بعد استعراض أوضاع المسلمين في روسيا على مختلف المستويات على النحو الذي عرضنا له في الحلقتين السابقتين، تنتقل المؤلفة في الجزء الثاني من الكتاب إلى استعراض البعد الإسلامي الداخلي على علاقات روسيا الخارجية وهو الأمر الذي تفصل فيه بما يتيح لنا الفرصة لإطلالة شاملة على السياسة الخارجية الروسية خاصة فيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والذي تواكب مع تطورات عديدة في النظام الدولي أفرزت حالة من الهيمنة الأميركية.
وفي إطار استعراضها لتأثير الحالة الإسلامية على علاقات روسيا الخارجية خاصة في العالم العربي والبلقان، تشير المؤلفة إلى ما ذهب اليه بوتين في تصريحات له بشأن ما أسماه قوس عدم الاستقرار المتمثل في المنطقة الممتدة من كوسوفو إلى الفلبين مرورا بالقوقاز، وآسيا الوسطى وأفغانستان، وهى المنطقة الواسعة التي رأى أن المتشددين الإسلاميين فيها يمثلون تهديداً عالمياً. النظرة السائدة في روسيا هي أن العالم العربي إنما يمثل مصدر الإلهام للتوجهات الإسلامية المتشددة والمساعدة المادية على الرغم من أن أي حديث عن ذلك حسبما ترى شيرين هنتر يجب أن يخضع للنقاش والتمحيص، وإن كانت لا تنفي أن الحركات الإسلامية في روسيا الحالية وامتداداتها قد استطاعت أن تقيم علاقات وصلات مع منظمات أخرى سواء في العالم الإسلامي أم العربي.
وقد تعزز نمو هذه الحركات بفعل تفكك الإتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا الأمر الذي قاد إلى أزمة في الهوية وانعكس في حروب الشيشان والبوسنة وكوسوفو. وفي ظل هذه النزاعات فإن العامل الإسلامي لعب دورا أساسيا على خلفية مساعي الشيشان والبوسنة إلى نوع من الانفصال. - العلاقة بالعالم العربي: تشير هنتر إلى أنه لدى الحديث عن علاقات روسيا مع العالم العربي، فإن العامل الإسلامي يلعب دورا هاما بشكل كبير، حيث يتردد في العديد من الدوائر الروسية الرسمية حديث عن تورط بعض الدول والمنظمات غير الحكومية العربية في الصراع الدائر في الشيشان. أما الوضع في البوسنة فيختلف كثيراً عن الوضع في الشيشان. فعلى الرغم من أنه كان مزعجا إلى حد كبير بالنسبة لروسيا، إلا أنه لم يؤثر بشكل ملموس على علاقات روسيا مع العالم العربي. ومن هنا ترى المؤلفة أنه في مجال تحديد النهج الروسي من الأزمة في البوسنة فإن العامل الإسلامي أيضاً كان ثانويا على الرغم من أنه فيما بعد أبدت روسيا قلقها بشأن احتمال تأثير موقفها المساند للصرب على موقف سكانها المسلمين.
ومع ذلك فإن العامل الإسلامي لعب دورا هاما في تحديد موقف روسيا من النزاع في كوسوفو بشكل جزئي لأن سكان روسيا المسلمين أصبحوا أكثر انغماسا في القضية ومن ناحية أخرى بسبب الرابطة التي رأتها روسيا بين النزاع في الشيشان وأحداث كوسوفو. وتشير المؤلفة إلى أن السياسة السوفييتية تجاه العالم العربي شهدت تغييرات ملموسة حتى فيما قبل تفكك الدولة على نحو لاحظه الكثير من المراقبين، وهنا تستعرض الحالة الجيدة التي كانت عليها علاقات موسكو مع أغلب الدول العربية والتحول الذي شابها فيما بعد نحو نهج أكثر براجماتية. فخلال الحقبة السوفييتية أقامت روسيا علاقات وثيقة مع الدول العربية المعادية للغرب مثل العراق وسوريا وليبيا ومصر خلال حكم عبد الناصر. وقد اقتربت هذه الأقطار من الاتحاد السوفييتي لما رأت من أنه يمثل موازناً موضوعياً للولايات المتحدة وبشكل خاص بالنسبة لتطورات الصراع العربي الإسرائيلي.
فقد ساند الاتحاد السوفييتي الموقف العربي وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أعقاب حرب 1967، غير أن الموقف السوفييتي تغير تماما في أعقاب تولي غورباتشوف الحكم والذي اتبع سياسة مختلفة سعت بمقتضاها موسكو إلى التخفيف من عبء عدد من القضايا التي رأت عدم أهميتها بالنسبة لها.
تحولات غورباتشوف
ظهرت بوادر تحول في موقف غورباتشوف من القضايا العربية عندما أعلن أمام الأسد خلال لقاء جمعهما في 1987 أن عدم وجود علاقات بين موسكو وتل أبيب يعد أمراً غير طبيعي، وفي 1988 أخبر غورباتشوف عرفات بأن لإسرائيل مخاوف أمنية مشروعة، وهو ما كان يصب في جهة التحول الجوهري في الموقف السوفييتي من القضية العربية المحورية متمثلا في التخلي عن التحفظ إزاء تبني بعض الطروحات الإسرائيلية.
وباختصار فإن الإتحاد السوفييتي لم يعد يرغب في تقديم مساعدة غير مشروطة للقضية العربية المحورية. الأهم من ذلك هو أن غورباتشوف راح يعزز علاقاته مع الدول العربية الموالية للغرب والتي تتخذ مواقف مناهضة لبلاده. وقد أدى الانسحاب السوفييتي من أفغانستان ومساندة موسكو للعمليات التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق في 1991 إلى إحداث تحول نوعي في موقف الاتحاد السوفييتي وفتح آفاقا جديدة أمام تعزيز علاقاتها بالدول العربية. ورغم كل هذه الجهود فإن الاتحاد السوفييتي لم ينجح في تعزيز علاقاته مع الدول المعتدلة بل قوض كذلك من نفوذه الذي كان له فيما قبل.
وتشير المؤلفة إلى أنه مما عزز التغير في السياسة السوفييتية المصاعب الاقتصادية حيث لم يعد في مقدور هذه الدولة تقديم المزيد من المساعدات العسكرية والمساعدات الاقتصادية إلى أقطار مثل سوريا والعراق والتي أصبحت مع نهاية الثمانينات مدينة للاتحاد السوفييتي بمبالغ كبيرة.
وترى المؤلفة أن علاقات روسيا مع الدول العربية وخاصة المعتدلة إنما تعد انعكاسا لعلاقاتها مع الولايات المتحدة فخلال الفترة التي كانت هذه العلاقات بين موسكو وواشنطن على ما يرام وهي فترة حرب الخليج حتى 1994، كان لذلك تأثير إيجابي على علاقات موسكو بالدول العربية وعلى العكس فإنه وإثر تدهور علاقات موسكو مع واشنطن خلال الفترة من 1995 وحتى 2001، تدهورت بالتالي علاقات موسكو مع العالم العربي. وعزز من ذلك موقف بعض الأنظمة العربية من طالبان والتي كان لها امتداد في التأثير على الحركات الإسلامية في روسيا ذاتها ما ألقى بظلاله على علاقات موسكو مع دول عربية فاعلة في هذا الصدد.
تأثير النزاعات الإقليمية
ألقى عدد من النزاعات الإقليمية بما في ذلك قضايا السكان المسلمين بتأثيراته السلبية على علاقات موسكو مع الدول العربية البارزة. ومن ذلك النزاع بين الصرب ومسلمي البوسنة والذي ساندت روسيا خلاله الصرب ولكن النزاع الذي كان له تأثير كبير وطويل المدى على العلاقات العربية الروسية هو الحرب في الشيشان. فقد أدانت دول عربية، وبعضها كان موقفه شديد اللهجة، الموقف الروسي تجاه أحداث الشيشان، حتى أن بعض هذه الدول أبدت قلقها بشأن مصير مسلمي الشيشان قبل بدء المواجهة العسكرية بين الروس والشيشانيين.
ومع اندلاع الأعمال العسكرية في ديسمبر 1994 حرصت أطراف عربية على إثارة الموضوع على مستوى العالم الإسلامي كله. وفي يناير 1995 وجهت دعوة عربية لمجلس الأمن إلى الانعقاد من أجل وقف الحرب في الشيشان وفي البوسنة كما تم عرض القضية على منظمة المؤتمر الإسلامي حيث طالب المشاركون بحكم ذاتي للشيشان الأمر الذي اعتبرته روسيا بمثابة مطالبة باستقلال الشيشان مما سيؤدي إلى تفكيك أراضيها.
وتشير المؤلفة إلى تدفق مساعدات مالية من منظمات عربية غير حكومية إلى مسلمي الشيشان لتعزيز موقفهم في حربهم مع موسكو. وعلى هذا فقد كانت هذه الأخيرة تنظر إلى أطراف عربية على أنها مصدر المشاكل داخل حدودها وعلى امتداد هذه الحدود. وعزز ذلك تقاطع التحالفات ففيما كانت أطراف عربية تؤيد نظام طالبان، كانت موسكو تؤيد القائد الطاجيكي أحمد شاه مسعود قائد التحالف الشمالي.
كما أن استئناف العلاقات الدبلوماسية الروسية الإسرائيلية في 1991 قد ألقى بظلاله على العلاقات الروسية العربية خاصة وأن ذلك اعتبر تحولاً في موقف موسكو من النزاع العربي الإسرائيلي من ناحية فضلا عن بروز اتهام جديد في الأفق يتمثل في الترويج لمقولة أن مسلمي الشيشان يقدمون مساعدات للفلسطينيين ما أدى إلى تماهي مواقف موسكو وتل أبيب لجهة توصيفها على أنها «حرب ضد الإرهاب».
انفراجة محكومة
تشير المؤلفة في إطار استعراض هذا الجانب إلى أن التغيرات الإقليمية والدولية الناجمة عن أحداث 11 سبتمبر قد خففت كثيرا من التوترات العربية الروسية حيث تم القضاء على نظام طالبان، كما أن الحرب في الشيشان خمدت حدتها، وإن لم تنته تأثيراتها السلبية تماما. فضلا عن ذلك فإن الموقف المتوتر مع الولايات المتحدة على خلفية اتهام واشنطن لبعض الدول العربية بخروج منفذي عمليات سبتمبر منها أدى بهذه الأطراف إلى تعزيز العلاقات مع موسكو.
غير أن هذه العلاقات شهدت انفراجة كبيرة إثر زيارة زعيم دولة عربية رئيسية هي السعودية لموسكو في سبتمبر 2003 وهى الزيارة التي تم خلالها التطرق إلى العديد من القضايا مثار الخلاف بين موسكو وعدد من الدول العربية وانتهت إلى تسوية عدد من المشاكل العالقة.
لكن التوتر في العلاقات الروسية العربية كان يعود أحياناً ليطفو على السطح في ضوء اتهامات روسية لبعض البلدان العربية باستقبال قادة المسلحين الشيشان ومشاركة عرب في القتال إلى جانب الشيشانيين.
وتعتبر مصر من بين الدول التي لم تلق قضية الشيشان بتأثيرها على علاقاتها مع روسيا وذلك في ضوء توجهات النظام المصري القائمة على محاولة احتواء الأنشطة ذات الصبغة الدينية المتشددة في مصر وهو ما انعكس في اتخاذه موقفا متوافقا مع موسكو بشان قضية الشيشان.
أما موسكو فقد حاولت الاستفادة من القاهرة في الترويج لموقفها بشأن الشيشان، حيث شارك الرئيس الروسي بوريس يلتسين في قمة شرم الشيخ عام 1996 لمكافحة الإرهاب وراح يعمل على إلحاق موقف بلاده هناك بالحرب على الإرهاب.
وتشير المؤلفة إلى توافق موقف مصر مع موسكو وهو ما اتضح من خلال زيارة عمرو موسى وزير الخارجية المصري آنذاك إلى موسكو عام 1996 وتأكيده على أن مشكلة الشيشان يجب أن تحل في إطار سلمي وعلى أساس مبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي الروسية. وعلى العكس من الموقف الرسمي المصري جاء موقف الإخوان المسلمين الذين راحوا ينتقدون بشدة السياسات الروسية في الشيشان، فيما دعا مفتي مصر فريد واصل الدول الإسلامية إلى مقاطعة روسيا سياسيا واقتصاديا وسط أنباء أشارت إلى وجود مصريين يقاتلون في صفوف الشيشان.
وعلى شاكلة الموقف المصري جاء الموقف العراقي حيث لم يسمح لقضية الشيشان بأن تلقي بتأثيرها على مسيرة العلاقات مع موسكو. وقد كانت العراق الدولة الإسلامية الوحيدة التي أظهرت عدم الاختلاف تجاه الأحداث في الشيشان حيث كانت تغطية وسائل الإعلام العراقية للحرب تتم على نحو محايد أو موال لروسيا.
الأزمة العراقية
تتطرق المؤلفة بعد ذلك إلى تطور علاقات روسيا بالبلدان العربية فيما بعد أحداث 11 سبتمبر مشيرة إلى أن تطورات المنطقة خاصة لجهة استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وكذا تنامي احتمالات قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى العراق على خلفية رفض صدام حسين التعاون الكامل مع الأمم المتحدة.. كل ذلك أدى إلى توفير فرص كافية لروسيا من أجل إعادة تأكيد حضورها القوي في المنطقة.
وعزز من ذلك توجه عدد من الدول العربية الفاعلة إلى العمل على تفعيل دور روسيا في حل الصراع مع إسرائيل والحيلولة دون تطور الأزمة العراقية إلى مستوى العمل العسكري. وقد انعكس ذلك في توجه العديد من القادة العرب لزيارة موسكو في مسعى منهم لتجنيب المنطقة ويلات حرب كانت نذرها واضحة بين الولايات المتحدة والعراق ومن هؤلاء القادة الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن وكذلك الملك محمد السادس عاهل المغرب والرئيس اليمني علي عبد الله صالح والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.
ورغم هذه الجهود العربية فإن موقف موسكو بشأن الازمة العراقية شابه قدر من الغموض حيث راحت موسكو تعلن أنها ما زالت تعتقد ان الضربة العسكرية للعراق ليست أفضل وسيلة للتعامل مع صدام. وترجح المؤلفة السيناريو الذي ذهب إليه البعض والمتمثل في أنه لو أقدمت الولايات المتحدة على التفاهم مع موسكو بشأن مصالحها الاقتصادية في بغداد وترتيبات ما بعد نظام صدام لما مانعت هذه الأخيرة في مساندة ضربة عسكرية أميركية للنظام العراقي. وتتطرق إلى ما ذهب إليه البعض من ان الولايات المتحدة كان يمكنها أن تصل بالموقف الروسي إلى حد المشاركة في التحالف.
وفي الختام تشير إلى أنه حتى أسابيع قليلة قبل غزو العراق، فإن ما كان يحكم الموقف الروسي هو المصلحة التي يمكن تحقيقها جراء تطورات الوضع في العراق وكذا الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة ومع الدول العربية والعالم الإسلامي، ولذلك عملت على ترك خياراتها مفتوحة لكي تتخذ ما تراه مناسبا ومتوافقا مع التطورات على أرض الواقع.
وفي إشارة إلى براجماتية السياسة الدولية تذكر المؤلفة تصريحا لبوتين راح يمهد فيه لموقف بلاده الذي قد ينتهي إلى تأييد الموقف الأميركي بإعلانه أنه حال ثبوت وجود علاقة بين النظام العراقي والإرهاب بما في ذلك الإرهاب في الشيشان فإن موسكو سوف تساند اتخاذ عمل عسكري ضد العراق رغم أن هذا الأمر لم يكن مطروحا بأي حال من الأحوال.
وعلى طريق تسوية علاقاتها مع العالم الإسلامي التي توترت على خلفية أزمة الشيشان جاء تحسين العلاقات بين موسكو ومنظمة المؤتمر الإسلامي من خلال الزيارة التي قام بها أمينها العام عبد الواحد بلقزيز إلى موسكو في يناير 2003. لقد كانت اللغة التي سادت خلال الزيارة مختلفة عن سابقتيها واللتين قام بهما الأمين العام للمنظمة في عامي 1994 و1997 حيث كانت تسيطر أزمة الشيشان على أجواء العلاقات.
إذابة الجليد
في ضوء تطورات ما بعد أحداث سبتمبر حيث ساد التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا، بدت منظمة المؤتمر الإسلامي حريصة على إذابة الجليد مع موسكو وهو ما بدا بشكل واضح في البيان الذي أدلى به أمين عام المنظمة وأشار فيه إلى أن قضية الشيشان تعتبر مسألة روسية داخلية، كما وعد في الوقت ذاته ببذل قصارى جهده من أجل السيطرة على المساعدات التي تقدم إلى المتمردين الشيشان، وإن نفى في الوقت نفسه أن تكون لديه معلومات بمساعدات عربية تقدم إلى الشيشان واعدا بدور للمنظمة في تعزيز الاوضاع في الشيشان ولكن بعد التوصل إلى تسوية للمشكلة.
وفي إطار حملة علاقات عامة لتحسين الموقف رتبت موسكو لقاء جمع بين عبد الواحد ومفتي روسيا وأعضاء مجلس الإفتاء كما زار كازان عاصمة تتارستان أيضاً حيث أبدى دهشته بعدد المساجد الكثيرة هناك، ووصل الأمر إلى حد إبداء الرئيس بوتين رغبته في التحاق روسيا بمنظمة المؤتمر الإسلامي وذلك خلال لقاء جمعه مع مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا خلال زيارة لكوالالمبور في اغسطس 2003.
من استعراض تأثير البعد الإسلامي وخاصة الحرب في الشيشان على علاقات روسيا بالدول العربية تتطرق المؤلفة إلى الموقف في البلقان فتذكر أنه كان لروسيا علاقات تاريخية ذات بعد ديني مع المنطقة وبخاصة مع سكانها المسيحيين الأرثوذكس. لقد بدأت أولى حروب البلقان عام 1991 كنتيجة لتفكك يوغوسلافيا وقرار عدد من أجزائها الحصول على الاستقلال وإثر ذلك بدأت محاولة مسلمي البوسنة الاستقلال عن يوغوسلافيا.
وتشير المؤلفة إلى انه بالنسبة لأغلب تطورات أزمة البوسنة فإن دور العامل الديني كان ضعيفا إلى حد ما في السياسة الروسية غير أنها تشير إلى أنه مع ذلك فإن هذه العوامل كانت ذات تأثير كبير في تشكيل موقف شعبي. فالكنيسة الأرثوذكسية الروسية كانت ترغب بشكل كبير في تعزيز مساندتها للصرب، ولهذا فإنه خلال زيارة قام بها البطريرك الروسي لصربيا في مايو1994 دعا موسكو إلى رفع كل العقوبات عن الصرب من جانب واحد باعتبار أنها غير مؤثرة. وقد عكس هذا الموقف التأثير الذي بدأ يمارسه البعد الديني على الموقف السياسي الروسي والذي راح يدعو الغرب إلى ممارسة المزيد من الضغط على مسلمي البوسنة.
وحتى تلك المرحلة فإن البعد الإسلامي لم يكن قد ظهر بعد في السياسة الروسية رغم أن روسيا لم تكن تريد بالطبع قيام دولة مسلمة في قلب البلقان. ورغم ذلك ووفق السياق الذي تقدمه المؤلفة، فإن موسكو لم تغفل عن تطورات الواقع خاصة مع بدء وقوع مجازر ضد مسلمي البوسنة على يد الصرب وإمكانية أن يلقي ذلك بتأثيره على المسلمين في داخلها وعلى علاقاتها مع العالم الإسلامي. وقد أدى اندلاع حرب الشيشان في ديسمبر 1994 بروسيا إلى موازنة موقفها ومحاولة الظهور بأنها أقل انحيازا لطرف دون الآخر في الأزمة اليوغوسلافية.
ولهذا فإنه لدى زيارة رئيس الوزراء البوسني حارث سيلاجيتش لموسكو في فبراير 1995 أشار إلى أن عددا كبيرا من المسلمين يعيشون في روسيا وأضاف: على ضوء الخبرة البوسنية فإننا حساسون للضحايا المدنيين في الشيشان.
كما أن بعض قادة الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية كذلك قدموا اشارات إيجابية بشان مسلمي البوسنة، فخلال زيارته لصربيا في عام 1995، التقى البطريرك اليكسي الثاني مع الزعيم البوسني المسلم مصطفى سيريك عندما زار سراييفو والكاردينال فرانجو كوثاريك الكرواتي وبطريرك صربيا لإظهار أن النزاع اليوغوسلافي ليس وقوده الدين. ورغم هذه التطورات فإن البعد الإسلامي الداخلي لم يكن له التأثير الأكبر على سياسة روسيا الخارجية فيما يتعلق بأزمة البوسنة وقد أثبت الموقف أنه يختلف كثيرا عن تطورات الوضع في كوسوفو.
فقد استجابت روسيا بسرعة وقوة لتطورات الموقف في كوسوفو وبشكل خاص قصف الناتو لصربيا بما في ذلك بلغراد في مارس 1999. لقد كانت روسيا ترغب في ألا تكون بعيدة عن أي ترتيب مستقبلي لشكل أوروبا ولهذا فإنها أبدت حرصها على المشاركة بأعمال مجموعة الاتصال بشأن تطورات أزمة كوسوفو. وكانت روسيا تخشى أن تكون كوسوفو سابقة يستغلها الشيشان في تبرير موقفهم.
كما انها كانت ترى أن انفصال كوسوفو يمكن أن يكون له تأثيره لجهة إقامة ألبانيا الكبرى وهو الأمر الذي يمكن ان ينتهي إلى الحاق دول إسلامية أخرى في تحالف أكبر كما أنها كانت تخشى من أن يبرز تحالف بين البانيا وتركيا يمكنه تعزيز فرضية وجود حزام إسلامي حولها الأمر الذي كانت تتحسب له كثيرا.
وفي حالة كوسوفو فإن العامل الإسلامي على عكس أزمة البوسنة لعب دورا كبيرا في تحديد نهج السياسة الروسية. لقد أبدى المسلمون الروس قدرا كبيرا من النشاط خلال أزمة كوسوفو وعلى سبيل المثال فإنه في جمهورية تتارستان تطوعت أعداد صغيرة من الشباب للقتال في كوسوفو. كما راجت أنباء في تلك الفترة عن روابط بين مقاتلي كوسوفو والشيشان ورغم ذلك تؤكد المؤلفة على أنه لا يوجد أي دليل على مشاركة مقاتلين من الشيشان في القتال إلى جانب مسلمي كوسوفو.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق



