الطبيعة هي مفتاح الوصول إلى ما يمكن أن يكون أقوى مادة اصطناعية مركبة في العالم. هذا ما توصلت إليه الباحثة سانتا باربرا، عالمة الفيزياء الطبيعية في جامعة كاليفورنيا الأميركية. فأثناء تحليلها لعظام بشرية من خلال مجهرها في معمل الجامعة، وجدت قطعاً من مادة الكولاجين، وهي المادة البروتينية التي توجد في النسيج الضام وفي العظام التي تنتج الهلام عند غليها في الماء الحار، وجزيئات معدنية مغطاة بالصمغ بالإضافة إلى كثير من المساحات المظلمة والفراغات.
وجود هذه الفراغات الكبيرة في العظام أثار فضول العالمة ودفعها إلى البحث بنهم عن دورها في الليونة والقوة التي تتمتع بها العظام البشرية. فالأجزاء الصلبة للعظام البشرية مصنوعة من خليط من الخلايا والطبقات المعدنية بالإضافة إلى مادة الكولاجين. ولكن ليست هذه القطع هي التي تكوّن عظاما مرنة وقوية بهذا الشكل الذي نرى عليه العظام البشرية.
فسر هذه المرونة وهذه القوة يُعزى إلى الروابط والمساحات التي تقع بين هذه القطع كما أشارت مجلة (نيوساينتست) في تقرير علمي لها عن سر قوة وليونة العظام البشرية وما يمكن أن يستفيده العلم في هذا الصدد من مضاهاة للطبيعة في إعجازها.
كان بعض العلماء قد اكتشف مؤخرا أن مادة الصمغ تلعب الدور الرئيسي في قدرة العظام على مواجهة الصدمات التي يتعرض لها جسم الإنسان، فهي المادة التي تجعل العظام قادرة ليس فقط على التعامل مع الصدمات من دون أن تتعرض للكسر بسهولة، وإنما أيضا تستطيع مداواة نفسها بنفسها.
ومن هذا المنطلق بدأ العلماء يفكرون في دراسة السر الذي يجعل مادة الصمغ بهذا القدر من الفعالية، وذلك بهدف تطوير جيل من المواد الفائقة القوة الخفيفة الوزن التي تستطيع معالجة نفسها بنفسها. لا شك أن تكنولوجيا المواد النانوية (غير المتناهية الصغر) نالت حيزا كبيرا من الاهتمام في السنوات الأخيرة وخطى العلم فيها خطوات عملاقة انتهت إلى إحراز تقدم كبير في هذا المجال انعكس بالإيجاب على نواح عديدة من الحياة.
كما أنه جرى إحراز تقدم كبير أيضاً في مجال إنتاج العظام الصناعية ومواد معقدة مثل البوليمر. أما الآن فإن المؤشرات تدل على أن الدروس المستفادة من قضايا الآليات الجزيئية الخاصة بصلابة المواد وقدرتها على علاج نفسها بنفسها أصبحت محل اهتمام كبير لاسيما في ضوء إمكانية أن تؤدي هذه الآليات إلى تصنيع معدات ذات أداء فائق التطور مثل المركبات ذات القدرات هائلة والعتاد الفضائي الذي قد يحدث طفرة وثورة في عالم الفضاء، مثل بناء قواعد قمرية ضخمة ومصاعد فضائية عملاقة.
غير أن مضاهاة صلابة الطبيعة كما تظهر في العظام البشرية من خلال المعمل هي أمر بالغ الصعوبة يتطلب الابتعاد عن النظريات التقليدية في هذا المجال من العلم. وفي السنوات الأخيرة ظهر اتجاه بين علماء الهندسة إلى تصنيع مواد مركبة، مثل تلك المستخدمة في تصنيع محركات الرياح و الطائرات، تشكل العناصر القوية، مثل اللفائف الزجاجية والكربونية، نسبة تتراوح بين 60 و 70% من محتواها.
هناك نوع من أنواع مادة الراتينج، التي هي مادة صمغية تسيل من معظم الأشجار عند قطعها أو جرحها كيميائيا لأغراض صناعية، عادة ما يملأ المساحات الفاصلة بين تلك العناصر القوية مما يتسبب في ربطها بقوة ببعضها البعض.
(غير أن الطبيعة لا تقوم بذلك بأي شكل من الأشكال)، على حد تعبير العالم الأميركي بول هانسما من جامعة كاليفورنيا الأميركية. يضيف هانسما، بينما يشير إلى البقع الداكنة في صورة مكبرة التقطها لعظامه بالقول: (الطبيعة لا تخشى الأماكن الخالية التي تفصل بين المواد . فعندما يجري ربط أو ملء كل المساحة الموجودة في مادة ما، فإن تلك المادة تصبح هشة سهلة الانكسار بدلا من أن تكون صلبة مرنة تتحمل الضرب والصدمات).
وفي وقت سابق من العام الجاري قام مجموعة من الباحثين الأميركيين بنشر وصف لمجموعة من المواد اللاصقة الطبيعية، حيث لخصوا في مقالهم كيف يمكنهم المساهمة- بما وصلوا إليه بشأن آلية عمل تلك المواد اللاصقة- في إنشاء مواد ائتلافية مركبة صناعية يمكنها ربط المواد القوية ببعضها بشكل قوي في الوقت الذي لن يشكل فيه وزنها نسبة كبيرة من وزن المواد الكلية التي يراد ربط عناصرها.
فهذه المواد تصدر طاقة من شأنها حماية العناصر القوية في أي مادة وتمنعها من الانكسار بسهولة؛ بل أن الطاقة التي تصدرها تلك المواد اللاصقة تعالج نفسها بنفسها في حال تعرضها للكسر بعد أن تتخلص من الضغط الواقع عليها، في حال وجوده.
ويقول العلماء إن آلية عمل هذه المواد اللاصقة مشتقة من آلية حماية العظام لنفسها وقدرتها على مقاومة الكسر في حال تعرضها للصدمات.، فمن المعروف أن 40% من تكوين العظام هو عبارة عن لفائف جذور شعرية.
وهذه اللفائف تساهم بالقسط الأكبر في توفير القوة الميكانيكية لهذه العظام. وفي حال تعرض العظام لصدمة ما، فإن هذه اللفائف تنفصل عن بعضها البعض وتنتشر مكان انفصالها حلقات جزيئات صمغية تحتوي على مواد بروتينية، الأمر الذي يُوجد شظايا عظمية إضافية أكثر قدرة على مقاومة العظام. وعندما تلتصق اللفائف ببعضها البعض، يحدث تعافي للأربطة.
وباختصار فإن الطبيعية، على حد قول العالم هانسما عند شرحه لآلية عمل المواد الصمغية، تستخدم كمية صغيرة للغاية من الصمغ الطبيعي كي تسمح بأن يتوزع العبء الميكانيكي الواقع على العظام على العناصر القوية الموجودة فيها و من ثم تحول دون كسرها.
يقول هانسما و زملاؤه في البحث إن هذه الخطوط الإرشادية قد تجعل من الممكن إنشاء مواد مركبة تتمتع بقوة هائلة مثل تلك التي تتمتع بها عظام الإنسان. فالمركبات النانوية على حد تعبير هؤلاء العلماء يمكن أن تكون أكثر صلابة عن طريق زيادة نسبة الهياكل النانوية الموجودة فيها بشكل ملحوظ وعن طريق تحسين جودة الصمغ الذي يربط بين تلك الهياكل.
وفي رد فعل لما توصل إليه العلماء في هذا الصدد ، وصف الباحث ليونارد يوويل، وهو اختصاصي في علوم المواد النانوية في مركز جونسون لعلوم الفضاء، وهو مركز تابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا- وصف ما توصل إليه العلماء بأنه (أمر مشجع للغاية أن يجري التوصل إلى مواد محسنة باستطاعتها القيام بما لا تستطيع القيام به المواد العادية).
غير أن الباحث أكد على أن الأمر يتطلب جهدا جهيدا ووقتا طويلا و مزيدا من الدراسات من أجل أن يتحول هذا الفكر النظري إلى منتجات حقيقية. و أشار العالم في هذا الصدد إلى أن نهاية التسعينيات من القرن الماضي قد شهدت محاولات من قبل بعض العلماء هدفت إلى زيادة نسبة الأنابيب النانوية الكربونية في المواد المركبة، غير أن محاولاتهم أدت إلى زيادة نسبة اللزوجة ، الأمر الذي أدى إلى صعوبة عملية الخلط وعدم صلاحيتها.
يقول الباحث ماركوس بويهلير، وهو عالم في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، إنه من أجل أن تصبح المادة أكثر صلابة فإن الأمر يعني وضع الهياكل النانوية بجانب بعضها البعض بأفضل شكل ممكن. إذاً فالأمر كله، على حد قول معظم الخبراء الذين ناقشوا القضية، يعتمد على نوع من الهياكل النانوية المثالية التي يمكن من خلالها تحويل الكلام النظري إلى واقع.
وحتى الآن فإن العالم هانسما و زملاءه لم يعثروا بعد في المعمل على هذا النوع من الهياكل. فضلا عن ذلك، فإن أحدا من العلماء لم يُقْدم بعد على تعريف وتحديد أنواع الأربطة والتفاعلات التي ستحسن من جودة الصمغ القادر على بناء عتاد ومواد ثورية جديدة، مثل قاعدة قمرية قابلة للنفخ والتضخيم يمكنها مقاومة الأشعة والصخور والغبار الموجود على سطح القمر، وغيرها من المواد و الأجهزة التي يمكن استخدامها في الرحلات الفضائية.
ومن ثم فإن العلماء يعتقدون أن من السابق لأوانه التحدث عن التطبيقات التي يمكن الحصول عليها من خلال هذا النوع من الصمغ. غير أن ما تمخضت عنه السنوات الأخيرة من اختراقات علمية في كل المجالات تجعل العلم في حالة دائمة من الترقب لمزيد من الانجازات العلمية التي تتحقق بسرعة مذهلة بعد أن كانت مجرد خيالات علمية.
ترجمة: حاتم حسين
