يقدم المؤلف في هذه الحلقة لنا جرداً بالنجاحات التي حققتها العولمة بمفهومها الجديد، وإن كان يراها محدودة ومبالغاً بها في كثير من الأحيان، إن لم تكن مضللة، وكذلك الإخفاقات التي منيت بها طوال مسيرتها التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. فهو يرى أن الخلل الأصلي في العولمة يكمن في المبالغة بالحديث عن نجاح التجارة الحرة في القرن التاسع عشر وتجاهل بطء حركة التطور الحضاري.

ولكنه يقر بأن العولمة استطاعت أن تحقق نصراً تمثل في توقيع المئات من الاتفاقيات التجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي والتي تهدف بالأساس إلى تسهيل حركة السلع وإزالة القيود من أمام التجارة الحرة. ثم يقوم المؤلف بتفنيد مقولات أنصار العولمة المتعلقة بتخفيف حدة الفقر في العالم من خلال ما أسموه التنمية الاقتصادية، فهو يرى أن ما حدث في واقع الأمر هو عكس ذلك تماماً حيث ازداد نطاق الفقر في العالم وازدادت الهوة بين الفقراء والأغنياء اتساعاً.

يقول جون رالستون سول مؤلف الكتاب الذي نتعرض له: «مثلما أن التاريخ يتحرك في دورات فإننا عشنا أيضا نفس الدورة العالمية السياسية منذ القرن الثاني عشر ولم يكن لجانب كبير منها أي جذور غربية، وإذا استطعت الانقضاض على الماضي في القرن الثامن عشر فسوف تكتشف أن أكبر ثلاث إمبراطوريات عالمية كانت الفارسية والعثمانية والمغولية، وكلها إمبراطوريات إسلامية. وربما كانت الإمبراطورية الرابعة هي الصين».

ويرى سول أن ثلاثا منها على الأقل كانت طلائع التجريب في مجال الإدارة الحديثة. وهذه الدورة السياسية الدولية كانت مشغولة دائما ببناء الاقتصاد الدولي، ففي عام 1815 في مؤتمر فيينا الذي وضع نهاية رسمية للعصر النابوليوني، نجد أن الأرستقراطيين في عصر التنوير انهمكوا في وضع قواعد المصالح العليا والدائمة التي تضمنت تحويل جميع الأنهار الأوروبية الصالحة للملاحة والتي تمر بأكثر من دولة، إلى مناطق تجارة دائمة ومتكاملة، أي قارة من دول قومية لا حدود فاصلة بينها.

وفي نفس العام قرر مؤتمر فيينا إعلان مدينة كراكاو مدينة حرة ومستقلة ومحايدة تماما إلى الأبد تحت حماية النمسا وروسيا وبروسيا. ويعلق المؤلف على ذلك بقوله: «إن الأبد زمن طويل جدا»، ثم يقول: «عندئذ أقنعنا أنفسنا بحتمية تدمير نحو 90% من السكان الأصليين في الأميركتين على مدى ثلاثمئة عام. وقد تقلص عدد السكان الأصليين، فيما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأميركية، من خمسة ملايين إلى 250 ألفاً في نهاية القرن التاسع عشر. وبدا الأمر وكأن «الإبادة الجماعية أصبحت المنتج الجانبي للتقدم» مثلما يقول الكاتب السويدي سفن ليندكفيست.

وقد شهدت نفس العقود الزمنية في بريطانيا حملة أخلاقية رفيعة لإلغاء قوانين الذرة لصالح التجارة الحرة، أي بفتح الأسواق البريطانية للحبوب الأجنبية الرخيصة اللازمة لغذاء الطبقة العاملة الجديدة. والأمر الغريب الذي يشير إليه المؤلف وجود موقف معاكس تماما وغير أخلاقي. ففي الوقت نفسه أقنعت بريطانيا نفسها بأن على الصين قبول مبدأ التجارة الحرة في الأفيون لإكساب علاقة بريطانيا التجارية حتمية مشروعة لأنه بدون مبيعات الأفيون يختل التوازن بين الواردات والصادرات البريطانية، وقد دخلت بريطانيا الحرب مرتين لتحقيق هدفها.

وفي رأي جون رالستون سول أن أغلب ما يقال إنه حتمي ليس أكثر من نتاج مبادرات لغوية. وقد أقحم جورج بوش الأب عبارة بسيطة في خطبه الرئاسية هي: «أسواق حرة ورجال أحرار»، وسرعان ما التقطها آخرون. ويبدو أن المفكرين لم يلاحظوا أن العالم قد انقلب حاله رأسا على عقب، فالأسواق الحرة ليست هي التي تصنع الرجال الأحرار، أما المجتمعات الديمقراطية فتلك قصة أخرى.

وتعود الطبيعة سريعة الزوال للعولمة في جانب منها، إلى البراءة أو السذاجة الفكرية التي تحيط بها، فماذا يمكن أن يكون أكثر سذاجة من الإيمان بمنهج تجريدي في الحياة الإنسانية يرتكز على توقع قيادة اقتصادية ترتكز هي الأخرى على نظرية وحيدة في العلوم الاقتصادية ومحددة بدرجة كبيرة؟

وماذا يمكن أن يكون أكثر براءة من توقع أن العالم كله سوف يكتفي بالجلوس ومراقبة تلك النظرية وهي تشق طريقها دون أن يعترضها شيئ، وتستغرق من الوقت ما تريده لكي تنجح بشروطها هي؟ وحتى الأكثر سذاجة تصور أن كل واحد سوف يترقب القطرات أو النظام أو الحتمية من هذا المنهج الذي سيعيد تشكيل كل الجوانب الأخرى في حياتنا. إن الحضارات المختلفة على كوكبنا لديها تجاربها الخاصة مع أعداد كبيرة من أنماط التدويل الأخرى، ومن ثم فإننا قادرون تماما ـ أثناء انتظارنا ـ على ملاحظة أن بعض الأمور لا تنجح مع أن أمورا أخرى تحقق نجاحا.

ونحن نرى نشاطا اقتصاديا رائعا ومع ذلك نلاحظ صعوبات في تكوين الثروة وفي توزيعها، ونرى أيضا عودة احتكار القلة للسوق وحتى الاحتكارات الأكبر، ومع ذلك فهي نتاج ما يقال إنه التحديث. ونرى أمورا غير عادية ومزعجة مثل نمو احتكار القلة للسوق على المستوى الدولي، والانزلاق السياسي والعسكري الخطير نحو العنف والفوضى الدوليين، ونحو الأسوأ وهو الإبادة الجماعية. ومن خلال تجربتنا الواسعة في التدويل نعرف أن العنف المتواصل يفوق النظم الاقتصادية دائما، ونعرف أيضا أن نظم القيادة الفاشلة حتما هي تلك التي لا تستطيع فهم أسباب العنف كشرط مسبق للتعامل مع تلك الأسباب.

الخلل الأصلي

ويكمن الخلل الأصلي في العولمة في المبالغة في الحديث عن نجاح التجارة الحرة في القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى المبالغة في وصف حتمية التكنولوجيا وتميز نظم الإدارة الرشيدة. وأدى التأكد من حدوث كل هذه التغيرات الحتمية إلى صرف انتباهنا إلى بطء حركة الحضارات. وتذكّرنا حملة الإبادة الجماعية الأخيرة في الكونغو بأننا ـ وهم ـ مازلنا نتعامل مع عنف الملك ليوبولد وتدخل حكومته هناك بعمليات الإبادة الجماعية منذ قرن من الزمان.

أما بريطانيا فهي مازالت تهضم خسارتها لقيادة العالم، ومازالت الصين تفكر وتعمل بشعور المملكة الوسطى باعتبارها مركز العالم. وكذلك كندا، التي تعتبر اليوم ثالث أقدم الديمقراطيات المستمرة في العالم وثانية أقدم الدول الفيدرالية الدائمة، مازالت مقيدة في عواطفها ووجودها بالإحساس بعدم الأمان الذي كان قد غمرها أيام الاستعمار، بالضبط مثل استراليا التي مازالت تؤرقها الحيرة بين أصولها الثقافية الأوروبية وواقع وجود السكان الأصليين، وموقعها الجغرافي الآسيوي. ومازال الشباب الألماني الذي ولد بعد مرور أربعين سنة على نهاية النازية، في صراع مع فكرة الانتماء. ومازال الجزائريون يحاولون إعادة استرداد أنفسهم بعد فقدهم زعيمهم الكبير عبدالقادر عام 1848.

ولايزال ندوب جراح المجتمع الأميركي وأصوله الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة عن الاعتماد على العبيد، تعيق الشعب الأميركي. والحبل على الجرار فالقائمة لم تنته بعد. ويعتقد جون سول أن البشر يتغيرون ببطء وأن المجتمعات أكثر بطئا، ولا ينتمي أيهما إلى أية نظرية اقتصادية بعينها وخاصة عندما تقدم إليها هذه النظرية باعتبارها قيمة حرة، وقوة محتمة للتحديث، وهي في نفس الوقت قد أصابتها عدوى نزعة المحافظين الجدد أو الليبرالية الجديدة أو الترشيد الاقتصادي.

وفي نهاية الصفحة الثامنة والأربعين من الكتاب نجد عنوانا طويلا بالحروف الكبيرة مؤداه أن «النمو الاقتصادي يخفض الفقر العالمي»، ويذكر المؤلف أن ذلك كان النبأ الدراماتيكي الذي أعلنه بيان صحافي في أكتوبر عام 2000 صادر عن المكتب القومي الأميركي للبحوث الاقتصادية.

ويأخذ المؤلف في تفنيد ما حمله النبأ الذي يزعم أن عدد الأشخاص الذين يعيشون على دخل قدره دولار أميركي واحد في اليوم أو أقل من ذلك، تناقص إلى 350 مليون فرد. وأصر البيان الصحافي على أن الأرقام التي تم التوصل إليها من خلال أحدث التقنيات، قد وضعت نهاية للجدال الذي يثيره مناهضو العولمة من «الأكاديميين والصحافيين والمنظمات متعددة الأطراف من جميع التوجهات، والذين زعموا تصاعد حدة الفقر وانعدام المساواة».

وكانت المدة الزمنية التي غطتها الدراسة، هي نفس مدة العولمة. وقام بالبحث الباحث إكسافير سالا مارتن، وقد ذكر في بحثه أن عدد الأشخاص الذين يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم قد هبط بشكل دراماتيكي، وكذلك حدث نفس الشيئ بالنسبة لمن يقل دخلهم عن دولارين يوميا.

وعلى الفور دخل التقرير وتلك الأرقام في مواعظ أولئك المدافعين عن العولمة. ويعلق جون رالستون سول على ذلك بقوله: «كم يبدو الأمر رائعا لو كانت تلك المعلومات حقيقية بالفعل. ولقد وضعت يدي فورا على تلك الدراسة الطويلة وأخذت في قراءتها بعناية كبيرة».

وكانت أسعد القصص فيها تلك التي تخص الصين والهند، وأكثر الأقسام إحباطا تلك التي تناولت افريقيا، وحتى هناك «ليست كل الأنباء سيئة»، ففي ثلاث عشرة دولة انخفض الفقر بالنسبة لمعدل فقر الدولار الواحد، وكذلك بالنسبة لمعدل فقر الدولارين. وفي نبرة ساخرة يذكر المؤلف أنه لم يستطع السكوت عن الإشارة إلى وجود خمس دول من بين الثلاث عشرة دولة في قائمة أخرى مختلفة تماما تتضمن أكثر الدول التي تعاني من وباء الإيدز المدمر للنظم الاقتصادية والاجتماعية بالتحديد لأنه يصيب الشبان الذين في ذروة العطاء المبكر.

والأكثر غرابة هو اختيار الباحث للدولة التي اعتبرها نجمة النجاح الافريقي وهي بوتسوانا التي ذكر أنها خفضت معدل فقر الدولار من 35% إلى 1%، ومعدل الدولارين من 60% إلى 9%، علما بأن بوتسوانا أيضا واحدة من الدول المدرجة في أخطر قوائم الإيدز مع وجود نسبة 40% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و49 سنة من بين المصابين بالإيدز.

ويتساءل المؤلف متعجبا: كيف إذن تصبح تلك الدولة نجمة الإحصاءات الدولية في نفس الوقت؟ إن إكسافير سالا مارتن لم يقدم إجابة عن هذا السؤال ولكن الإجابة سهلة جدا. ويفسر مؤلف الكتاب ذلك بأنه لدى بوتسوانا منجم ضخم للماس، وعدد سكانها آخذ في التقلص بفضل الإيدز مما يقلل عدد المستفيدين بالمشاركة في ثروة البلاد، فضلا عن وجود حكومة جيدة إلى حد معقول.

وليست لذلك أدنى علاقة بنظرية ما بعد عام 1917 الخاصة باقتصادات العولمة. كذلك تضمنت قائمة سالا مارتن المتفائلة دولة هي إحدى ضحايا الإيدز وهي رواندا التي تعرضت لعملية إبادة جماعية مروعة حصيلتها 800 ألف قتيل، والتي عانت انهيارا اجتماعيا خلال نفس الفترة بالتحديد التي يقول الباحث إنه وجد فيها إحصائيات النجاح الاقتصادي. وعندما استطلع جون رالستون سول آراء عدد مهم من علماء الاقتصاد، أعربوا عن استيائهم ووصفوا التقرير بأنه محض هراء.

أضحوكة العولمة

إذا انتقلنا مع المؤلف إلى الفصل الثامن من كتابه، الذي اختار له عنوانا من كلمتين هما «مضحك الملك»، نجد أنه يقدم لهذا الفصل بقوله «مثلما كان من الضروري أن تتضمن المسرحيات الكلاسيكية مع الملوك والعذارى وقصص الحب والخيانة، شخصية مضحك الملك، فإن العولمة لديها دافوس.؟ ولم يتضح في بداية الأمر أن هذا هو دور المنتدى. وفي يناير 1971 شهدت تلك البلدة الصغيرة في جبال الألب السويسرية محاولة جادة لدفع التكنوقراطيين من عالم البيزنس الأوروبي إلى التنافس القوي مع الولايات المتحدة.

وكان ذلك التجمع في الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لمركز الدراسات الصناعية. وقد بني التجمع إلى حد كبير على ثلاث رؤى للحياة هي: الشعوب تحتضر وهي تستحق الموت ـ وعالم البيزنس ينبغي أن يكون بقيادة المديرين لا الرأسماليين ـ والبيزنس يجب أن يقود المجتمع. وسرعان ما تحولت ندوة الإدارة الأوروبية لتصبح المنتدى الاقتصادي العالمي أو منتدى دافوس.

وقد كان أول منظمة في أوائل سبعينات القرن العشرين تحاول أن تكتشف أي جانب من فراغ الحضارة الغربية ستخرج منه. وقد عقد المنتدى قبل سبعة أشهر من قيام الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بتفكيك اتفاق بريتون وودز. ونترك الكتاب قليلا لنعرف أن نيكسون أثناء رئاسته للولايات المتحدة، اتخذ قرارا بتدمير النظام النقدي المسمى بريتون وودز لكي يجد حلا للمشاكل المالية الأميركية وكان ذلك النظام هو مفتاح الموقف بعد الحرب العالمية الثانية، وقد وضع لكي يحافظ على الاستقرار عن طريق ربط العملات الأخرى بالدولار الأميركي وفقاً لأسعار صرف ثابتة.

وفجأة في يوم 15 أغسطس عام 1971 قامت واشنطن بتعويم الدولار وقضي على نظام بريتون وودز. ونعود إلى الكتاب الذي يشير إلى أن منتدى دافوس اقترح منذ البداية النظر إلى المجتمع من خلال منظور اقتصادي، والنظر إلى الاقتصاديات عبر منظور مديري الشركات الكبرى بدلا من رؤيتها من خلال عيون الرأسماليين. ويرسم المؤلف صورة تجريدية للمنتدى وكأنه بلاط ملكي والملك فيه هو «المفهوم».. مفهوم المجتمع من خلال رؤيته عبر المنظور الاقتصادي.

لقد احتاج الناس إلى نحو خمسة عشر عاما لكي يدركوا ما كانوا يقصدونه بإطلاق اسم العولمة، في أوائل سبعينات القرن العشرين. وقد حفلت تلك السنوات بمحاولات عديدة لتحديد المنظور الاقتصادي الدولي من خلال المعاهدات، والتعامل مع الأزمات، والمنظمات الدولية، ومحاولات كثيرة من الشد والجذب بين الخبراء. ولم تجر مناقشات عامة كثيرة حول الافتراضات الاقتصادية والاجتماعية التي قد يتضمنها منهج التعولم.

وبدلا من ذلك برز اهتمام كبير متزايد بالتجارة باعتبارها مفتاح النمو، والعلاقات الدولية، والديمقراطية، وأي شيئ في الغالب. وبدا وكأن التجارة أصبحت محرك الحضارة، وبدا للبعض أن نقل السلع عبر الحدود هو الهدف من الحضارة، وأن إنتاج السلع من أجل الأسواق المحلية كان «موضة» قديمة متدنية ولا تثير الاهتمام وأينما حلت «الموضة» تميل المساحات إلى التوسع.

وهكذا أخذ اصطلاح «التجارة» يتوسع بالتدريج ولم يعد يعني السلع وحدها، بل شمل الخدمات، ولم يشمل المنتجات فحسب، بل الموظفين كذلك ـ وتتمدد «الموضة» في العادة إلى أبعد من قدراتها، ولهذا بدأت المساحة الآن تضيق بالفعل وتتقهقر بفعل الواقع الذي يعيشه الناس. مثال ذلك أن عددا كبيرا من علماء الاقتصاد والاقتصاديين الجدد يتساءلون الآن عن السبب في أن مجموعة من الأعمال مثل الملكية الفكرية يجب أن تتمتع بالحماية من النظام التجاري الدولي.

وبحلول عام 2004 قرر البنك الدولي أن الاتفاقات التجارية الصارمة والمعقدة قد دمرت الاقتصادات النامية. وقد ثار جدل آخر أكثر أهمية ويتجاوز الفكرة البسيطة عن أهمية التجارة وما ينبغي أن تشمله، ويدور هذا الجدل حول الأسئلة التالية: هل كان البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الخاص بالمحافظين الجدد والليبراليين الجدد ضروريا للتجارة الدولية ومجمل النمو؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو الحجم الضروري اللازم من البرنامج؟

وعلى سبيل المثال هل كان ضروريا ربط فكرة تحرير التجارة بفكرة التجارة بلا حدود؟ وماذا عن الاتفاقية متعددة الأطراف الخاصة بالاستثمار والفكرة التي تطرحها عن المساواة في التعامل مع الشركات مهما كانت الدولة التي تختار العمل فيها؟ بعبارة أخرى: هل يعتبر إعطاء الأولوية لمصالح الشركات قبل الصالح العام لدول بعينها جزءا لا يتجزأ من فكرة التجارة بلا حدود؟

ومع الإصرار المتواصل على هذه الأنواع من الروابط حوّل أنصار العولمة حركتهم إلى ما اعتبر حركة محافظة جديدة، وهكذا أصبحت اللغة المؤيدة للتجارة الحرة بالتدريج هي نفس لغة المحافظين الجدد، وتتوقف نسبة ما استخدم فعلا من هذه اللغة على الدولة والقضية المطروحة، ولكن بحلول ثمانينات القرن الماضي بدأ النظر حتى إلى البرامج الاجتماعية العامة التي تديرها حكومات ديمقراطية، من خلال المنظار الفكري النيوليبرالي أي منظار المنافسة، والمصلحة الذاتية، والكفاءة، والتكلفة الحقيقية الخ، والمبرر الذي قيل هو أن تلك هي النتيجة الحتمية للعيش في ظل اقتصاد معولم.

وقد بدأت الخطوة الأولى على هذا الطريق بتكوين مجموعة الدول الصناعية الست (جي-6)، والتي سرعان ما أصبحت مجموعة الدول الصناعية السبع (جي-7)، وما لبثت أن سميت مجموعة الثماني (جي-8). وبدأ وزراء المالية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، يعقدون اجتماعات خاصة لمناقشة الخطوات التي يجب اتخاذها لإشاعة الاستقرار في الموقف، وفي ذاكرتهم أزمة قرار نيكسون عام 1971 إلغاء العمل بنظام بريتون وودز.

وقد اجتمع هؤلاء الوزراء في مكتبة البيت الأبيض ولذلك عرفوا باسم «مجموعة المكتبة«، وما لبث أن انضم إليهم الوزير الياباني وفي عام 1974 أصبح اثنان منهم على رأس حكومتي بلديهما وهما هيلموت شميت وفاليري جيسكار ديستان. وأراد الاثنان إعادة تشكيل مجموعة العمل على مستوى رؤساء الحكومات للتعامل مع مشاكل العالم الاقتصادية. وكانت الفكرة معقولة وثورية، إذ يقود قادة حكومات أقوى الديمقراطيات كل التجمعات الدولية القائمة، ويقيمون هيكلا أكبر يكرس للنظر في الحضارة عبر منظور اقتصادي.

ولم يحدث ذلك من قبل، وبدا وكأنه قد خففت هموم العالم الديمقراطية والاجتماعية والدبلوماسية والعسكرية. وما دام هؤلاء القادة سوف يلتقون معا بهذه الطريقة الشاملة، فلابد أن يكون المبرر الرئيسي هو الإدارة الاقتصادية ومهما كانت القضايا الأخرى، مثل أزمة الإرهاب خلال سبعينات القرن العشرين، فلابد أنهم سوف يتناولونها من خلال منتدى اقتصادي. والأمر الغريب أن هؤلاء القادة لم يكونوا موفقين في إدارة الأزمات الاقتصادية المفاجئة التي تساقطت عليهم، والغالب أنهم نجحوا بشكل أفضل على الجبهة السياسية.

رجل ما بعد الحداثة

في خضم مناقشاتهم حول الإدارة الاقتصادية في مواجهة القيادة السياسية حدثت واقعة واضحة الدلالة، فقد انتخب جيسكار ديستان رئيسا للجمهورية في فرنسا في منتصف عام 1974. وكان من قبل وزير مالية ناجحا. وبانتخابه رئيسا للجمهورية، أصبح بإمكانه استغلال مواهبه الاقتصادية في أعلى منصب في فرنسا.

وقد أصبح يمثل سياسيا ذا أسلوب جديد.. أسلوب الخبير المتخصص الذي سوف يريح الناس من همومهم بخبرته المالية. وإذا قورن بزعماء آخرين مثل شارل ديغول أو كونراد أديناور، نجد أنه زعيم عصري هادئ ونزيه ورجل ما بعد الحداثة. ولكنه جاء إلى مقعد الرئاسة وسط بذور أزمات النفط والتضخم والبطالة وانعدام النمو. وقد شن هجومه المضاد على هذه الأزمات بأفضل ما يستطيعه تكنوقراطي دون تأثير يذكر.

وكانت أسعار الفائدة مرتفعة جدا حتى أنها أصابت القطاع الخاص بالإفلاس دون السيطرة على التضخم. وأصبح جيسكار مهموما ومحبطا. وفي إحدى الليالي ظهر على شاشات التليفزيون ليتحدث إلى الشعب، وأخبر الناس أن القوى العالمية الكبرى تقوم بالعمل، وهي قوى جديدة.. قوى الحتمية.. قوى الاعتماد الاقتصادي المتبادل، ولا تملك الحكومة الوطنية أن تفعل شيئا.. كان ديستان بلا سلطة..

ويرى جون رالستون سول أن ظهور ديستان التاريخي على التليفزيون ربما كان هو الإعلان الأصلي عن العولمة باعتبارها القوة الطليقة الحرة التي لا تخضع لسيطرة كل البشر، وهي أيضا التي اخترعت نمطا جديدا من القيادات.. نمط المدير منزوع السلطة، وقد أدى ذلك إلى انتشار هذه «الموضة» على جميع المستويات. وأصبحت الإجابة السهلة إزاء أصعب المشاكل هي النواح علانية وإعلان المسؤول عجزه وأنه أصبح بلا سلطة، وأن ميزانياته الضخمة، والبنى العامة، ومواهب وعزم شعبه، عديمة الفائدة، وأنه سوف يبذل أقصى جهده مع أصدقائه الزعماء/ المديرين.

ويضيف مؤلف الكتاب قوله: «تستطيع أن تقول إن العولمة أصبحت الذريعة لعدم معالجة المشاكل المهمة. والأسوأ من ذلك أن هذا التصرف هو خيانة للمسؤولية العامة تفقد المواطنين ثقتهم في ديمقراطية بلادهم. وقد جعل رجال مثل ديستان شعارا مبتذلا مثل «الحتمية» أمرا قابلا للتصديق، وتلك عودة إلى الكهان المخيفين في أكثر الأيام ظلاما في العصور الوسطى».

العمال الضيوف

يعود بنا جون رالستون سول مرة أخرى إلى بدايات السبعينات من القرن الماضي مضيفا أن الأمر المزعج في تلك السنوات تمحور حول التساؤل عن كيفية نجاح نظرية الاقتصاد المعولم الخاضع للمديرين، فقد أدرك قياديو أوروبا التكنوقراطيون فجأة اختفاء الطبقات العاملة الوطنية. ويضيف المؤلف أن مرور قرن من النجاح الاجتماعي المدعوم بسياسة وضوابط عامة، والذي تميز بشكل خاص بدرجة عالية من النجاح في ربع القرن بعد عام 1945.

وأدى هذا النجاح إلى ارتفاع مستويات التعليم، وتنمية المهارات، وزيادة الأجور ومستوى المعيشة بشكل عام. والواقع أن وضوح الموقف إزداد خلال ستينات القرن العشرين. وبدلا من محاولات إعادة التفكير وتنظيم ذلك الجانب من الاقتصاد المعتمد على الطبقة العاملة التقليدية، قرر التكنوقراطيون ببساطة تشكيل قوة عاملة جديدة بجلب مئات الآلاف ممن أطلق عليهم «العمال الضيوف» من دول حوض البحر الأبيض المتوسط.

وقد جاء معظمهم من دول حضارات امبراطورية كبرى مثل تركيا والمغرب، وجاء آخرون من مستعمرات قديمة كالجزائر وتونس والصومال. ولما كان هؤلاء العمال قد جلبوا من أفقر المناطق السكنية وأدناها تعليما، فقد سمح ذلك للمديرين بأن يتظاهروا بأن تلك الأصول الغنية لا تحتاج إلى وضعها في الحسبان ودائرة الاهتمام أو العناية. وكان هؤلاء التكنوقراطيون نموذجا للنزعة النفعية القديمة مع اختلاطها بنظرية الإدارة المجردة.

وتتلخص النظرية في أن هؤلاء «العمال الضيوف» سوف يأتون مع زوجاتهم للعناية بهم ومن ثم سيأتي أطفالهم، ثم سيعملون وتتاح لهم الخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين دون أن يصبحوا مواطنين. وفي رأي المؤلف أن هذه التركيبة التي تحتوي عليها نظرية التكنوقراطيين أدت إلى بث الشعور بالاغتراب واللاانتماء والمهانة، والاستعداد، بطبيعة الحال، لإعادتهم إلى بلادهم في أي وقت ترغب فيه الدولة المضيفة.

وبعد 35 عاما وقع في المأزق 17 مليون مسلم بمن فيهم العمال الضيوف، الذين تقاعد أكثرهم الآن، وأطفالهم وأحفادهم بالإضافة إلى عدد جديد من العمال والى 450 مليون أوروبي آخرين، وتمثل هذا المأزق في التناقضات الأخلاقية والإنسانية التي سببها المنهج الإداري المعولم. ويستطيع كثير من هؤلاء العمال الآن أن يصبحوا مواطنين. وقد حصل العديد منهم بالفعل على حق المواطنة ولكن عملية احتوائهم بأكملها تأسست على متاهة عملية إقصاء نفعية، وتميل نتائج ذلك لا إلى شعور السعادة بذلك أو الافتخار بالانتماء، ولكن إلى مزيج معقد من المشاعر بجميع جوانبها..

مشاعر الغضب وهو في الغالب غضب الاستعلاء، وسوء التفاهم، وأصبح الكثير من الاختلافات جبالا متراكمة بدلا من أن تكون فرصا ثرية. وحلت متاعب البسطاء محل مزايا العلاقات الإنسانية. ونتيجة لتعامل ذلك الأسلوب الإداري مع حقائق الحياة الإنسانية، عادت إلى الظهور في أوروبا النزعات القومية السلبية بين الأوروبيين كبار السن والشبان أيضا.

وفي قلب هذه المشكلة تكمن فكرة التعولم في النظر إلى المجتمع من منظور اقتصادي. وفي الإطار العملي كان معنى ذلك الانحدار بقيم المجتمع الأخلاقية والمعنوية لصالح وجهة النظر التي تؤكد أن دافع البشر الأول هو المنفعة الذاتية. ويوجد اليوم في العالم أكثر من 120 مليون عامل مهاجر مع عائلاتهم، ومن بينهم 20 مليونا في أوروبا، وتشابه ذلك المستوى مع الموقف الذي أعقب الحرب العالمية الثانية مباشرة.

وهو من جهة أخرى يماثل عصورا أخرى من تغيرات اقتصادية هائلة قادت بشكل عام إلى فترات من عدم استقرار اجتماعي وموجات عنف كبيرين مثلما حدث في القرن التاسع عشر. ويخرج مؤلف الكتاب من ذلك إلى القول: نحن ـ بعبارة أخرى ـ نعيش فترة مهووسة بالإدارة، ومع ذلك يقودها أناس لا علم لهم بالتاريخ عامة، وغير واعين لآثار وسائلهم النفعية. وفي نفس الوقت تجد أن المبالغة في تجريد الحياة الإنسانية أصبحت أساس إحياء نزعة العنصرية الغربية التي ظننا أننا هزمناها في عام 1945.

إن الانتصار الحقيقي لعصر العولمة الجديد يكمن في جانب آخر وهو ما يشبه الانفجار في عدد الاتفاقيات التجارية الدولية والمتعددة الجنسيات، والثنائية. ويبلغ هذا العدد نحو 300 اتفاقية تجارة إقليمية منذ عام 1945 من بينها نحو 250 اتفاقية منذ عام 1995. وكثير منها في الأميركتين أو في داخل أوروبا أو بين أوروبا ودول خارجية. ويوجد نحو 50 منها يتناول الاقتصادات النامية.

عرض ومناقشة: صلاح عويس