يمضي المؤلف في الحديث عن العولمة ليتناول جانباً مهماً من تجليات تلك الظاهرة وهو أزمة ديون العالم الثالث التي تفاقمت مع مرور السنين، بحيث باتت الدول المدينة عاجزة ليس فقط عن سداد مبالغ الديون الأصلية، وإنما أخذت تجد صعوبة حتى في سداد الفوائد السنوية على تلك الديون.

وإذا كان المؤلف يلقي باللائمة في هذا الوضع على الإدارة الحكومية السيئة في تلك الدول لاقتصاداتها، إلا أنه في الوقت نفسه لا يقلل من تأثير أسلوب التعامل الغربي مع تلك الأزمة الذي يقوم على المنفعة الذاتية ويتجاهل المشاكل الاجتماعية الناجمة عن عجز تلك الدول عن سداد ديونها، والوصفة الجاهزة عند مستشاري وخبراء المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض هي الخصخصة واتباع نهج القطاع الخاص في إدارة الاقتصاد كما حصل مع كثير من الدول المدينة ومع روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي. في بدايات ثمانينات القرن العشرين ظهرت في العالم النامي أول علامة على أن العولمة قد لا تكون حقيقة عالمية أو حتى نظرية قابلة للتطبيق عالميا. وظهرت تلك الإشارة في أدق جوانب العلاقات الإنسانية وهي سداد الديون. وتوجد اليوم خمس عشرة دولة هي أكثر دول العالم استدانة، وهي مدينة بمبلغ 18 مليار دولار أميركي ولكنها سددت 8, 2 مليار دولار فقط سنويا وهو مقدار فائدة الديون، أو 8 ,9% من إجمالي إنتاجها القومي.

وبحلول الثمانينات بلغت تلك الفوائد 36 مليار دولار أو ما يقرب من نصف إجمالي الناتج القومي لتلك الدول، وكانت النتيجة ظهور أول أزمة بوقوع المكسيك في مشكلة حادة. وفي نفس الوقت بدأت تتشكل موجة ثانية من الأزمات ولكن في إفريقيا هذه المرة. في ذلك الوقت كانت المنظمات الدولية، مثل مجموعة الدول السبع، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تركز اهتمامها على الإحدى والأربعين دولة الأكثر استدانة. وكانت نسبة ديونها إلى الصادرات في سبعينات القرن الماضي ما بين 100% و260%، ولم تكن سيئة جدا مقارنة بما حدث في نهاية القرن إذ وصلت النسبة إلى ما بين 1000% و2500%. وتمثل تأثير ذلك في تعثر اقتصادات تلك الدول تدريجيا وأصبحت منهارة الآن على مدى نحو عشرين عاما. وفي أميركا اللاتينية حقق نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي ارتفاعا بلغ 4, 2% في السنة من عام 1950 إلى 1980. وفي الوقت الذي كانت فيه العولمة في أوجها من عام 1980 حتى عام 2000 كان الموقف في أميركا اللاتينية تعيسا.

وفي إفريقيا ارتفع نصيب الفرد إلى 8 ,1% من عام 1950 حتى 1980 ولم يمثل ذلك مكسبا دراماتيكيا ولكنه اعتبر إحرازا لبعض التقدم، غير أنه في الفترة ما بين 1980 و2000 هبط كثيرا. وهناك إحصائيات لا حصر لها من هذا النوع وكلها تضيف نفس الرسالة وهي: «إن عصر العولمة قد دمر أجزاء واسعة من العالم» وتبين لنا أكثر الأرقام إيلاما أمرين: الأول: أنه بحلول منتصف التسعينات من القرن الماضي أثقلت أفقر الدول نفسها بديون لا تستطيع دفع خدماتها دون تحطيم نفسها. والأمر الثاني أن هذه الديون ظلت فعليا دون تغيير اليوم رغم كل ما قيل في الغرب، ورغم سلسلة من الحلول الجزئية. وتدهور الموقف السياسي والاجتماعي، وألغيت البرامج التعليمية والصحية، ويبدو أن القاعدة الدولية هي أنه لا وجود لمكان للبرامج في حالة العجز عن دفع خدمة الديون.

وقد أثار الغربيون لغطا كثيرا وتساؤلا عمن يكون المسؤول عن كل هذا ما لم تكن تأثيرات الموقف هي المسؤولة، وكان هناك حماسة للتركيز على وجود خلل وظيفي متزايد في طبيعة، تلك النظم غير الغربية. وقد قال فرانكلين روزفلت في بدايات الثلاثينات: «الاضطراب الاجتماعي والشعور العميق بالظلم خطران على حياتنا الطبيعية يجب تحجيمهما بوسائل صارمة». ويعقب المؤلف على ذلك بقوله: في نهاية الأمر سوف يكون الاضطراب في أي مكان خطرا على المجتمعات الغربية مثلما هو كذلك في البلاد التي يظهر فيها.

أزمة الديون

تلك هي النقطة المركزية في أزمة ديون دول العالم النامي، وقد مضى عليها الآن خمسة وعشرون عاما، كانت الأزمة خلالها في صعود وهبوط، وعدد الدول التي لا تسدد ديونها بشكل مقبول هو اليوم نفس عددها أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد عقدت اجتماعات لا نهاية لها على مدى العشرين سنة الماضية، وعكفت مجموعة الدول السبع على مناقشة الموضوع مرارا وتكرارا.

وقد افتتحت السيدة تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، مؤتمر القمة في لندن عام 1984. وقالت في كلمتها: لا توجد حلول سهلة ولا مؤلمة ولكن بإمكاننا ابتكار وسيلة تستطيع البنوك التجارية والمؤسسات المالية العالمية من خلالها تقديم المساعدة، كما تستطيع الدول المدينة أيضا التخفيف من أعبائها. ومن السهل السيطرة على المشكلة».

غير أن المشكلة لم تكن سهلة كما صورتها رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، فهي في رأي مؤلف الكتاب كانت مشكلة قيادة وماتزال كذلك حتى اليوم، وقد قال ألكسندر هرتسن لجماعة من الفوضويين، منذ قرن من الزمن، حول كيفية الإطاحة بالقيصر: «نحن نظن أننا الأطباء، ولكننا نحن الداء».

إن أزمة ديون العالم الثالث ـ كما نراها من داخل الغرب ـ هي أزمة التظاهر بعدم وجود أخطاء في معالجة المشكلة، ذلك لأن رفض التعامل معها يتم بلا مبالاة وبطريقة باردة، ومن وجهة نظر نفعية، وهذه المشكلة لسوء الحظ هي مسألة التزامات تعاقدية والواقع أن الدول الإحدى وأربعين التي تم إفقارها مدينة أساسا لمؤسسات مالية تمولها مجموعة الدول السبع، ولذلك ليس هناك لغز معقد في إشراك البنوك التجارية.

ويقول جون رالستون سول إن الأسلوب الغربي الجاف والبارد، والنزعة النفعية اللامبالية هي بالضبط انعكاس للأسلوب الذي لجأت إليه نفس الحضارة الغربية لتبرير فرض تجارة الأفيون على الصين لمدة مئة وثلاثين عاما. ويتساءل المؤلف: ما الذي يمكن فعله إزاء هذا العجز عن الفعل وإقصاء النخب الغربية الفطنة عن الحقائق البسيطة؟

ويتذكر المؤلف أنه توجه إلى تايلاند أواخر الثمانينات وجلس إلى جواره في الطائرة شاب يبدو وكأنه أحد نواب رئيس مؤسسة بنكية عالمية ولم يكن قد وضع قدمه في آسيا من قبل، وكان ذاهبا إليها كممثل لصندوق النقد الدولي لتقويم الموقف الاقتصادي والسياسي في إندونيسيا.

ويمكن القول إنه كان ذاهبا إلى هناك ليقرر مصير تلك الدولة ولم يكن ذلك الشاب يعبأ بأهمية مهمته إذ لم يكلف خاطره بالقراءة عن تاريخ إندونيسيا أو سياستها ناهيك عن ديانتها وثقافتها، ولكي يعوض عن جهله كان معه ملف يعرف ما فيه من رسوم بيانية وأرقام، وبدا واثقا من قدرته على تحجيم أية تعقيدات اجتماعية وتحويل طبيعة الحضارة الإندونيسية إلى مجرد «دراسة حالة».

وبعد ذلك بعدة سنوات تحدث عالم الاقتصاد جوزيف ستيغلتس عن الدول المدينة وعما أسماه نجاح النظرية الفكرية التي تحظى بإجماع واشنطن ومؤداها أن «التوصيات الخاصة بالسياسات يمكن أن يضعها الاقتصاديون مع استخدام أمور أكثر من بسيطة، مثل الأطر المحاسبية، وعدد قليل من المؤشرات الاقتصادية مثل: التضخم، والاعتمادات المالية، ومعدلات الفائدة، والموازنة، وحالات العجز التجاري.

وهذه كلها تصلح أساسا لمجموعة من توصيات السياسة. وفي الحقيقة أن الاقتصاديين في بعض الحالات قد يطيرون إلى إحدى الدول ويشاهدونها ويحاولون التحقق من تلك البيانات ويضعون توصيات اقتصادية كبرى من أجل سياسة الإصلاحات، وكل ذلك في خلال أسبوعين فحسب» ويبدو كل هذا وكأنه من تقاليد أكثر سوادا من الكوميديا السوداء، ولكنه أيضا نوع من الجدب التقني الكلاسيكي، ولا تملك الكوميديا مع الجدب إلا أن تقدم مؤشرات مصطنعة عن مشكلة عويصة.

ومع ذلك فإن نظرية الإدارة لا تكفي لشل حركة الحضارة الغربية لمدة خمس وعشرين سنة عندما تواجهها مشكلة مالية تعتبر صغيرة بمعايير الغرب. ويضيف المؤلف إلى ذلك قوله: هناك تقليد قديم في أسلوب تعاملنا نحن مع ديون علينا لا ندفعها ولا ندفع فوائدها عبر آلاف السنين، فنحن في العادة لا ندفع شيئا. ففي عام 1971 حاول الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون التهرب من جزء من مشاكله المالية عن طريق خفض قيمة الدولار.

وكان ذلك شكلا من أشكال النكوص عن الدفع أو إلغاء الدين، ثم حاول بعد ذلك المغالاة في رفع السعر للخروج من أزمة النفط. وفي عام 2004 عادت الحكومة الأميركية إلى خفض قيمة العملة للتعامل مع عدة مشاكل من بينها ديون مستحقة بالدولار الأميركي. ويؤكد صاحب الكتاب أن كل دولة غربية تهربت في وقت ما من بعض التزاماتها عن طريق إلغاء مسؤولياتها التعاقدية.

ويعتبر إعلان الإفلاس أكثر الوسائل الشائعة في القطاع الخاص للتهرب من دفع الديون. وقد ابتكرت الحكومة في الوقت الحاضر وضعا قانونيا هو ما يسمى «الإفلاس المؤقت» الذي يسمح بإعفاء الشركات من حقوق الدائنين والموظفين دون أن تفقد وضعها كشركات، وكل ما عليها أن تفعله هو أن تعيد تنظيم نفسها. ولقد كان من الممكن شطب ديون العالم الثالث في أي وقت بأسلوب مماثل هادئ ومنظم. وعندما يتحدث المؤلف عن العولمة في هذا الصدد يرى أنها سوف تفعل للقطاع الخاص ما ترفض أن تفعله للقطاع العام.

نجاحات العولمة

هناك أسباب معقولة لشعور معتنقي العولمة بالرضا عن النجاح الذي حققوه. فقد أرسوا دعائم إصلاح وراء آخر خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين وصولا إلى التسعينات، وانخفضت التعريفات الجمركية ونمت التجارة بسرعة هائلة، وانتشرت فكرة التجارة انتشارا واسع النطاق، وتم توقيع اتفاقات تجارية من كل نوع، واتفاقات اقتصادية ملزمة. واتسع نطاق التحرر من القيود، والخصخصة، وتخفيض معدلات الضرائب.

وواجهت برامج عامة ضخمة مشاكل انخفاض التمويل. ولكن العولمة بشكل عام حققت قصة نجاح كبيرة لفكرة التعولم والسوق. وكانت هناك علامات في كل اتجاه تشير إلى عالم متغير، عالم أخذ ينصت إلى الرسالة الجديدة. وكما هو متوقع من أية حركة أيديولوجية أصبح لهذه التغيرات لغتها الخاصة، وأخذ القطاع العام جانبا كبيرا من هذه اللغة ومن المنطق الهيكلي للقطاع الخاص.

وجعل شاغلو الوظائف العامة من أنفسهم أضحوكة للناس وهم يدفعون أموالا طائلة لمستشاري القطاع الخاص مرارا وتكرارا لكي يعلموهم كيفية استخدام منطق ذلك القطاع الخاص. وهكذا حفظ هؤلاء الموظفون عن ظهر قلب المصطلحات اللغوية الجديدة وأصبحوا يسمون المواطنين بأنهم «الزبائن، أو دافعو الضرائب، أو حملة السندات وأصحاب المصالح» ويستخدمون تلك الكلمة النفعية المحدودة وهي كلمة «الكفاءة» كما لو كانت هي جوهر الفكرة.

بينما يفقدون مفهوما أكثر ملاءمة وهو ما إذا كان قانون أو برنامج ما ذا فاعلية، ويخربون الأوضاع المالية خفية باستخدام نسخ معدلة من «حساب التكاليف الحقيقية» وهو نظام ابتدعه القطاع الخاص لكي يبالغ في النفقات تهربا من الضرائب. ولم يستطع هؤلاء الموظفون العموميون تركيز اهتمامهم على إدراك إجابة السؤال التالي: لماذا كلما زادت «كفاءتهم» تزايد نقص الخدمات التي يستطيعون تقديمها؟

وكان المستشارون إياهم الذين استفادوا ماليا يتمتعون بمشاهدة تلك الفوضى، وبالطبع لم يحاول واحد منهم أن يشير على هؤلاء الضحايا المخدوعين من الموظفين بأن لغة منطق السوق مبنية على التواجد الفعلي في السوق، وعلى المنافسة، لكي يتحقق جني الأرباح.

وهكذا فإن هناك ثلاثة عوامل هي: التواجد في السوق، وفي حالة تنافس، والسعي لتحقيق الربح. وكلها عوامل لا تتوافق مع الصالح العام. ولكن لماذا يشرح المستشارون الأمور لهؤلاء الموظفين بينما يرون أن من الأفضل حثهم على طلب نصيحة حديثة وأكثر تكلفة؟!. وها هم القادة المنتخبون والمسؤولون يشعرون بسعادة غامرة وهم يتلقون الدعوات إلى دافوس، ويحاولون تملق القوى الجديدة، وتكنوقراطية الشركات، وينصتون بانتباه إلى أحاديث العلاقات العامة وكأنها أفكار تستحق الذكر فلا يتعلمون إلا القليل، وسواء كانوا ديمقراطيين اجتماعيين أو ليبراليين، فإنهم قد أصبحوا جميعا متعولمين من ألطف وأرق نوع!!

ثم جاء انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1989. وزعمت بعض الأصوات أن ذلك كان من فعل الرئيس الأميركي رونالد ريغان المتعمد في ميدان سباق التسلح. وقد أشرف السوفييت على الإفلاس بجدارة، غير أن هذا التبرير جاء على نطاق واسع من أناس يرتبطون بصناعة السلاح ويوافقون على التوسع في إنتاج الأسلحة. ويرى مؤلف الكتاب أن الأقرب للصحة هو أن النظام السوفييتي فشل لأنه لم ينجح في البقاء بعد فترة طويلة من الانحدار.

وعندئذ اندفعت روسيا ودول حلف وارسو القديمة إلى اعتناق الرأسمالية الكلاسيكية، التي هي من نوع رأسمالية القرن التاسع عشر. ولعل تلك الدول كانت تتجه إلى الوراء حيث الأوضاع التي كانت عليها قبل التحول إلى الشيوعية، واعتنقت الأحاديث التي كانت تتدفق من الغرب منذ سبعينات القرن العشرين. ولم تعدم تلك الدول وجود مستشارين وأكاديميين اقتصاديين غربيين يتلهفون على دفعها إلى تجريب ما يسمى نقاء السوق. ولك أن تتخيل كم كان الأمر مثيرا بالنسبة لهؤلاء المنظرين وهم يجدون دولا مستعدة لا لإجراء إصلاحات فحسب، بل وللمخاطرة برفاهية شعوبها بأكملها في سبيل التواجد حتى ولو كدراسات حالات قائمة.

اقتصادات الصلب

فُرضت تغيرات على ما يسميه مؤلف الكتاب «اقتصادات الصَّلب» مستعيرا في ذلك التعبير الإنجليزي لعملية صلب المسيح عليه السلام. وهي تغييرات تؤدي نتائجها في العادة إلى تدمير هذه الشعوب الحقيقية وتؤدي في الغالب إلى تشجيع عودة الحزب الشيوعي إلى السلطة ولكن من خلال صناديق الاقتراع هذه المرة. ولكن من الناحية النظرية كان من المدهش مراقبة الأحوال كما حدث في أجزاء من إفريقيا وأميركا الجنوبية.

ومع ذلك فإن نهاية النظام السوفييتي كانت تمثل نجاحا عظيما للعولمة. ومن سوء الطالع أنه سُمح لسنوات التحول الرئيسية تلك بأن تمر بدون أن تتقدم مجموعة السبع لكي تمنح الرئيس الروسي ميخائيل جورباتشوف مساعدة جدية، وبدلا من ذلك تركت روسيا وحدها كي تشق طريقها واكتفت بتقديم القليل من نصائح المنظرين وجزء صغير من المساعدة بعد فوات الأوان. وكانت النتيجة بيع - أو بالأحرى منح - مشروعات الدولة العملاقة إلى تكنوقراطيي الحزب الشيوعي وأصحاب النفوذ من الجهاز السري، وتُركت روسيا وحدها وقد سقط 70% من اقتصادها في أيدي ست وثلاثين شركة أي في أيدي ستة وثلاثين رجلا.

وتحولت من أكثر نظام شديد المركزية إلى نظام أكبر قطاع خاص مركز في عالم الاقتصادات الضخمة. وتم تجاهل كل نظرية للغرب بشأن مخاطر احتكار القلة والشركات للسوق. وأدى الأسلوب الفوضوي الذي تمت به عملية الخصخصة الهائلة إلى إزالة كل الخطوط بين السوق والفساد والإجرام العنيف.

ويقول جون رالستون مؤلف الكتاب: «عندما تنظر إلى العودة المتدرجة لاحتكارات القلة واحتكارات الشركات في داخل الدول الديمقراطية وفيما بينها نتيجة لسياسات العولمة، يسهل أن تعتبر التطور الروسي نتيجة منطقية لنصيحة الخصخصة التي أبداها الخبراء الغربيون. وكان الأثر الشامل لهذا هو إقحام الجريمة المنظمة في قلب النظام الجديد».

ومنذ ذلك الحين أصبح الزعماء الروس يعانون من عجز خطير إزاء احتياجهم إلى محاربة تلك البنية القوية (الشركة/ الجريمة) وكانت إصابة القيادة الروسية بالعجز وسيلة ذكية لإجبارها على قبول فقدان روسيا مكانتها كقوة عظمى فضلا عن خسارتها للمنطقة العازلة بينها وبين الغرب. ومهما كان الشكل الذي تهاوت إليه روسيا تدريجيا، فإنها لم تعد الكتلة المعارضة.

ولقد كان الجزء الأكثر مأساوية في انهيار الكتلة السوفييتية هو تفكك البرامج الاجتماعية داخل كل من روسيا والدول المحيطة. ويرى عدد من كبار المفكرين المهتمين بشؤون العالم أن القضاء على برامج الحماية الاجتماعية القديمة هو صورة للاحتمالات المستقبلية لما سيحدث في دول الغرب بعد العقد التالي. وهم يرون أن التفكيك الراديكالي للنظام الشيوعي يعتبر تجربة في العولمة النيوليبرالية توضح أنه يمكنك تفكيك مثل تلك الآلة المكلفة دون أن تدفع أي ثمن سياسي حقيقي.

كان الجو خلال الثمانينات وأوائل تسعينات القرن العشرين إيجابيا إلى حد كبير، وحينما وجدت إحباطات كان الرد هو: «أعط التجربة بعض الوقت».. «هذه تحولات كبيرة».. «انظر من زاوية هيكلية أوسع وأعرض»، ولكن جون رالستون يرد على ذلك بقوله إنك إذا دققت النظر بعين مجردة من الأهواء، تستطيع رؤية حركات كبيرة متناقضة فقد كانت العولمة تزداد قوة ولكنها كانت أيضا تتصدع وتعاني الانقسام والتفكك والتراجع.

وكانت الذروة في عام 1995 مع إنشاء منظمة التجارة العالمية التي حلت محل منظمة الجات، وبدا أن الكل على حق في شعورهم بالسعادة لوجود منظمة مركزية صممت لتقوم بالتحكيم في المسائل التجارية، ويلاحظ أن مدرستين اقتصاديتين نظرتا بشكل مختلف إلى ذلك الإنجاز الذي اعتبرته إحداهما هزيمة كبرى بينما رأت الثانية أنه انتصار عظيم، ويعود ذلك الاختلاف إلى أن الجانبين تعاملا مع إنشاء المنظمة وكأنه مسألة أبعد من مجرد كونها منظمة نفعية.

وبدا وكأن عملية إعادة تصور الحضارة من خلال المنظور الاقتصادي تمر بمرحلة حرجة، وإذا تأملنا المغزى الكامل لإنشاء منظمة التجارة العالمية نجد أن هدفها هو ضمان الحكم على أية عملية تبادل عالمية ـ ذات عنصر تجاري من خلال ذلك المنظور، ومن ثم هناك جانبان أحدهما إيجابي والآخر سلبي، ويتلخص الأول في أنه لم يكن يوجد أي نظام تحكيم ملزم آخر وأصبح عالم التجارة يملك نظاما بعد إنشاء منظمة التجارة العالمية.

أما الجانب السلبي فهو يتمثل في أن المسائل غير التجارية أصبحت قابلة لإخضاعها لنظام المعايير القائم على المنفعة. ومثال ذلك الثقافة، فبمجرد عبورها للحدود، تعتبر نوعا أساسيا من النشاط التجاري يخضع لوجهة نظر منظمة التجارة العالمية. ويمكن التعامل مع الطعام على أنه شيء ثانوي يدخل إلى معدة الإنسان، أما إذا رغبنا في تحديد تركيب ما نأكل فهذا أمر مرفوض باعتباره تداخلا مع موضوع الصناعات الزراعية المتنافسة.

وقد عوملت القوانين الوطنية الخاصة بالغذاء والصحة ـ ومازالت ـ باعتبارها تدخلا حمائيا من الدولة. أما المسائل المتعلقة بالتصنيف والعلامات المميزة والمصادر وما يتصل بالجينات الوراثية والمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب والمخصبات، فإنها تعتبر ذات أهمية للمواطنين ولكنها ذات أهمية ثانوية لدى منظمة التجارة العالمية. أما الأغذية فهي تعتبر من مواد المنافسة والتجارة.

وعندما بدأ اهتمام المواطنين بالتعامل مع التكنولوجيا ومحاولاتهم لمواجهة مرض جنون البقر وشروط وأسعار استخدام المستحضرات الدوائية، قررت المنظمة وجوب التعامل مع مثل هذه المسائل أولا باعتبارها من موارد التنافس التجاري، ومن ثم فإن اشتغال المواطنين بها هو شكل من أشكال فرض الحماية، أما رغبات المواطنين في الاختيار فهي ليست موضع ترحيب ما لم تكن قائمة على العلم البحت. وهكذا قضي على مبدأ التدابير الوقائية في نفس الوقت الذي اعتبره عدد متزايد من جماعات الصالح العام مبدأ مهما.

حرية الاختيار

فضلا عن كل ذلك كان جميع الناس منزعجين من تطور فكرة حرية الاختيار، إذ كانت العولمة قد أُعلنت باعتبارها قوة فاعلة في زيادة عملية الاختيار، أما الآن يبدو أنه لم يقصد بحرية الاختيار أن يكون حق المواطنين في تقرير ما يدخل بطونهم أو تحديد أولوياتهم الاجتماعية. وبدلا من ذلك تم تركيز فكرة الاختيار على رغبات الشركات وقراراتها الخاصة بكيفية السعي إلى تحقيق الأرباح، ومعنى ذلك هو الحد من خيارات الأفراد الشخصية.

وقد ذكر ألفريد إيكيس الرئيس السابق للمفوضية الأميركية للتجارة الدولية «أن أولئك الذين وصلوا بنا حتى قيام منظمة التجارة العالمية هم الثوريون الحقيقيون للقرن العشرين». وكان رئيس شركة فورد مقتنعا «بأننا نتحرك نحو عالم بلا حدود» وكانت منظمات الأعمال الدولية سعيدة بإعلانها أن «القطاع الخاص هو المصدر الأساسي لابتكار القيمة المضافة، والثروة، والوظائف - وأثبتت عملية إعادة تنظيم «البيزنس» أنها أكثر الوسائل مرونة في الحصول على النتائج».

وهكذا استمر المهللون للعولمة يحثون الناس بهذا الأسلوب. وكانت السيدة تاتشر في خضم أزمة أخرى في عام 1985، وحينها قالت: «يصبح إغراء وضع الحواجز ضد التجارة الحرة أقوى عندما يتهاوى النمو الاقتصادي، ولكن بينما تمنح إجراءات الحماية ارتياحا مصطنعا، تصبح الآثار الناجمة مؤلمة أيضا.. لقد توقف التحديث ولذا يجب الاندفاع إلى الأمام نحو نظام التجارة الحرة».

وكانت رئيسة الوزراء البريطانية قد صرحت بذلك في ماليزيا حيث أثبتت قيادة ذكية ورشيقة الحركة بعد ثلاثة عشر عاما عكس ما قالته تماما. ولم تكن تاتشر تشجعنا على التصرف بطريقة طبيعية أو واقعية، بل كانت تروج لمقولة مؤداها أنك «إذا ظللت تتحرك نحو ما تؤمن بأنه اتجاه للأمام فإن العالم سوف يتماشى مع إيقاعك.. وسوف ينتهي الأمر على ما يرام، ولكن فقط امنحه مزيدا من الوقت».

ويعلق مؤلف الكتاب على ذلك فيذكر أنه في عام 1991 ظهر أن العالم لم يرد ـ أو لم يستطع ـ مجاراة ذلك الإيقاع الذي أشارت إليه تاتشر، وذلك مع عودة بزوغ النزعة القومية في أسوأ حالاتها، وإذا ذكرت البلقان لأي شخص في العالم الغربي تبرز على الفور نبرة تشاؤمية إذ يرد عليك قائلا: وماذا تتوقع؟

إنها البلقان!!. ويرى جون سول في هذا الرد أسلوبا جاهزا لإغفال احتمال أن يكون ما حدث هناك فشلاً ذريعاً للغرب الذي ألهاه هوسه بالاقتصاد المعولم، فضلا عن فشل مجتمع دمر نفسه. ومع ذلك فإن حقائق الأمور الأساسية بسيطة فلقد عادت النزعة القومية السلبية من جديد مع رغبة انتقامية، وكان ظهورها في أماكن غير متوقعة.. في أوروبا نفسها.

عرض ومناقشة: صلاح عويس