذين اختاروا أن «يتأثروا» بها في الأساس.

ورطة أفغانستان والعراق

مع هذا كله، فإن المؤلف، بحكم اتجاهه الأكاديمي لا يلبث أن يرصد لنا أكثر من جانب للشبه بل والتماثل بين إمبراطورية بريطانيا التي كانت، وإمبراطورية أميركا التي ما زالت قائمة وماثلة للعيان.

إنه يرصد بداية الوجود الأميركي الراهن في بلدين بالذات في آسيا: هما أفغانستان والعراق، وينبه إلى أن هذين البلدين شهدا منذ القرن التاسع عشر وجودا بريطانيا مماثلا حيث حاولت بريطانيا ـ العظمى وقتها ـ أن تسيطر على أفغانستان في إطار «اللعبة الكبرى» التي كانت تدور رحاها بين روسيا وانجلترا من أجل التنافس على مقاليد وسط وجنوب القارة الآسيوية.

أما العراق فليس صدفة أن كانت بريطانيا منتدبة لإدارته من جانب عصبة الأمم منذ عشرينات القرن الماضي وكان أقرب إلى المستعمرة البريطانية بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى وما زالت بصمات بريطانيا ماثلة في دفتر الحياة العراقية لمن يريد أن يتبع مسارها.

بل أن هناك خطوطا متوازية أخرى تجمع بين بريطانيا القديمة وأميركا الحديثة من حيث النزعة الإمبراطورية (الاستعمارية): فعندما رفعوا لافتة وجود بوش في العراق في عام 2003 أعادت إلى أذهان المؤرخين لافتة سبقت بكثير هي غلادستون في مصر في عام 1882 وفي كلتا الحالتين كان ثمة استعمار هنا واستعمار هناك.

في نفس السياق يسهب المؤلف موضحا التماثل قائلا: أنت (في حالة مصر) بإزاء دولة عظمى تشق طريقها لإنقاذ شعب من الطغيان (العثماني) وسوء الإدارة، وتعلن التزامها بمغادرة البلاد فور إنجاز مهمتها، ولكن الصورة لا تلبث أن تزداد تعقيدا بالنسبة لحالة بريطانيا في مصر: ما بين دوافع مشكوك فيها: وإسلام يريد أن يثبت نفسه ـ ومسيحية تأتي بها العناصر القادمة من الغرب. ومشاكل دولية (وخاصة من جانب فرنسا) وانتفاضات وطنية تجعل أقدام بريطانيا تغوص في الأغوار على ضفاف نهر النيل.

في حالة بوش نجد نفس الشعارات مرفوعة ما بين إدعاء أميركا بأنها لا تتصرف كقوة استعمارية وأنها لم تتدخل إلا تحت وطأة الضرورة بل أن تدخلها يقصد إلى نشر «الحرية في العالم» (يلاحظ المؤلف أن كلمة «حرية» ترددت 37 مرة في خطاب بوش الافتتاحي لولايته الثانية في عام 2005) وهي نفس الشعارات والعبارات التي سبق ورددها رئيس الوزراء البريطاني غلادستون لدى استعمار مصر في عام 1882.

بين بلنت وتشومسكي

تزداد أوجه التماثل عندما نقارن مثلا بين أحرار بريطانيا الذين رفضوا نزعتها الإمبريالية (ويلفرد بلنت مثلا الذي كان صديقا للزعيم أحمد عرابي) وبين الفئات التحررية والمستنيرة ـ الراديكالية كما يسميها مؤلف الكتاب من ساسة أميركا ومفكريها (تشومسكي مثلا) ممن ظلوا يتعاملون مع سياسة بلادهم بوصفها سياسة إمبريالية تصدر عن نزعة إمبراطورية تكرس الهيمنة وتستهدف السيطرة على مقاليد الشعوب وخاصة من النواحي المالية والاقتصادية.

وعند هذه النقطة من الخطاب الذي تصدر عنه مقولات الكتاب يتوقف المؤلف عن جماعة «المحافظين الجدد» الذين يصفهم بأنهم أتباع مدرسة الأدلجة السياسية الذين ينظرون إلى الألفية الجديدة على أنها «القرن الأميركي» بمعنى أن تبسط أميركا نفوذها وأفكارها لكي تغطي أرجاء العالم كله بقدر ما فعلت بريطانيا الشيء نفسه بالنسبة للقرن التاسع عشر.

ويبدو أن المحافظين الجدد ما زالوا يتحاشون استخدام لفظة «إمبراطورية«، بكل ما قد تستدعيه من معان سلبية مرفوضة، ولذلك فقد عمد أحد مفكريهم وهو «مارك ستيرن» إلى استخدام عبارة أقرب إلى أسلوب الكناية أو التورية لأداء معاني الهيمنة الأميركية نفسها لوصف سلوك أميركا فقال: إنه التفاعل أو التواصل مع المجتمع العالمي.

لكن المحافظين مع تجربتي أفغانستان والعراق ما لبثوا أن تخلوا عن أسلوب التورية وبدأوا يستخدمون لفظة إمبراطورية، لكي يستعيدوا عبرة الدروس المستفادة من الإمبراطوريات التي سبقت على صفحات التاريخ. هنا يوضح مؤلف كتابنا أن أصحاب هذا «الفكر الإمبراطوري» الأميركي الجدد وضعوا نصب أعينهم تجربة اثنتين من الإمبراطوريات التي عرفتها البشرية وهما: إمبراطورية روما القديمة وإمبراطورية بريطانيا العظمى في العصر الحديث.

ويلاحظ أيضاً أنهم يكادون يصرفون النظر عن إمبراطورية أسبانيا (بكل مرارات تجربتها عند جيرانهم في أميركا اللاتينية) وطبعا عن الإمبراطورية السوفييتية التي ما زالوا يصفونها ـ على نحو ما سبق إليه الرئيس الأسبق ريغان ويعدونه من أعمدة المحافظين حين قال إنها: إمبراطورية الشر والظلام.

تحذير من الزوال

أما إمبراطورية الرومان فهي ما برحت موضع تحذير عمدنا من جانبنا إلى رصده من واقع كتاب آخر صدر في مستهل شهر مايو 2007 ويحذر فيه كاتبه الصحفي الأميركي «كلن ميرفي» من أن يؤول أمر الإمبراطورية الأميركية المعاصرة إلى حيث تلقى مصير الاضمحلال ومن ثم الانحلال والتدهور والزوال الذي لاقته إمبراطورية الرومان في سالف الزمان.

لهذا يدعو المؤلف المذكور أميركا إلى مراجعة ذاتها بمنطق الاستبطان أو التأمل الداخلي وعبّر عن دعوته هذه في سؤاله المطروح: هل نحن روما؟ ثم في مضمون الاستبطان عن المقارنة بين سقوط إمبراطورية روما ومصير أميركا.

وقد سبق أيضاً أن أصدر البروفيسور «نيال فيرغسون»، ويسمونه مؤرخ (جامعة) هارفارد كتابه عام 2004 في نفس الموضوع بعنوانه المباشر «صعود وسقوط الإمبراطورية الأميركية» وهو عنوان يكاد يحاكي عنوان أشهر كتاب في موضوع مصير الإمبراطوريات في التراث الثقافي الصادر باللغة الإنجليزية ونعني بذلك كتاب المؤرخ القديم إدوارد جيبون بعنوان اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية الصادر تحديدا في عام 1737.

ورغم أن مؤلف الكتاب الذي نعرض له من منظور التحليل النقدي في هذه السطور مؤرخ مقتدر ومحنك - إلا أنه يحذر من محاولة محاكاة السوابق التاريخية من باب التصور بأن التاريخ جدير بأن يعيد نفسه كما قد يقال.

والمثل الذي يسوقه على وجاهة أو سلامة التحذير يتساءل فيه قائلا: ترى كم من العراقيين والجنود الأميركيين لاقوا حتفهم من جراء هذا التصور، من «التكرار التاريخي الذي راود وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد حين أقنع نفسه بأن جنوده سوف يُستقبلون في شوارع بغداد بالأناشيد والزهور؟

كان رامسفيلد يستعيد بذلك - أو فلنقل «يجتّر» مشاهد استقبال الجنود الأميركيين في شوارع فرنسا وأقطار أخرى من غرب أوروبا في أواخر الحرب العالمية الثانية بوصفهم محرري تلك البلدان من نير السيطرة العنصرية النازية. وبديهي أن ثبت خطأ هذا الاستدعاء الذي كان يحلم بتكرار المشهد التاريخي بين ساحات باريس وشوارع بغداد. وبديهي أيضاً أن واشنطن (الإمبراطورية) ما زالت تدفع ثمن هذا الخطأ في الحساب، وهو ثمن فادح بكل المقاييس.

لهذا يختم المؤلف هذه المناقشة قائلا: إن التاريخ لا يعيد نفسه على الإطلاق. وأفضل درس يمكن استقاؤه من التاريخ هو أن لا نحاول استقاء درس يشبه ذلك الذي استخلصه رامسفيلد.

حادثة 11 سبتمبر

أما الدرس الثاني فيؤكد فيه المؤلف أنه لا مناص من التسليم بأن أميركا ما برحت قوة إمبريالية بمعنى التوسع في الهيمنة والسيطرة عبر المئتي سنة التي انقضت من تاريخ تأسيسها. لكن هذه التوجهات الإمبريالية ـ أو الإمبراطورية كانت كامنة أو مستترة أو كانت تعبر عن نفسها بصور غير مباشرة في هذا النمط من السلوك أو ذاك، بيد أنها ما لبثت أن تحولت لتشغل مكان الصدارة في أجندة الحياة والاهتمامات الأميركية بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

خلال المئتي سنة أو تزيد قليلا كان الكيان الإمبراطوري الأميركي يكاد ينسج على منوال الكيان الإمبراطوري البريطاني ولو بصور متغايرة أو متطورة. لكن بعد 11 سبتمبر فرض السلوك الإمبراطوري الأميركي نفسه بما يتجاوز حتى تجربة بريطانيا ذاتها.

ومن ثم تحولت أميركا إلى ما يصفه المؤلف بأنه «سوبر ـ إمبراطورية» وهو ما دلت عليه مثلا نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2004، التي تجلت فيها قوة أكثر من جماعة أو لوبي أو فئة ضغط أو تجمّع مصالح في أميركا، وهو ما أثار دهشة شديدة بلغت أحيانا حدود الصدمة في نفس أوروبا ـ القارة الأم التي ولدت أميركا من رحمها وتبنت قيمها وتواصلت مع أعرافها وبنت على ثقافتها واستخدمت أوسع لغاتها (الإنجليزية) حيوية وانتشارا.

وجاءت هذه الدهشة الأوروبية أمرا طبيعيا من جانب القارة ـ الأساس التي ما زالت تكرس التوّجهات الفكرية والعقائدية التي تجمع بين الليبرالية والعلمانية (الفصل بين الدين والدولة) والعقلانية التي تعلي الأسلوب العلمي والموضوعية العلمية على العقائد والمِلل والنحل وما إليها. بعد هذه المقدمات المسهبة التي يوضح فيها مؤلفنا، المؤرخ الإنجليزي، منهج الكتاب.

يمضي بنا الكاتب إلى تلك الملاحة الفكرية الممتعة التي ينطلق فيها من سنوات العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ويرى أن ملابسات تلك الفترة فقط هي التي أوحت إلى الأطراف المعنية في إنجلترا والعالم بأن إمبراطورية العصر الفيكتوري تستحق أن توصف بأنها عظمى وأنها لا تغرب الشمس عن أراضيها بمعنى مستعمراتها وممتلكاتها، وأنها تمارس أوسع معاني السيطرة على مقاليد الأمور والشعوب في شرق العالم وغربه على السواء.

ممتلكات فيكتوريا

وعلى سبيل التحليل التفصيلي يوضح المؤلف أن إمبراطورية الملكة فيكتوريا كانت تتألف في تلك الفترة من 4 أجزاء هي:

(1) الهند التي كان قد تم اكتسابها تدريجيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر نتيجة لتجارة انجلترا أساسا مع آسيا وخاصة عن طريق شركة الهند الشرقية التي تأسست في عام 1600.

(2) مستعمرات منطقة الكاريبي في أميركا الوسطى، جزر الهند الغربية وجاراتها وقد تم اكتسابها نتيجة الحروب مع فرنسا ورغم أن بريطانيا كانت تزمع التخلي عنها بل وأصدرت قرارها في عام 1833 لتجريم تجارة العبيد وتحرير رقيق تلك المستعمرات، إلا أنها ظلت تدير تلك المناطق بدعوى حاجة أهلها الأصليين إلى خبرة بريطانيا وحمايتها.

(3) مستعمرات الاستيطان التي هاجرت إليها جموع من سكان الجزر البريطانية نفسها - كان منهم شباب ومغامرون أو مجرمون وقد انتشروا في ظل فلسفة المشروع الخاص لكي يقيموا مشاريعهم ومزارعهم ومجتمعاتهم في مناطق من قبيل كيب تاون في جنوب أفريقيا وفي كندا وفي استراليا ونيوزيلندا.

(4) وأخيرا كان هناك المراكز التجارية والمحطات البحرية التي كانت منبثة بصورة متوسعة في مواقع شتى من خارطة القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين ومنها مواقع في الشرق العربي وعلى سواحل الجزيرة العربية والخليج وكانت بريطانيا ترفع من أجلها شعارات تأمين حرية التجارة وضمان حرية الملاحة في بحار ومحيطات العالم.

هذه الإمبراطورية الشاسعة الأرجاء كانت بدورها تتعرض لما يمكن أن نصفه بأنه (حالة إنكار).

إضاءة

خلال المئتي سنة أو تزيد قليلا كان الكيان الإمبراطوري الأميركي يكاد ينسج على منوال الكيان الإمبراطوري البريطاني ولو بصور مغايرة أو متطورة. لكن بعد 11 سبتمبر فرض السلوك الإمبراطوري الأميركي نفسه بما يتجاوز حتى تجربة بريطانيا ذاتها، ومن ثم تحولت أميركا إلى ما يصفه المؤلف بأنه «سوبر - إمبراطورية» وهو ما دلت عليه مثلا نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية في عام 2004، التي تجلت فيها قوة أكثر من جماعة أو لوبي أو فئة ضغط أو تجمّع مصالح في أميركا

عرض ومناقشة: محمد الخولي