قد يبدو عنوان هذا الكتاب مضللاً إلى حد ما، فللوهلة الأولى قد يتصور القارئ أنه يقوم على دراسة أوضاع الإسلامي والمسلمين في روسيا سواء في الإطار التاريخي أم في الواقع الراهن. ورغم أن الكتاب يقوم بذلك بشكل أو بآخر، إلا أن ذلك لا يمثل سوى جزء يسير من المهمة التي يحققها.

حيث تتوسع المؤلفة في رؤيتها لموضوعها، بشكل قد نتفق معها فيه أو نختلف، إلى حد تناول كل ما يتعلق بتأثير البعد الإسلامي على الأوضاع في روسيا، وهنا فإنها قد تمد نطاق تحليلها ليشمل طيفاً واسعاً من القضايا الخارجية إلى الحد الذي تشعر معه أثناء قراءة هذا الكتاب بأنك قد حلقت في آفاق أخرى يبدو لك أنها أبعد ما تكون عن مادة الكتاب الأساسية.

على خلفية هذه الرؤية نتابع مع مؤلفه الكتاب وهي الباحثة في الشؤون الإسلامية شيرين هنتر قضايا مثل حرب الخليج الأولى والثانية وفصولاً من تطورات الموقف في افغانستان سواء خلال حكم طالبان أو ما بعدها، فضلا عن طبيعة العلاقات التي تحكم روسيا مع دول العالمين العربي والإسلامي.

بل والأبعاد التي تحكم علاقات روسيا مع الغرب، ومدى تدخل العالم الإسلامي في تحديد نمط هذه العلاقة.. وغير ذلك من قضايا عديدة يحفل الكتاب بتناولها بالتفصيل. ورغم اتساع النطاق الزمني للكتاب حيث تحاول هنتر أن تقدم لنا استعراضا تاريخيا للحظات الأولى لانتشار الإسلام في روسيا وحتى تقديم مادة كتابها للنشر.

فضلا عن اتساع النطاق الموضوعي من حيث تنوع القضايا، إلا أن المؤلفة تقدم لنا مادتها بشكل يكشف عن قدرة كبيرة على البحث ما مكنها من السيطرة على مادتها وتقديمها للقارئ في أفضل صورة ما يجعل من الكتاب بحق بمثابة موسوعة لا يمكن الاستغناء عنها لأي دارس أو مهتم بشؤون الإسلام عامة وفي روسيا بشكل خاص حيث انها لا تتوانى عن تقديم كل صغيرة أو كبيرة تتعلق بالمسلمين هناك إلا وتتطرق لها بشكل أو بآخر.

وهنا فإنه من الملامح الأساسية التي يلحظها القارئ على أسلوب هنتر في تناولها للموضوع دأبها الكبير في متابعة تطورات المعلومة ومقارنتها بالمصادر المختلفة في محاولة الوصول إلى صورة أقرب ما تكون إلى الحقيقة في سياق رصد الجوانب التي تقوم عليها وهو الأمر الذي يتضح في العديد من الأمور ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر عدد المسلمين الفعلي في روسيا وهو الأمر الذي يتباين بشكل ملفت للنظر وعلى نحو يثير دهشة القارئ .

بل وشكوكه كذلك بشأن الهدف الحقيقي من عدم تقديمه على نحو حاسم رغم أن الأمر قد لا يبدو صعباً على النحو الذي نتابعه مع المؤلفة، وكذلك الأمر بشأن عدد المساجد في روسيا حيث تتابع المؤلفة الأرقام بدقة كبيرة فضلا عن الاستغراق في متابعة تطور هذه الأرقام على مستوى كافة الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق وكذلك في روسيا الحالية.

غير أن من المآخذ التي ترد على المؤلفة في تناولها لمادة كتابها الإكثار من الاستشهاد بالتصريحات لمسؤولين وخبراء ومحللين ورغم أن ذلك يأتي في سياقه من التناول، ويعزز جانب الدقة، إلا أنه يبدو في بعض الأحيان غير مبرر خاصة أنه يرد بشكل مطول مع أن الإشارات السريعة كان يمكن أن تفي بالغرض ولعل ذلك أحد جوانب ضخامة حجم الكتاب حيث تتجاوز صفحاته الخمسمئة وخمسين صفحة.

رؤية تاريخية

ومن هذه اللمحة السريعة عن الإطار العام للكتاب ننطلق إلى استعراض مادته الأساسية ونشير هنا إلى تقسيم المؤلفة كتابها إلى جزأين يمكن دون مبالغة اعتبارهما كتابين منفصلين أو كتابا في جزأين، تخصص الأول بالكامل لتناول كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين في روسيا والثاني لتأثيرات البعد الإسلامي في روسيا على علاقاتها الخارجية.

عن الوجود الإسلامي في روسيا وفي إطار عرضها للبعد التاريخي لهذا الوجود تشير هنتر إلى أن روسيا بشكل عام تتكون من مجموعة من العرقيات المختلفة وأن ذلك يعد أحد أسباب أزمة الهوية التي تواجهها منذ القدم وحتى اللحظة الحالية، وهي الأزمة التي تفجرت بشكل كبير بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، ما أدى إلى إثارة التساؤلات لدى كل جماعة عرقية بشأن هويتها بعد أن كان الاتحاد يمثل هوية عامة شاملة تحتوي ما يمكن اعتباره هويات فرعية.

غير أن النقطة الأساسية التي تمثل المحور الذي تقوم عليه دراسة هنتر إنما تتمثل في أنه إذا كان صراع روسيا وتفاعلاتها الرئيسية التي حكمت سياساتها على مدى الفترة الماضية تمثلت في طبيعة ارتباطها بالغرب، فإن أحداث سبتمبر فرضت تغييراً في النظرة إلى روسيا في ظل تنامي الاهتمام بالإسلام والمسلمين على كافة الأصعدة ومن بينها تلك المتعلقة بالأقلية المسلمة في روسيا.

وهنا فإن المؤلفة تولي أهمية كبيرة في تحليلها لمختلف الموضوعات التي تتناولها لأحداث سبتمبر حيث تعتبرها نقطة مفصلية وتتخذها مجالا للفصل بين ما قبل سبتمبر وما بعده، وهو أمر أصبح شائعاً في أغلب الدراسات السياسية التي تتناول تطورات العالم المعاصر في ضوء ما ألقت به هذه الأحداث من تأثيرات على مجرى السياسات الدولية على النحو الذي لا يمكن معه تجاهلها.

وهنا وفي مجال مادة الكتاب الذي نعرض له فإن المؤلفة تشير إلى أنه إذا كانت هذه الأحداث قد ألقت الضوء على الإسلام والمسلمين في ضوء أن التهمة وجهت لبعض منهم بأنهم وراء الأحداث وهو ما أدى إلى اتساع الاهتمام بالإسلام في الغرب، فإن جانباً من هذا الاهتمام امتد إلى الإسلام في روسيا، وهو الأمر الذي تواكب مع بعض التفاعلات الداخلية والتي عززت من هذا الاهتمام.

تعاظم التأثير الإسلامي

تشير المؤلفة شيرين هنتر إلى تعاظم التأثير الإسلامي سواء في الماضي أم في الحاضر في روسيا والثقافة الروسية وأن الأقلية المسلمة والتي لها وزنها يمكن أن يكون لها تأثير هام وأساسي في صياغة مستقبل الدولة الروسية. كما أن الإحياء الإسلامي يعد عاملاً رئيسياً في تشكيل حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي.

والسؤال الذي يشغل هنتر هو ما إذا كانت روسيا تستطيع أن تتحول إلى دولة ديمقراطية وتتسم بالتعددية أم لا؟ في محاولتها الإجابة تشير إلى أن الكثيرين بحثوا هذا السؤال من خلال التركيز على الصعوبات المؤسسية التي تواجه روسيا والتي تم وراثتها من العهد السابق، وفيما يتمتع المسلمون في روسيا اليوم بكثير من الحرية عما كان عليه الوضع من قبل في ظل الحكم السوفييتي فإن المسلمين والتقاليد الإسلامية تبقى في إطار هامشي في الحياة السياسية والاقتصادية.

على شاكلة الرؤية العامة التي تحكم الكثير من الغربيين في سياق استعراضهم للعلاقات بين العالم الإسلامي والغرب تذهب المؤلفة في تحديدها لنمط العلاقات بين الإسلام وروسيا إلى أن العداء كان هو السمة التي حكمت هذه العلاقة منذ نشأتها وتقدم في ذلك تصوراً بشأن بدء ما يمكن اعتباره الاحتكاك الإسلامي مع روسيا. وقد يصعب الفصل في تحديد صحته في ضوء تعدد الروايات التي تعرض لهذا الجانب.

وفي معرض تفسيرها لطبيعة العلاقة بين الإسلام وروسيا تشير هنتر إلى أن تاريخ المواجهة بين الجانبين يعود إلى نحو ألف عام، فلعدة قرون ظل الإسلام والمسلمون بمثابة جيران أكثر من كونهم جزء من الديانة أو الثقافة أو الجغرافيا الروسية غير أن الإسلام بدأ يفرض نفسه على الواقع الروسي نتيجة للغزو المنغولي وهو الذي أدى إلى إلحاق روسيا بالامبراطورية المغولية.

ومع اعتناق المغول الإسلام فيما بعد، تغيرت منذ تلك اللحظة صورة الإسلام في النظرة الروسية حيث تحول إلى العدو الذي قام بغزو البلاد واحتلالها وهو ما كان يعني ضرورة التوحد من أجل التخلص من سيطرته وعلى ذلك فإن التتار المسلمين أو حكمهم ساهم بشكل أو بآخر في تعزيز الوحدة الروسية سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو حتى المصالحة السياسية.

غير أن الآية انعكست بعد ذلك لتتغير الأوضاع مع التوسع الروسي فيما بعد في الأراضي الإسلامية بدءاً من غزو كازان وهو الأمر الذي تواصل لأربعة قرون وعلى هذا تشكلت الذاكرة المسلمة عن الروس على أنهم الغزاة الذين ينبغي العمل على التخلص من سيطرتهم، أو فرض تقاليدهم الثقافية والدينية.

محاولات استئصال

بعبارة موجزة فإن العلاقة بين روسيا والإسلام والمسلمين هي علاقة محكومة في الأساس بالغزو والغزو المضاد. غير أن هنتر تشير إلى أنه على مدى الخمسة قرون الماضية فإن المعاملة الروسية للإسلام والمسلمين اتسمت بالقمع والعمل على القضاء على الإسلام والمسلمين وبشكل خاص في ظل الحكم الشيوعي.

ومع ذلك فإن هذه السياسة العامة تعرضت لانقطاع في بعض الفترات التي شهدت تسامحاً وبشكل خاص بسبب وجود تهديد خارجي على أو خلفية استخدام الإسلام والمسلمين كأداة في السياسة الخارجية الروسية وقد مكنت هذه الفترات الإسلام والمسلمين من البقاء في روسيا على الرغم من أن ذلك تم في شكل ضعيف سواء على المستوى الديني أو الثقافي.

وتشير المؤلفة إلى أن العلاقة بين روسيا والإسلام كهويات سياسية وثقافية وبين الشعب الروسي والشعوب الإسلامية بشكل أساسي تميزت بكونها استعمارية وقد كان ذلك أمراً صحيحاً إلى حد كبير حتى في ظل الحكم السوفييتي على الرغم من التوجهات العالمية التي كان يعلنها النظام الاشتراكي.

وقد كانت النتيجة لهذه العلاقة الاستعمارية هي أنه عندما كانت الظروف السياسية تسمح للمسلمين الروس بطرح مطلب الحكم الذاتي فإنهم كانوا لا يتوانون عن السعي إلى تحقيق ذلك وقد بدا ذلك في سنوات 1905-1907 وكذلك في الفترة ما بين 1917 وحتى 1921، وكذلك 1986-1991.

وتنتهي إلى القول إنه في الحقيقة فإن التداخل بين روسيا والإسلام إنما تواصل على مدار الألفية الأخيرة وقد تركت تلك الخبرة الطويلة تأثيراتها على التطورات سواء السياسية أم الثقافية على مستوى الروس أو المسلمين. ولقد تواصل ذلك التداخل فيما بعد الحقبة السوفييتية بل وتزايد إلى حد التوتر في بعض الأحيان.

وفي هذا تشير إلى أنه فيما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي حصل الجزء الكبير من الأراضي المسلمة على استقلاله عن روسيا غير أن القضية إنما أصبحت تتمحور حول مكان ودور الإسلام في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي وهو الأمر الذي فرض نفسه مع تزايد مساعي المسلمين إلى تحقيق الحكم الذاتي والشيء الواضح هو أن المكون الإسلامي في روسيا ما زال يلعب دوراً كبيراً في التطور الداخلي وكذلك في علاقة روسيا بالعالم الخارجي.

وتؤكد المؤلفة أن الإسلام في فترة ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي قد شهد المزيد من التوسع على المستوى الكمي والنوعي وأصبح أكثر حضوراً في الساحة الروسية، فالمسلمون اليوم يتمتعون بحرية دينية أكبر مما كان عليه وضعهم من قبل، ومع ذلك فإنه ما زال هناك ممانعات في قبول الإسلام بشكل كامل باعتباره أحد مكونات الثقافة الروسية.

وقد عزز من ذلك العديد من التطورات السلبية من بينها الحربان اللتان جرت أحداثهما في الشيشان وكذلك انتشار الأفكار المتشددة للعديد من الجماعات الدينية الإسلامية وكذا تدفق اللاجئين ومهاجرين آخرين من القوقاز والجمهوريات المسلمة في آسيا الوسطى وقد كانت لتلك التطورات تأثيراتها السلبية على الصورة عن الإسلام والمسلمين.

ونتج عن ذلك استدعاء الصورة السلبية عن الإسلام في الذاكرة الروسية في التاريخ القديم وهو ما عزز من مشاعر العداء تجاه المسلمين بشكل كبير حتى إن التعبيرات السلمية والمعتدلة عن الإسلام أصبحت تثير قدراً من عدم الارتياح بل والخوف.

فضلاً عن ذلك فإن الاختلافات في الرأي بين قادة التنظيمات المسلمة في روسيا والتي تصل إلى حد الاختلافات العميقة التي تعكس قدراً من العداء تلقي بتأثيرها لجهة وضع الإسلام في روسيا، وقد أدى مثل هذا الوضع إلى ظهور دعوات قديمة باحتواء الإسلام من خلال السيطرة الحكومية على المنظمات المسلمة الأمر الذي يعكس نفسه في انحسار دور الإسلام في تحديد هوية روسيا ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقيمتها.

وفي سياق استعراض المؤلفة لموضوعها تتطرق إلى طبيعة التفاعل بين الإسلام والمسلمين مع أنظمة الحكم المختلفة ومنها نظام حكم غورباتشوف آخر زعماء الاتحاد السوفييتي. لقد كان غورباتشوف في رؤيته للإسلام يعكس النظرة الشيوعية التقليدية حيث انتقد الثقافة الإسلامية واعتبرها أحد أسباب تدهور الأوضاع في آسيا الوسطى.

وعلى هذا فقد شهدت فترة حكمه دعوات إلى مواجهة تأثيرات الإسلام وهو ما انعكس في حملة واسعة ضد رموز الإسلام شملت حسبما تذكر شيرين هنتر القبض على العلماء المسلمين خاصة في آسيا الوسطى. وقد عزز من ذلك النظر إلى الإسلام خلال هذه الفترة كذلك على أنه يمكن أن يشكل تهديداً لتكامل الاتحاد السوفييتي.

غلاسنوست غورباتشوف

غير أن المؤلفة تشير إلى تغير هذه السياسات بشكل جزئي خلال عام 1988 مع إطلاق سياسة البريسترويكا والجلاسنوست حيث تغيرت السياسة السوفييتية كليا تجاه الأديان بما في ذلك الإسلام وهو الأمر الذي تعزز بفعل عاملين الأول هو نصيحة عدد من الشخصيات ذات التوجهات الديمقراطية والتي يبدو أنها أقنعت غورباتشوف بأن الإصلاح الاقتصادي من غير المحتمل أن ينجح بدون دمقرطة النظام بما يتضمن الموقف من الأديان والمجال الروحي.

أما ثاني العوامل فيرجع إلى عام 1986 ويتمثل في مطالبة بعض المثقفين ورجال الدين بتغيير موقف الدولة من الدين وفي ذلك فقد سعى البعض منهم إلى التأكيد على الرابطة بين الثقافة والأخلاق ومكان الدين كمكون للثقافة.

فضلاً عن ذلك تشير المؤلفة إلى عاملين آخرين ساهما في تغيير الموقف من الأديان عموماً والإسلام من بينها شخصية غورباتشوف نفسه الذي لجأ إلى ذلك الأمر كوسيلة يمكنه من خلالها اكتساب المزيد من التأييد لبرنامجه الإصلاحي ومن ناحية أخرى فقد اعتبر ذلك وسيلة لكسب رضا الخارج خاصة الغرب بما يحسن صورته كزعيم الحريات الدينية.

بالإضافة إلى ما سبق فإنه وفي إطار تصفية أجواء الحرب الباردة وقعت موسكو اتفاقية هلسنكي التي تحولت فيما بعد إلى منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وبمقتضى المادة 16 من هذه الاتفاقية وجد غورباتشوف نفسه مجبراً على سن تشريع أو قانون بشأن الحرية الدينية في الاتحاد السوفييتي.

ورغم ما سبق تشير المؤلفة إلى أن المسلمين كانوا آخر من استفادوا من هذه التطورات بعد نحو عام من جني ثمارها من قبل المسيحيين واليهود، بل إن المسلمين لم يشعروا على نحو كبير بتأثير مثل هذا القانون عليهم. وهنا تؤيد المؤلفة ما يذهب الكثيرون إلى اعتباره حقيقة وتتمثل في أن الهدف من استراتيجية غورباتشوف سواء على صعيد الإصلاح الاقتصادي أم التحرر السياسي لم يكن وضع نهاية للنظام الشيوعي أو المساس باستمرار وبقاء الاتحاد السوفييتي.

ولذلك فإنه هو نفسه شعر بالدهشة جراء ما آلت إليه سياساته على صعيد تفكك بلاده ويبدو وفقاً للمؤلفة أنه لم يتصور أن هذه السياسات يمكن أن تؤدي إلى كل هذا التعبير الواسع عن المظالم الدينية والعرقية التي يواجهها أفراد المجتمع السوفييتي.

ومع ذلك أيضاً تتحفظ المؤلفة، فيما يتعلق بمقولة أن وضع الإسلام والمسلمين لم يستفد كثيراً من جراء هذه التطورات، فتذكر أن الإسلام أو حتى مسلمي الاتحاد السوفييتي لم يكونوا في قلب ما يحدث من حركات انفصالية عن الاتحاد السوفييتي. وتضيف أنه من قبيل السخرية أن الضربة القاصمة للاتحاد جاءت من بوريس يلتسين والاتحاد الروسي وليس من جانب أي من الجمهوريات المسلمة.

صعود الإسلام السياسي

غير أن هنتر وفي اطار محاولة النظر للقضية من منظور أشمل تشير الى أنه في أي الأحوال فقد كان لهذه التطورات أثرها الايجابي بعيد المدى على وضع المسلمين في الاتحاد السوفييتي بفعل مجموعة من العوامل من بينها رفع القيود على حرية ممارسة الشعائر الدينية وكذا رفع الحواجز أمام زيادة الاتصالات بين المسلمين السوفييت وباقي العالم الإسلامي.

من جهة ثالثة زيادة تدفق التمويل والبعثات الدعوية من العالم الإسلامي وبشكل خاص من تركيا والسعودية وعدد من الدول العربية الأخرى، وتشير المؤلفة في هذا الصدد إلى إرسال العاهل السعودي الراحل الملك فهد نحو مليون مصحف إلى آسيا الوسطى. وقد ساعد ذلك على صعود ما عرف بالإسلام السياسي بشكل خاص وقد كان من بين مظاهر ذلك نشأة حزب الإحياء الإسلامية في استراخان في يونيو 1990.

الصحوة الإسلامية

وكذلك فقد كان من بين الحركات أو الأحزاب ذات النشأة المبكرة في اطار هذه التحولات الحزب الإسلامي الديمقراطي وهو حزب ذو اتجاهات إسلامية معتدلة ويسعى إلى التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. وقد أعلن الحزب مساندته لبوريس يلتسين بسبب ما رآه في سياساته من مرونة تجاه الجمهوريات الأخرى في الاتحاد السوفييتي.

كما برزت حركات إسلامية أخرى في شمال القوقاز كحزب الطريق الإسلامي في الشيشان والذي نشأ في 1990 وكان يقوده بيسلان جانتاميروف. كما نشأت مجموعات أخرى أصغر على أسس عرقية أو محلية غير ان أهميتها كانت محدودة.

وفي الوقت نفسه نشأت مجموعة كبيرة من المؤسسات الثقافية والمجموعات في موسكو بما فيها المركز الثقافي الإسلامي الروسي تحت قيادة عبدالواحد نيازوف، ومعهد موسكو للحضارة الإسلامية والمركز الثقافي الديني «المدينة» وقد احتفى العديد من هذه المؤسسات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أو شهد تحولا إلى مؤسسات مختلفة تماما ورغم ذلك فإن تلك المؤسسات ذات الطابع الإسلامي على المستوى الروسي أو المحلي ما زالت حاضرة في الحياة الروسية.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق