في إطار استعراضنا لكتاب أو «موسوعة» الإسلام في روسيا إذا صح التعبير نجول مع المؤلفة في هذه الحلقة على مجالات مختلفة تقدم لنا صورة متكاملة بشأن طبيعة أوضاع المسلمين في روسيا من جوانب عديدة مهمة سواء ما يتعلق بعددهم مقارنة بإجمالي السكان في روسيا، أو بتوزيعهم الجغرافي ومناطق تمركزهم وتلك التي يمثلون أغلبية فيها.

كما تنطلق المؤلفة كذلك إلى طبيعة الوجود المادي للإسلام، ممثلاً في أعداد المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية، وفي ذلك تشير إلى تطور كبير في هذه الأعداد على نحو يشير إلى اتساع نطاق الانتشار الإسلامي هناك، وإن كان في الوقت نفسه اتساع يشوبه بعض النقائص التي لا تبشر بمستقبل مزدهر وفق ما قد توحي به عملية انتشار المساجد والمؤسسات الدينية التي تدير قضايا المسلمين في روسيا. وفي إطار التطرق لطبيعة الأوضاع الداخلية لمسلمي روسيا في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تشير المؤلفة إلى أنه مع تفكك الدولة السوفييتية توسع الحضور الإسلامي بشكل كبير الأمر الذي انعكس في العديد من المظاهر المادية والثقافية.

غير أن المؤلفة تذكر رغم ذلك أن الوضع غير مبشر كثيراً بشأن مستقبل وجود المسلمين والإسلام في روسيا في ظل مجموعة متغيرات تعمل على تقويض وضع المسلمين هناك من بينها سياسات حكومة بوتين التي تهدف في جانب منها إلى استعادة سيطرة الحكومة المركزية في موسكو، وكذلك الجهود الكبيرة التي تبذل من أجل إخضاع المنظمات الإسلامية للسيطرة الحكومية، فضلاً عن تنامي المشاعر المعادية للمسلمين من بين بعض الأصول العرقية الروسية الأخرى، على خلفية حرب الشيشان بما في ذلك بعض العمليات المسلحة التي اتسمت من وجهة نظر البعض بالطابع «الإرهابي»، هذا فضلاً عن افتقاد بعض المسلمين الروس للبعد الديني مما يجعلهم غير مستعدين للعمل على ازدهار وضعه في روسيا.

تزايد العداء: جاءت نتائج أحداث سبتمبر والتي كان لها تأثير محوري ليس على صعيد روسيا فحسب وإنما على مستوى العالم، حيث ولدت حماسة لدى الغرب، وفق ما تذكر شيرين هنتر، في إطلاق يد روسيا لتتصرف وفق ما تراه مناسباً مع السكان المسلمين على أرضها. وقد تزايدت هذه المشاعر في أعقاب عملية احتجاز الرهائن في أكتوبر 2002 من قبل مجموعة من المتمردين الشيشان، وهي العملية التي تركت تأثيراً سلبياً كبيراً لدى الروس بشأن المسلمين والإسلام. ففي 23 أكتوبر عام 2002 قامت مجموعة متشددة شيشانية تطلق على نفسها اسم «رياض الصالحين» باحتجاز 800 شخص كرهائن في مسرح دوبروفكا لمدة ثلاثة أيام. وقد انتهت الأزمة في 26 أكتوبر إثر اجتياح قوة روسية خاصة المسرح. لقد كان المحتجزون يمثلون فرعا أكثر تشدداً من بين المسلحين الشيشان الذين يخوضون نضالهم ضد روسيا على خلفية إسلامية، ورغم اختلاف الأسلوب إلا أنهم كانوا يسعون إلى تحقيق نفس الهدف الذي سعي إليه أسلافهم والمتمثل في سحب روسيا لقواتها من الشيشان والاعتراف بحقها في الاستقلال.

وتشير المؤلفة إلى ان عملية احتجاز الرهائن كانت مظهرا دراماتيكيا أو الأكثر دراماتيكية على صعيد المشاكل التي واجهتها روسيا فيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فيما يخص التحول من دولة ذات نظام حكم شمولي وذات عرقيات متعددة إلى دولة ديمقراطية تتسم بالتعددية. ورغم هذه التوجهات فإن المؤلفة تشير إلى أنه إزاء كون الإسلام يمثل الديانة الثانية في روسيا بعد المسيحية الأرثوذكسية فإن عدد اتباعه وتأثيراته الثقافية سوف تظل تفرض نفسها كعامل أساسي على التطورات السياسية والثقافية في روسيا.

تباين الاحصاءات

كم عدد المسلمين الروس؟ تشير المؤلفة إلى أنه ليس هناك اتفاق بين المؤسسات التي تناولت هذا الجانب. فضلا عن انه لا توجد إحصاءات دقيقة رسمية بشأن عدد المسلمين، وبناء على ذلك فإنه من الطبيعي ان يختلف تحديد هذا الأمر بشكل كبير بين التقديرات غير الرسمية وتلك الرسمية إلى الحد الذي يتراوح معه ما بين ثلاثة ملايين و30 مليون نسمة، وهو تباين، كما أشرنا في الحلقة السابقة، يثير الدهشة والتساؤل.

وتضيف المؤلفة أنه طبقا لإحصاء أجرته مؤسسة الرأي العام في يوليو 2002 فإن نحو 2, 4% من مواطني روسيا بما فيهم نحو 9, 2% من سكان موسكو يعتبرون أنفسهم مسلمين، وذهب إحصاء مماثل جرى في ابريل 2001 إلى نتائج مختلفة حيث أشار إلى ان نحو 5% من سكان روسيا (5, 7 ملايين نسمة) بما فيهم نحو 2% من سكان موسكو يعتبرون أنفسهم مسلمين.

وإزاء هذا التباين في تقدير عدد المسلمين والذي يصعب معه الخروج بتصور معين بشأن إمكانيات ومستقبل الوضع الإسلامي هناك تتطرق المؤلفة إلى مستقبل الوضع السكاني في روسيا فتشير إلى ان أحد الإحصاءات يقدر عدد المسلمين في روسيا مع حلول عام 2030 بنحو 30 مليون نسمة رغم وجود تقديرات تذهب إلى رقم يتجاوز ذلك بكثير. وتعتبر هذه الزيادة وفقا للمؤلفة غير كبيرة، إلا أنها تكتسب أهميتها من الأخذ في الاعتبار نقصان المواليد على الجانب المسيحي الأرثوذكسي وهو ما يجعل من ذلك أمرا ذا دلالة. وتذكر شيرين هنتر ان بوتين ذاته راح يعبر عن قلقه لهذا الاتجاه في النمو السكاني والذي ينذر بتحولات لصالح المسلمين.

وإن كانت المؤلفة بشكل عام تميل إلى تأييد الرؤية التي تشير إلى أنه فيما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي كان عدد المواطنين الروس المسلمين يقدر بنحو 50 مليون نسمة فيما يصل إلى خمس عدد سكان الاتحاد السوفييتي والذي كان يقدر آنذاك بنحو 280 مليون نسمة. واليوم فإن الأعراق المختلفة في روسيا تشكل ما نسبته 80 إلى 83% من إجمالي سكان روسيا البالغ عددهم 145 مليون نسمة. وتتحفظ المؤلفة بشأن صحة الأرقام مشيرة إلى أنه إزاء الأجواء التي كانت تعيشها روسيا أو الاتحاد السوفييتي فإن ذلك كان يؤدي بالبعض إلى إخفاء هويتهم الدينية وهو ما يلقي بتأثيره على صحة الأرقام التي من الممكن إعلانها في هذا الصدد.

وفي الإطار نفسه تشير إلى تزايد انتشار المظاهر المسيحية في روسيا فيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ومن ذلك الكنائس التي تم إعادة تجديدها وتلك الجديدة التي تم بناؤها فضلاً عما قررته وزارة التعليم عام 2002 بشأن إدراج مقرر تعليمي عن الحضارة المسيحية في المدارس الروسية وإن لم يعن ذلك أن هذا النفوذ يرتقي إلى ذلك الذي كان للمسيحيين أو الكنيسة خلال حكم القياصرة.

أما عن التوزيع الجغرافي للمسلمين في روسيا فتشير إلى أنهم يتواجدون في أغلب المناطق بما في ذلك شبه جزيرة كامشاتكا والتي يتواجد بها نحو 30 ألف مسلم. ورغم هذا التوزع الجغرافي إلا أن المسلمين الروس يتركزون في منطقتين رئيسيتين هما شمال القوفاز أو جنوب روسيا ومنطقة الفولغا ـ الأورال. وطبقاً لبعض التقديرات فإن الإسلام هو الديانة المهيمنة في داغستان وانغوشيا والشيشان وكاباردينو ـ بالكاريا وكاراشيفو وشيركيسيا. وأشار آخرون إلى أن المسلمين يمثلون الغالبية في سبع مناطق من المناطق الـ 89 المكونة لروسيا الاتحادية.

المؤسسات الإسلامية

ثم تتطرق المؤلفة إلى الإسلام المؤسسي فتذكر المؤلفة أنه خلال الحقبة السوفييتية كان يقوم على شؤون المسلمين فيما يعرف الآن بروسيا الاتحادية نحو ثلاث مؤسسات رئيسية الأولى هي القائمة على شؤون المسلمين في الجزء الأوروبي من روسيا وسيبريا والثانية الكائنة في القوقاز بداغستان أما الثالثة فقد كانت تحت إدارة مجلس الشؤون الدينية في روسيا والذي أنشأه ستالين عام 1944 ثم جرت عليه بعض التعديلات واستمر في متابعة القضايا الدينية للسكان الروس إلى ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

لقد تغير هذا الوضع بشكل جذري في مرحلة ما بعد الحقبة السوفييتية، فإذا كان يمكن توصيف هذه الحقبة بأنها كانت تتسم بالمركزية في إدارة شؤون المسلمين، فإن الوضع تحول إلى العكس فيما بعد حيث تعددت المؤسسات والتنظيمات التي تتابع قضايا المسلمين على نحو يتسم بالتشظي.

وهنا كذلك تختلف الأرقام بشكل كبير، فيذكر البعض أن عدد هذه المؤسسات ارتفع عام 1999 ليصل إلى نحو 40 مؤسسة وأن هذا الرقم وصل عام 2000 إلى نحو ستين مؤسسة. وفي إشارة إلى مستوى التفكك تؤكد المؤلفة أنه خلال يوليو 1999 وصل عدد المؤسسات المحلية والإقليمية إلى نحو 3072 مؤسسة مسجلة لدى وزارة العدل فيما وصل العدد الإجمالي وفق تقدير آخر إلى نحو 4140 مؤسسة خلال عام 2000.

وإذا كانت هذه الظاهرة تثير التساؤل فإن المؤلفة تغوص في أبعادها محاولة الوقوف على أسبابها فتشير إلى أن ذلك جاء بشكل عام نتيجة منطقية للتطور الديمقراطي المفاجئ. كما أنه يعكس في الوقت ذاته التنوع العرقي والثقافي والجغرافي لمسلمي روسيا أنفسهم. وهي تشير إلى أن ذلك الأمر قد يكون له انعكاسات سلبية لجهة التنافس بين القادة المسلمين لهذه التنظيمات والمؤسسات.

وتشير في ذلك إلى التنافس بين المفتي طلعت تاج الدين رئيس مجلس الشؤون الدينية لمسلمي روسيا ومسلمي الدول المستقلة والذي مقره أوفا وبين شيخ آخر يشغل منصب رئيس مجلس ديني إسلامي في موسكو الأمر الذي كان يعكس التنافس العرقي والسياسي بين التتار والبشكير. وبحسب ما يذهب إليه البعض، فإن معظم النتائج السلبية على اندماج الإسلام في روسيا إنما تكمن في التوترات بين التتار والبشكير.

وقد حفز انتشار هذه المؤسسات الدينية الحكومة على التدخل لتنظيمها وإدماج بعضها ولذلك سنت الحكومة الاتحادية في سبتمبر 1997 تشريعاً بشأن تنظيم المؤسسات والاتحادات الدينية ميز بين مجموعتين: تلك التي يجري تأسيسها بموافقة وترتيب مع الجهات الرسمية وتلك التي تنشأ بشكل غير رسمي.

كما اشترط القانون أن تقدم المنظمة الدينية ما يشير إلى أنها تعمل على الأراضي الروسية لمدة خمس عشرة سنة قبل التسجيل واكتساب الحقوق المترتبة على ذلك. وفي يوليو 2002 تم تعديل إحدى مواد قانون 1997 بمبادرة من الرئيس بوتين من أجل ما اعتبره مواجهة واحتواء التشدد السياسي وفرض التعديل قيوداً عديدة على تأسيس هذه التنظيمات ومن ذلك أنه منح السلطة حق حظر نشاط أي منظمة تنخرط في أنشطة متشددة.

وفي صياغة غامضة أشار التعديل إلى أن ذلك يشمل أي عمل يمثل تهديداً للأمن الروسي. ومثل هذه اللغة يمكن استخدامها، حسبما تذكر هنتر، من أجل تقييد أي نشاط ديني ترى الحكومة أنه غير مرغوب فيه.

المساجد في روسيا

ثم تتطرق المؤلفة إلى الوجود المادي الملموس للإسلام في روسيا فتشير إلى أن القياصرة والسوفييت قضوا على كافة مظاهر الوجود الإسلامي والبنية الثقافية الأساسية في المنطقة ومع ذلك فقد نجحت بعض المساجد التاريخية من التدمير في بعض المناطق وبشكل خاص في تتارستان.

وتشير المؤلفة إلى أن التأثير الأكثر ضرراً تمثل في تقويض المؤسسة الدينية وبشكل خاص التعليم الإسلامي والعلماء المؤهلين، وهي المهمة التي ترى هنتر أنها ستحتاج إلى مجهود أكبر من أجل إعادة بنائها يتجاوز ذلك الجهد المطلوب من أجل إعادة بناء المساجد.

وفيما يتعلق بالمساجد، تشير المؤلفة إلى أنه خلال حكم غورباتشوف كان هناك نحو 94 مسجداً فقط في الأراضي الروسية ومع ذلك فإن هناك العديد من الأماكن ظلت تستقبل المسلمين لأداء الشعائر دون أن تتمتع بالصفة الشرعية كمكان للعبادة. ومنذ ذلك الوقت بدأ انتشار المساجد بشكل كبير.

وحسب بعض التقديرات فإنه خلال الفترة من 1991 وحتى عام 2000 فإن العدد الرسمي للمساجد المسجلة في روسيا ارتفع من نحو 870 إلى سبعة آلاف. ومع ذلك أيضا فإن عدداً محدوداً من هذه المساجد بني من أجل استخدامها لهذا الغرض فضلا عن أن الكثير منها بدون قبة، فيما أن الباقي تعد مصليات صغيرة لا تتضمن ما يشير إلى أنها كذلك سوى موضع القبلة.

ثم تشير إلى سوء توزيع المساجد أو الأبنية التي تستخدم لذلك ومما تذكره في هذا الخصوص أن الإحصاءات تشير إلى أنه في شمال القوقاز وبالتحديد في داغستان توجد وفرة في المساجد تتجاوز الحاجة إلى الحد الذي لا يرتادها الكثير من المصلين. وتعرض المؤلفة للموقف في جمهورية تتارستان التي تعد تاريخياً مركز الحضارة الإسلامية في المنطقة حيث تذكر أنه يوجد بها عدد من المساجد التاريخية خاصة في العاصمة كازان بعضها بني في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على الرغم من أن بعضها يعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر. وتوضح أن المسجد الوحيد الباقي من هذه الفترة هو مسجد «كل شريف» والذي تجري عملية ترميمه.

وتقول إنه خلال عام 19990 برزت مدينة «نابريز هيني تشيلني» كمركز أساسي للصحوة الإسلامية في تتارستان، وقد أقيمت العديد من المساجد الجديدة في المدينة أكبرها هو مسجد التوبة وسط ظواهر تشير إلى تزايد بناء المساجد هناك.

الإعلام الإسلامي

من هذه النقطة تنتقل المؤلفة إلى الحديث عن الإعلام الإسلامي في روسيا فتشير إلى أنه منذ 1991 كان هناك تزايد في أعداد الإصدارات والإذاعات ومحطات التلفزيون التي تتعامل مع القضايا الإسلامية وبحلول عام 2002 اصبح هناك حسبما تذكر نحو اربعين صحيفة ومجلة ذات طبيعة اسلامية في روسيا، ومع ذلك فإنه على شاكلة بقية الجوانب المتعلقة بالوجود الاسلامي في روسيا فإن الاعلام ذا التوجه الاسلامي يتنامى من خلال اصدارات تظهر ثم تختفي في الغالب.

ففي موسكو هناك إصدارات مهمة من بينها جريدة شهرية تسمى المنبر الاسلامي وجريدة تسمى تربيون الاسلام وهي تصدر منذ عام 1994 وتطبع نحو 10 آلاف نسخة وجريدة العالم الاسلامي وأخرى تسمى زمزم وتقوم على اصدارها جمعية خيرية تحمل الاسم نفسه.

التنظيمات المتشددة

ضمن القضايا التي تخصص لها المؤلفة جزءا من الكتاب يأتي استعراض من تصفهم بالجماعات المتشددة في روسيا وهنا وفي محاولة لتبني رؤية تبدو موضوعية تشير المؤلفة الى ان أي تحليل لهذا الجانب انما يواجه مشكلة تتعلق بتقديم تعريف واضح للتشدد ومن هو المتشدد ومن سياق تناولها يبدو ان التوجه الروسي هو اطلاق توصيف متشدد على كل من يلتزم بأداء الشعائر وبالتعاليم الاسلامية.

وضمن هذا التعريف تندرج مجموعات عديدة في الشيشان وفي هذا الخصوص تشير المؤلفة الى ان الفترة ما بين حربي الشيشان الاولى في اغسطس 1996 والثانية سبتمبر 1999 شهدت ظهور العديد من التنظيمات المتشددة وتذكر ان من بين تلك المجموعات تلك التي قادها شامل باساييف لقد اعادت هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة فتح الباب امام الجدل بشأن هوية روسيا واطلاق المطالب الحبيسة والتي تم كبتها بشأن الحكم الذاتي إلى درجات متباينة من التوتر.

وكذلك ظهرت في داغستان جماعات وصفت بالمتشددة ومنها تنظيم اطلق على نفسه اسم جماعة داغستان وطبقا لمحلل سياسي تنقل المؤلفة عنه فقد انخرط هذا التنظيم في اعمال عنف ضد السلطات في داغستان وضد القوات الروسية التي تتمركز في البلاد منذ 1997 وفي سبتمبر 1998 وفيما بدا كرد فعل على مساعي السلطات هناك لقمعها نقلت المجموعة نشاطها الى الشيشان.

وتشير المؤلفة في إطار استعراضها لطبيعة تأثير مسلمي روسيا على تطورات الاوضاع هناك فتشير الى محدودية هذا التأثير معتبرة ان احد اسباب ذلك يتمثل في وضعهم الاقتصادي حيث انهم يظلون حسب المؤلفة ضمن الفئة الاقل تميزا في المجتمع على المستويين الاجتماعي والاقتصادي وعلى نحو مشابه فإن تأثيرهم السياسي والثقافي يظل هامشيا وهذا الموقف انما يعد انعكاسا لانعدام المساواة داخل المجتمعات الاسلامية في اطار روسيا ولقرون من السياسات الاجتماعية الاقتصادية التي قامت على اساس التمييز ضد المسلمين.

لقد ادى التحدي الماثل في صعود الحركات القومية في المناطق المسلمة التي يسيطر عليها الروس وبشكل خاص في الشيشان حيث يقاتل الانفصاليون تحت الراية الاسلامية الى التأثير على تطور الفيدرالية الروسية فيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وساهم كذلك في الاتجاه الحالي نحو اعادة المركزية ففي توسيع لمستوى الرد على التحدي الشيشاني بادر الرئيس بوتين بالتأكيد الكاسح على السلطة المركزية منهيا على نحو مفاجئ التجربة القائمة على تفكيك المركزية.

وعلى ذلك فإنه بعد نحو عقد من الحكم غير المركزي والذي قام على نحو كبير على اساس اتساع سلطات المناطق والجمهوريات الاخرى جراء ضعف الحكومة الفيدرالية فإن التقليد الروسي القائم على الحكم المركزي اصبح له دور اساسي على مختلف الصعد سواء على المستوى الشعبي أم على مستوى النخبة ولذلك فإن مستقبل الكيان الروسي الفيدرالي يتجه نحو التخلي عن المكاسب التي تحققت على صعيد تفكيك المركزية ومن هنا قد لا يبدو غريبا ان تكون السلطات والصلاحيات التي منحت للمناطق أو الحكومات الاقليمية في شكل مشاركات من خلال معاهدات خلال حكم بوريس يلتسين موضوعا للاصلاح والمراجعة من قبل السلطات الاتحادية.

ومع الاتجاه الى نوع من المركزية السياسية في روسيا وكذلك الهيمنة الثقافية فإن الاسلام سوف يظل على الهامش في الحياة الاجتماعية والسياسية الروسية على الرغم من ان الاتجاه نحو الاحياء الثقافي والوجودي الاسلامي لن يتراجع بسهولة بل ان بحث المسلمين عن الحكم الذاتي من المرجح ان يستمر حتى اذا ما تواصل اسلوب القمع مع هذه المطالب ولذلك فإن الاسلام سيستمر في التأثير على التطور السياسي والثقافي في روسيا.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق