اتصلتُ بمكتب أحمد الجلبي، زعيم المؤتمر الوطني العراقي، في صباح أحد الأيام. في الواقع كنت وقتها داخل المنطقة الخضراء لمقابلة بعض أصدقائي من الأكراد.

وخلال دقائق جاءني رد من مكتبه يفيد بأنه عليّ التوجه إليه في الحال. الجلبي لا يقطن في المنطقة الخضراء وإنما في فيلا هي أقرب للقلعة المحصنة تقع في مكان ليس ببعيد عن المنطقة الخضراء. أُرسلتْ إليّ سيارتان مدججتان برجال مسلحين لتقلاني إلى محل إقامة الجلبي. وسارت السيارة التي تقلني في شوارع مهجورة غرب بغداد، هذه المنطقة التي تحولت هذه الأيام إلى منطقة حرب. كانت السيارة تسير بسرعة جنونية في شوارع متعرجة تحيطها الجدران الخرسانية من كل مكان إلى جانب الأسلاك الكهربائية.

لقد كان الجلبي منتظراً في منزله الواقع في حي المنصور، هذا الحي الذي كان يعرف بأنه حي السفارات في بغداد ولكنه أضحى الآن من أخطر مناطق العاصمة. كان هناك رجال شرطة وجنود في كل مكان تبدو عليهم علامات الغضب والعصبية.

لقد التقيت الجلبي في أوائل التسعينات وكنت دائما معجبا بمهارته وقدرته الفائقة على العودة بعد كل هزيمة يتلقاها. كانت له قدرة كبيرة على إثارة غضب أصدقائه وضجر أعدائه بشكل يفوق الوصف. وقبل أيام من مقابلتي إياه في حي المنصور، قال لي مسؤول في المنطقة الخضراء إنه يعتبر الجلبي إنسانا شريرا.

غير أن قدرا كبيرا مما فعله الجلبي أثناء فترة التسعينات كان هو بالضبط ما يفعله أي معارض في المنفى يحاول الإطاحة بنظام شمولي متعسف يترأسه طاغية. مثل هؤلاء المعارضين يحاولون دائما إثارة الفوضى والاضطراب وحالات التمرد داخل بلدهم ويعملون على الحصول على دعم وتأييد الدول المجاورة والقوى العظمى في العالم.

لقد فعل الجلبي ما فعله غيره في المعارضة العراقية في المنفى. غير أنه حقق نجاحا فاق أي نجاح آخر. لقد فشلت الولايات المتحدة في الذهاب إلى بغداد في 1991 لإسقاط صدام. وكانت المعارضة العراقية تعمل دائما على إغراء أميركا بالعودة للبلاد مرة أخرى.

وفشلت كل المحاولات الانقلابية وحالات التمرد في العراق، وهو أمر كان حتمي الحدوث. لقد قال لي الجلبي ذات مرة إن «الناس خارج العراق لا تدرك مدى الصعوبة التي ينطوي عليها أمر إسقاط حكومة لديها جهاز أمني عنيف وناشط بالدرجة التي كان عليها أمن صدام حسين».

هل اخترع الجلبي وجود دليل على تطوير العراق أسلحة دمار شامل أو دفع شهودا إلى الادعاء بأن صدام يمتلك تلك الأسلحة؟ حقيقة الأمر تشير إلى أن كل المعارضة العراقية، لاسيما أجهزة الأمن الكردي، كانت تفعل الشيء نفسه.

لكن كان من السخف بالفعل أن تدعي الـ «سي آي إيه» وأجهزة وصحف أميركية أخرى بالإضافة إلى جهاز الاستخبارات البريطاني «إم16» بأنه قد تم تضليلها من قبل المعارضة العراقية بشأن تلك الأسلحة. لقد كانت تلك الجهات على علم بما كان يريده الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير وأعطت لهما ما كانا يريدانه بالفعل.

التبرير الذي يقدمه الجلبي لتشجيعه الولايات المتحدة على غزو العرق هو تبرير بسيط للغاية. فهو يقول إنه فضّل الإطاحة بصدام حسين على أيدي أميركا ولكنه لم يكن يفضل ما حدث بعد ذلك من احتلال للبلاد، وهو الاحتلال الذي يقول عنه إنه سبب كل الكوارث التي وقعت بعد ذلك. رأيه هذا لا يروق للمسؤولين في واشنطن ولندن. في إبريل 2004، ناقش اجتماع عُقد في البيت الأبيض مذكرة مقدمة من مجلس الأمن القومي الأميركي بعنوان: «تهميش الجلبي».

وتسارعت الخطى بعد ذلك. فقد اُتهم الجلبي بأنه على علاقة وثيقة بالإيرانيين وبأنه نقل إليهم عبر رئيس وحدتهم الاستخبارية في بغداد أخبار قيام الأميركيين بفك شيفرة الاستخبارات الإيرانية. وقد أمر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي وقتها بالتحقيق في الأمر.

وبعد أيام قليلة، وبالتحديد في 20 مايو، قصفت قوات أميركية مقر إقامته في بغداد. وتراجعت حظوظه بعد ذلك بشكل كبير. وبعد الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2005، كان الجلبي ضمن التحالف الشيعي الذي فاز في الانتخابات. وتولى منصب نائب رئيس الوزراء. وفي الانتخابات التي جرت في نهاية العام خرج الجلبي عن التحالف الشيعي ولم يستطع الحصول على مقعد واحد في البرلمان.

وأثناء جلوسي معه في حديقة منزله، عبر الجلبي عن تشككه في إمكانية نجاح خطة بغداد الأمنية. ولكنه أعرب عن تفاؤله إزاء نجاح المفاوضات التي أدت إلى تصفية جيش المهدي، الذي كان يمثل عصب الميليشيا الشيعية، وذلك من خلال نفوذ قائده مقتدى الصدر وكذلك تأثير الإيرانيين وآية الله علي السيستاني.

ويرى الجلبي أن أكثر المشكلات العراقية حاليا إلحاحية في بغداد هي مشكلة المعتقلين والنازحين.

يقول الجلبي: «يجب أن تُبذل كل الجهود الممكنة من أجل إعادة هؤلاء مرة أخرى إلى أماكنهم الأصلية، وإلا فإنه سيكون من المستحيل السيطرة على الجانب الأمني. هؤلاء النازحون غاضبون للغاية ويريدون العودة إلى بيوتهم». ويعمل الجلبي من خلال لجان شعبية على إعادة إدارة المساجد إلى أهلها الأصليين.

ويختلف الجلبي في الرأي عن الكثير من العراقيين والمسؤولين الأميركيين في المنطقة الخضراء. فهو لا يعتقد أن الصدريين، أي عناصر حركة مقتدى الصدر، قد تفككوا. يقول في هذا الصدد: «كل هذا مجرد أماني. فقادتهم المحليون ينصاعون تماما لأوامر مقتدى الصدر». ويرى الجلبي أن إحدى الخطوات الرئيسية التي يمكن من خلالها إنهاء الحرب هي إشراك إيران، حيث يعبر عن هذا الأمر بالقول: «يجب أن يكون هناك تفاهم داخل الحكومة العراقية يفضي إلى تقارب بين أميركا وإيران».

وعن تهديدات الأميركيين بالانسحاب، يقول الجلبي: «كثيرٌ من العراقيين الآن يتساءلون ما إذا كان هذا يعتبر تهديدا أو وعدا». غير أنه يقول إنه يريد اتفاقا على حدود السلطة التي تتمتع بها القوات متعددة الجنسيات، وبخاصة الأميركيين والبريطانيين.

ويضيف الجلبي في هذا الصدد أن أي انسحاب أميركي في المرحلة الحالية سيكون خطوة سياسية خاصة بالحكومة الأميركية ليست لها أي علاقة بما يحدث في العراق. ويمضي قائلاً: «لقد وجدت واشنطن أنها قد قوضت أركان الأمن العربي بإسقاطها نظام صدام حسين. ومنذ ذلك الحين تحاول أميركا وبريطانيا ملء الفراغ الذي تركه سقوط حزب البعث.

ترجمة: حاتم حسين عن «إندبندنت»

حوار: باتريك كوكبيرن