يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرض هذا الكتاب، نماذج لنجاح بعض الدول في تحقيق النمو الاقتصادي بعيداً عن تبني وصفات العولمة وأبرزها النموذجان الصيني والهندي هذا بالإضافة إلى قصص نجاح أخرى سجلت في كل من ماليزيا والبرازيل.

وتظهر هذه الأمثلة أن الدول القومية تولي مصالحها الوطنية وشؤونها الخاصة أولوية على الشؤون الدولية، ولكن المؤلف يرى أن هناك نوعين من النزعات القومية في العالم: قومية إيجابية وأخرى سلبية، الأولى تدفع باتجاه التنمية والتقدم بينما تدفع الأخرى باتجاه الحروب والعدوان. وإذا كانت بعض الدول قد تجاهلت توصيات العولمة واستطاعت أن تحقق النجاح، فإن القوة العظمى الوحيدة في العالم قد أعلنت وفاة العولمة على لسان وزير خارجيتها السابق كولن باول قبيل الحرب على العراق عندما أشار إلى استعداد أميركا للعمل منفردة ضد صدام حسين. تثير التجربة التي تشهدها الهند والصين اهتمام مؤلف الكتاب الذي يرى أيضاً أن التجربتين تثبتان أن العولمة قد لا تواجه مشكلة فها هما دولتان كبيرتان ناميتان ـ إحداهما اشتراكية وبيروقراطية، والأخرى شيوعية ـ تعتنقان نظريات التجارة والاقتصادات الليبرالية، وفوق ذلك تحققان نجاحاً يدعو إلى السعادة إلى درجة أن صادراتهما تحقق ازدهاراً مدوياً، وتفيض فيهما وظائف التقنية العالية، ويتقلص لديهما مستوى الفقر، وتنمو الطبقة المتوسطة. وقد صمدت الهند والصين في وجه أزمة آسيا عام 1997 لأنهما كانتا تسيطران على رأس المال والحدود الأخرى للتحركات والاستثمارات. واستطاعتا بشكل عام النجاح في التحديث الاقتصادي عن طريق عدم اتباع مبادئ العولمة الاقتصادية. ومهما كانت إصلاحات السوق فقد أجريت في إطار مصالح الدولة القومية وتمت عملية التحديث في الدولتين من خلال وجهة النظر القومية. ومازالت الحكومة الصينية تسيطر على نصف الأصول الاقتصادية في بلادها، ومازالت الهند تقوم بذلك أيضاً على نطاق واسع وإن كان أقل من الصين.

والفكرة المسيطرة على الصينيين تتلخص في رفض التجارة الحرة والأسواق الحرة، وهم يتعاملون مع الفقر الداخلي في وطنهم الذي يعتبرونه قنبلة سياسية موقوتة فضلاً عن وجود أخطر صناعة تعدين في العالم وخاصة مع وفاة نحو خمسة آلاف شخص في حوادث المناجم سنوياً، وهذه كلها تحديات حقيقية في وجه اقتصاد ضخم ومتناقض، وفي مثل هذه الأحوال تعتبر نظريات العولمة أمرا سخيفا. ولدى الهند أيضا نفس دواعي التوتر والتعقيد مع وجود قنبلة زمنية مشابهة هي الفقر. وتعتبر وجهة نظر الصين الاقتصادية مرنة فهي عملية وأيديولوجية في نفس الوقت.

أما الهند فهي مدفوعة بالمسألة الوطنية المركزية كما يتضح مما قاله رئيس وزراء الهند ذات يوم: «النمو الاقتصادي ليس هدفا في حد ذاته، ولكنه وسيلة للتوظيف والقضاء على الفقر والجوع والافتقار إلى المسكن، وتحسين ظروف حياة معظم أبناء شعبنا. والهدف هو المساواة والعدالة الاجتماعية». ويشير مؤلف الكتاب إلى أن منهج كل من هاتين الدولتين هو نتاج حضارتين ذواتي تجربة عريضة. فالهند ليست من اختراع الإمبراطورية البريطانية كما يحلو لبعض البريطانيين أن يزعموا.وقد شهد القرن السادس عشر اثنين من الأباطرة المنغوليين هما بابور وأكبر اللذين حكما وأدارا نظامين متقدمين للتعامل مع الإنتاجية وسياسات تسعير البضائع وتوازن النظم الضريبية، وذلك قبل أن تعرفها بريطانيا. وتُظهر ثقافة الهند الغنية كيف استطاعت تلك الدولة مقاومة الضغوط الهادفة إلى فرض الأساليب الغربية بعد استقلالها في عام 1947. وقد كتب ناتوار سينغ قبل أن يتولى وزارة الخارجية الهندية في عام 2004.. يقول:

«لم تشترك الهند إطلاقا في دعاوى الحرب الباردة ولم تهتم بنظرية توازن القوى أو نظرية الدومينو التي أصبحت جزءا من الدبلوماسية الأميركية في ستينات وسبعينات القرن العشرين. ولم نؤمن إطلاقا بمناطق النفوذ، ولا أيدنا أي مفهوم آخر مما كان يعتز به المثقفون والمفكرون الأوروبيون والأميركيون». وكانت الصين تجري تجاربها بمفاهيمها الخاصة في أسواقها قبل أن يعرف الأوروبيون أن هناك شيئا جديرا بالتجربة.

وبعد أن يستعرض المؤلف قدرات كل من الدولتين يقول إن واحدة من التحولات الكوميدية التي بدأت تنمو في بداية القرن الحادي والعشرين هي حالة الذعر التي انتابت قادة السوق الغربية من قدرة الصين والهند أيضا على شراء جانب كبير من الصناعة الغربية بينما يتم تصوير نجمتي آسيا الكبيرتين:

الصين والهند، في الغرب باعتبارهما منافستين، ولكنهما من وجهة النظر الآسيوية تبنيان علاقة اقتصادية مركبة تستند إلى تدفق رأس المال بحجم كبير ومتعادل نسبيا. وتتنامى التجارة المتبادلة بينهما حتى أن الصين الآن تعتبر بالنسبة للهند ثاني أكبر الشركاء التجاريين. ويرى مؤلف الكتاب أن الأكثر أهمية هو أن تلك العلاقة تقوم دون الرجوع إلى المفاهيم الغربية، وفي إطار آسيوي إقليمي.

أما تصور الغرب أن يتغلب في المنافسة على الدولتين، فهو من قبيل الأماني لا أكثر. وهناك عنصر آخر أبعد إذ تقوم علاقات الصين المتزايدة مع دول مثل البرازيل على أساس أكثر من الاقتصاديات، لأن تلك الدول تقوم معا بتحديد مفهومها للعالم على أساس يختلف عن المنظور الاقتصادي الغربي. وفي الأيام الأولى للعولمة، وفي أول منشورات منتدى دافوس، أعلن أن «القومية لا يمكن الدفاع عنها من الناحية الاقتصادية»، واليوم تبدو دولتان من نوع جديد من قيادات العولمة وهما تتمتعان بالقوة والقومية الكلاسيكية.

إلى أين من هنا؟

يحمل الفصل الرابع والأخير من كتاب جون رالستون سول عنوانا في صيغة سؤال يقول: «إلى أين نحن ذاهبون الآن؟» ثم يمهد المؤلف لإجابته التي تستغرق عشرات الصفحات بقوله إن من الصعب على أي مجتمع ينزلق إلى حالة فراغ أن يعترف بأنه لم يعد يتقدم نحو أي اتجاه محدد.

وتبدو الصعوبة بوجه خاص عند الأفراد الذين يمسكون بمقاليد السلطة ومن ثم فإنهم يشحذون لغتهم، وصورتهم الذاتية عن أنفسهم، وحتى مهاراتهم، لكي تتناسب مع ادعاء وجود اتجاه لم يعد سائدا. ومن العلامات الدالة على القادة أصحاب المقدرة الضئيلة اعتقادهم بأن الأمور سوف تستمر على ما هي عليه لأنهم بذلك يعوضون افتقارهم إلى الموهبة أو الركيزة الأخلاقية، أو الذكاء، أو الشجاعة، فضلا عن اقتناعهم بفاعلية قوى الحتمية.

وقد يصور بعضهم هذه القوى على أنها مقدسة أو يجب معاملتها على أنها أمر إلهي، أو أنها عقلانية مثلا، أو تكنولوجية، أو قوى السوق. ولما كان الإنسان يتصرف من خلال العادة المنتظمة وخاصة بالنسبة للغة، فإنه يصعب علينا تغييرها، وتصبح الثروة اللفظية والعبارات والحجج مثل السجون وتستطيع منعنا من الانتقال إلى مرحلة تالية يسميها الفيلسوف ريتشارد رورتي:

«اكتساب عادات الفعل من أجل التأقلم مع الواقع، فكيف نستطيع أن نوفق أفعالنا مع الواقع إذا لم نكن نستطيع تبين مدى الخلط المتعمد في لغة العولمة مع الليبرالية الجديدة؟ هناك عدد كبير من المصلحين الذين يريدون منح العولمة طابعا إنسانيا، ولكن كيف يمكن ذلك إذا كانت الأيديولوجية العولمية مبنية في جزء منها على افتراضات مثل تقليص دور الحكومة إلى الحد الأقصى، ومنع فرض سياسات غير اقتصادية على الاقتصاد أو إضعاف المنافسة على أساس الحجم، وإغماض العين عن تجنب الضرائب، وتقوية سلطة تكنوقراطية القطاع الخاص على المبادرين بالمخاطرة؟

هذه المتناقضات الداخلية، إضافة إلى عشرات غيرها، تنشر جوا من الفوضى المعتادة في هذا النوع من الفراغ. ويتمثل الخطر في مثل هذا الموقف في أن الناس تبدأ البحث عن وسائل مثيرة للخروج من الفوضى. وتشتمل الأدوات المعتادة للإثارة العامة على إدعاء الشعبية الزائفة، والحرب، وتشجيع الفصل بين الحضارات، والنزعة العنصرية، والتمسح بالمعتقدات الدينية لتبرير التصرفات.

وكان هنري كيسنجر قد حذر منذ ثلاثين عاما مضت أثناء حالة الفراغ السابقة بقوله: «إن الخطر الأكبر من مثل حالات الفوضى هذه هو القضاء على ثقة الناس في مستقبل مجتمعهم وما يترتب على ذلك من فقدان الإيمان بالوسائل الديمقراطية والمؤسسات الحكومية والزعماء. وفقدان الثقة هو الذي يشجع على ظهور الشعبية الزائفة والنزوع إلى الحرب والانقسامات بين الحضارات والعنصرية وسوء استغلال الدين. ويمكن تلخيص كل ذلك بأنه بروز الشعور بالخوف أو كما يسميه الأديب الشهير ألبير كامو: «تقنية الخوف».

وقد أطلق العقال لتقنية الخوف تلك في عروق الناس قبل الحادي عشر من سبتمبر، ومثال ذلك الإنفاق العسكري والضغوط لزيادة هذا الإنفاق. ويعود إقحام الدين في السياسات الرسمية إلى الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش، ولكن كان بيل كلينتون قد مهد الطريق بدفع موجات جديدة من المسيحية في نظام حكمه، يضاف إلى ذلك تزايد قوة الحركات المعادية للهجرة في أوروبا.

غير أن وصف العالم، وكيف يعمل وأين، تغير بشدة بعد هجمات نيويورك. وفجأة، وعن وعي كامل، تقهقرت الاقتصاديات والعولمة إلى المقاعد الخلفية، وعندما تولت هولندا رئاسة الاتحاد الأوروبي في عام 2004 قال رئيس وزرائها يان بيتر: «أكبر القضايا العالمية في زمننا هي القضاء على الإرهاب، ودعم حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر». وقد أعلنت نهاية العولمة في منتدى دافوس عام 2003 الذي أوضح صورة عالم ما بعد العولمة.

ففي الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه مهاتير محمد شجب بشدة السياسات العولمية والاقتصادية وتباهى بنجاح ماليزيا في اتباع نموذج وطني منظم ولقي خطاب رئيس الوزراء الماليزي ترحيبا حارا. وكانت الرسالة التي تلقاها الحاضرون مباشرة وواضحة ومؤداها أن دولة قومية متوسطة الحجم لديها القوة لصياغة نماذجها الاقتصادية الخاصة على أساس احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية بشرط أن تفعل ذلك بذكاء. وكان هناك اعتراف صامت من المستمعين للخطاب بأن نظريات العولمة لم تعد حقائق مطلقة أو حتمية.

وبعد أيام قليلة لقي لويس إناسيو لولا داسيلفا رئيس البرازيل الجديد ترحيبا مماثلا وتلخصت رسالته في قيام نوع جديد من الدول القومية القائمة على الشعبية. ومرة أخرى كان هذا رفضا لتلقي حكمة العولمة. ومرة ثانية تمحور خطابه حول وضع سياسات خاصة لتلبية احتياجات معينة. وبعد لولا مباشرة جاء كولين باول وزير الخارجية الأميركية آنذاك في آخر مراحل المناورات الأميركية المعقدة قبل غزو العراق لبناء تحالف. وفي جملة واحدة أعلن باول وفاة العولمة بقوله:

«سوف نعمل حتى ولو كان الآخرون غير مستعدين للانضمام إلينا». ويحلل مؤلف الكتاب تلك العبارة بقوله إن معناها أن الدولة الديمقراطية الحديثة تعلن أن الدولة القومية هي التي تحكم لا الاقتصاد، وقد أعلن باول أن الولايات المتحدة سوف تتصرف وحدها (بغزو العراق في هذه الحالة) وفقا لفهمها القومي لمصالحها القومية.

وبحديثه هذا باسم أقوى دولة في العالم يؤكد باول رسالة مؤداها أن للدول الأخرى حرية التصرف على هواها إذا أرادت. وفي رأي المؤلف أن كلا من باول ولولا ومهاتير قالوا نفس الأشياء بالضبط وهي أن الدول القومية، والمصلحة الوطنية، والشأن الخاص على عكس الشأن العولمي، قد عادت جميعها إلى الوجود باعتبارها المنظور الذي يمارس من خلاله العمل الدولي.

استراتيجية غامضة

لقد اقترنت فوضى أوروبا بمثلها في الولايات المتحدة. وأصبح من المقرر الحديث عن إمبراطورية في الدوائر الحكومية في واشنطن ولكن الغرض من تلك الإمبراطورية كان غامضا جدا أو بمعنى آخر كانت التكتيكات واضحة والاستراتيجية غامضة. مثل ذلك أنه في مطلع القرن الجديد كان لأميركا 725 منشأة عسكرية خارج الولايات المتحدة. وقد يكون الهدف واضحا من الوهلة الأولى عندما انتشرت القوات الأميركية على نطاق واسع لتكون واشنطن حاضرة عند الضرورة، أما أن تنتشر القوات حول الكون على منوال البحرية الامبراطورية البريطانية القديمة فهذا يضعها في حالة جمود وفي موقف دفاعي شديد الغموض من دون هدف واضح.

ولقد كانت التكتيكات العسكرية البريطانية القديمة مرتبطة بالمستعمرات، وبقدرة خفيفة ومرنة على توجيه ضرباتها فيما كان يسمى دائما دبلوماسية البوارج مع وجود سياسة صناعية وتجارية دولية واضحة إذ كانت المستعمرات توفر المواد الخام للصناعة البريطانية. ومن الواضح أن الوضع يختلف بالنسبة للولايات المتحدة نظرا لوجود خلط نظري عميق بين تحالفها مع الشركات المتجاوزة للقوميات التي قد تخدم المصالح الأميركية، أو لا تخدمها، وبين الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد الأميركي الداخلي.

ويسود الآن توهم مؤداه أن وجود واشنطن العسكري حول العالم يرتبط إلى حد ما بيوم 11 سبتمبر، ولكن ذلك الوجود كان قائما قبل تلك الهجمات بوقت طويل كما اتسم المسرح الدولي بالعنف في السنوات الاثنتي عشرة بين سقوط الستار الحديدي وبين 11 سبتمبر. وتوازى مع ذلك قرار الولايات المتحدة الغريب بتخفيض قيمة الدولار الأميركي في عام 2004.

وعلى الفور بدأ الأوروبيون وغيرهم في الشكوى وفي التأكيد على أنهم لن يتحملوا العجز الأميركي من خلال أسواق النقد الأجنبي. وفي نفس الوقت بدا أن العالم ينزلق نحو تجمعات قومية وإقليمية بينما لم تهيأ الامبراطورية الأميركية للتعامل مع أي من هذه الجماعات. ويستشهد مؤلف الكتاب برأي الكاتب الأميركي مايكل ليند الذي يقول: «صحيح أن عالما جديدا بدأ في الظهور.

ولكن هندسته المعمارية تم إعدادها في آسيا وأوروبا في اجتماعات لم يُدع إليها الأميركيون » ويقول جون رالستون معقبا على ذلك إن الامبراطورية ليست دولية أبدا فهي على الدوام امتداد لقومية القلب أي الدولة ـ النواة ـ وقد يكون في استطاعة نظام واشنطن ممارسة نفوذه في كل مكان باندفاعه الشديد، ولكنه في الأغلب عاجز عن إدارة مواقف إقليمية على أساس مؤسسي ولزمن أبعد.

وعندما يتعرض الكاتب للنزعات القومية في العالم نجده يتحدث عن نوعين هما: القومية السلبية، والقومية الإيجابية. ويرى أن هناك أسبابا ثلاثة تمثل جذور السلبية وهي انعدام الشعور بالأمان، والفقر، والطموح، ولكننا نجد أنه يضيف سببا رابعا بعد ذلك مثل العنصرية ثم يذكرنا بالفاشية والنازية والنازية الجديدة. وفي نهاية استعراضه لما يجري في أنحاء العالم المختلفة يلقي باللوم على الدول الغربية لجهلها الشديد بالحضارة الإسلامية حتى أن المسلمين يتعرضون يوميا لهذا الجهل الفاضح من معظم دول الغرب.

ويذكر المؤلف أنه كلما ذهب إلى إحدى الجامعات وناقش أي برنامج عريض يتناول العلوم الإنسانية، كان يسأل الأساتذة عما يعلّمونه للطلاب عن الإسلام خارج نطاق النصوص الإغريقية ـ الرومانية ـ اليهودية ـ المسيحية الغربية. وكانت الإجابة التي يتلقاها المؤلف دائما هي: «لا شيء»، ولكن كان هناك بعض ردود الفعل لأزمة الفهم هذه. ويختتم حديثه قائلا: في عالم التعلّم واسع النطاق لم أجد أي تحرك نحو محاولة فهم هذه الديانة الأخرى وتلك الثقافة الأخرى.

تطبيع الحرب

في الصفحات النهائية للكتاب يتعرض مؤلفه لما يسميه «تطبيع الحرب غير النظامية» بالقول إن الاحتمال المستمر للحرب يتواجد بين النزعة القومية السلبية والأخرى الإيجابية. والسؤال الذي ينبغي طرحه هذه الأيام شديد البساطة وهو: هل نحن حقيقة في حالة حرب؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل حددنا طبيعة الصراع بشكل صحيح؟ وما هو هدف الحرب؟ ولابد أن الإجابات سوف تخبرنا بما إذا كانت الحرب قد وقعت فعلا وهل هي نتيجة لفشل العولمة أو للفوضى الناشئة عن حالة الفراغ الممتدة أو كليهما.

ومن النادر اليوم أن يعرف الناس في الغرب ما إذا كانوا في حالة حرب لأن تصورهم لفكرة الصراع الجدي وكيف يبدو لم تتحرك بعيدا عن عام 1945. ومن ناحية أخرى نجد أن الصراع تطور منذ الأيام المبكرة للامبراطوريات الغربية، وإذا نظرت إلى ما بعدها فسوف تعرف أن أهمية الحرب غير النظامية اليوم ليست طارئة أو بمحض الصدفة، وأن التطور الشامل للصراع على مدى قرنين ظل يتحرك نحو فوضى الوقت الحاضر.

وعلى المستوى المرئي توجهت جيوش رسمية كبيرة نحو الصدام حتى تحسم مسألة قوتها، ولكن في داخل تلك القوات يكون المنتصر هو الذي تصرف بأسلوب مرن وغير نظامي أحيانا. وإذا نحينا الجيوش الرسمية جانبا نجد توسعا كبيرا حقيقيا في دور الحرب غير النظامية نفسها لأن الجيوش الكبيرة أصبحت غير قابلة للهزيمة في المعارك المفتوحة بسبب معداتها القوية.

ولذلك لا يجد الجيش الأصغر، أو الصغير جدا، أو الفقير للغاية، من وسيلة إلا أن يختفي في الظل لكي يوجه ضربته بأسلوب مفاجئ وغير نظامي وقد يتطلب هذا الأسلوب تجاهل مسائل أخلاقية مهمة ولكن تاريخ الحروب حافل بالجيوش الرسمية التي ترتكب الأخطاء نفسها. والمهم هو أن السلوك اللاأخلاقي خاطئ في جميع أساليب الحرب.

وإذا تناولت موضوع الحرب غير النظامية على أنها غير أخلاقية فكأنك تحرم نفسك من القدرة على التعامل معها. وقد لقي عدد كبير من الضحايا مصرعهم في حروب غير نظامية أو نتيجة لها لا في معارك رسمية. وكان هذا هو الحال بالنسبة لمصرع 40 مليون شخص منذ عام 1945 بمن فيهم 22 مليون منذ عام 1970. ويعود جون رالستون إلى سؤاله: هل نحن في حرب؟! ويجيب على الفور: نعم ولكن ذلك لا يعني وجود عدو بعينه.

وكما قال جاك سترو وزير الخارجية البريطاني هناك عشر حروب من بين 120 حربا نشبت بين دول في تسعينات القرن الماضي. ويضيف المؤلف بعض مناطق الصراع حيث توجد نفس الظاهرة مثل سريلانكا والهند ونيبال والمكسيك وجزء كبير من أميركا اللاتينية والشيشان وغيرها وهناك بعض أمثلة إسلامية ولكنها لا تمثل الجماعة السائدة. وكل هذه الأمثلة لا تشكل نمطا واحدا باستثناء الميل إلى حرب الخارجيين ضد أبناء البلد ولكن ذلك لا يعني أن جميع الخارجيين يعانون أو أنهم شرفاء فبعضهم وحوش وقضاياهم وحشية، وآخرون محسوبون على الأقليات.

وهم يشعرون بأن الحرب غير النظامية هي آليتهم العامة الوحيدة الممكنة، ولكن آخرين يقفون بين بين. وفي بعض الحالات تكون القضية جيدة ولكن الزعماء استغلاليون. ويعود المؤلف فيطرح سؤالا آخر: ما الذي يجمع بين هؤلاء جميعا؟ وفي رأيه أن من المحتمل أن يكون الأسلوب المنهجي هو الجامع بينهم. ومن خارج الغرب قد يمكنك القول إن ذلك النمط هو رد الفعل المنتشر إزاء قوة راسخة ـ فما هي تلك القوة؟

ربما تكون امتداد المصالح الغربية التي أعيد تشكيلها بعد انهيار الامبراطوريات الغربية لتتحول إلى نظريات مجردة للإدارة والنمو والاقتصاديات. ويتمثل نمط القوة في هذه الحالة في قدرة الغرب على الاحتفاظ بنفوذه عن طريق عرض أسلوب حياة والمنهج الكامل الذي يحتاجه لدعمه. على أي حال يبدي الكاتب دهشته من أن أكبر مفاجأة هي الصعوبة التي تواجهها المؤسسات العسكرية الغربية لتتواءم مع الاتجاه الجديد الواضح نحو تطبيع الحرب غير النظامية.

وتصر تلك المؤسسات على استخدام جميع معداتها الآلية لكي تقتحم الدول وتهزم الأعداء الذين لا يستطيعون إطلاق طائرة مقاتلة في الهواء. وبمجرد انتهاء الحرب السهلة تظهر القوى غير النظامية بطريقة خفية، وعندئذ تبدأ الحرب الحقيقية.. الحرب غير النظامية. ويتلخص هدف هذا النوع من الحروب في تقويض توازن العدو مما يجعله يرتكب حماقات وبذلك يكتسب مزيدا من الأعداء ومن ثم يقوم هو نفسه بخلخلة نظامه. وقد سخر مهاتير محمد من وقوع الغرب بسذاجة في هذا الفخ إذ يقول:

«نحن نعيش الآن في خوف.. وكل واحد منا يشعر بذلك. فنحن نخشى الإرهابيين، والإرهابيون ومؤيدوهم، أو مؤيدوهم المزعومون، يخافوننا. ونحن نخشى الطيران، ونخاف السفر إلى دول معينة، ونخاف من النوادي الليلية والخطابات والطرود والحاويات. ونخاف البودرة البيضاء والأحذية، والمسلمين، والمطاوي وأدوات المائدة المعدنية.. الخ. وهم ـ الجانب الآخر ـ يخافون من العقوبات والموت جوعا ونقص الدواء. ويخافون الغزو العسكري وقصفهم بالقنابل والصواريخ ووقوعهم في الأسر والاعتقال».

المشكلة تكمن في عجز الدول الديمقراطية الصناعية عن تخيل هذا النوع الآخر من الحرب غير النظامية. وقد ظلت حكومات غربية كثيرة تشن الحرب على المخدرات، ولم يكن لأي من حملاتها أي تأثير لأن عمليات تهريب المخدرات تستخدم نفس مبادئ الحرب غير النظامية وليست لديها بنى حقيقية لمهاجمتها.

وقد تقضي عاما بأكمله لاكتشاف كيفية العثور على خلية تهريب وتدميرها، ولكن يمكن أن تعاود بناء نفسها في يوم واحد. والآن أعلنت الحكومات الغربية الحرب على الإرهاب بدلا من مهربي المخدرات فاهتز الإرهابيون فرحا فهذا ما يريدونه بالضبط وهو جر منظمات كبيرة إلى التعامل معهم وكأنهم مهمون جدا.

وبعبارة أخرى يصعب جدا تقصي هدف مثل هذه الحروب ويتضح ذلك من الحرب البريطانية ضد المهدي الزعيم السوداني، والتي بدأت برغبة بريطانيا في الإطاحة بنظام الحكم في مصر والسودان عام 1874. وأدت هذه الحرب إلى بروز زعيم روحي لحرب العصابات هو المهدي الذي قاد ثورة ناجحة عام 1884 واستولى على مدينة الخرطوم في العام التالي وقتل الجنرال الانجليزي الشهير غوردون.

وشعر البريطانيون بأنهم عاجزون عن الاستسلام بعد أن اهتزت مكانتهم. واستمر الحال حتى 1898 ومعركة أم درمان التي تضمنت هجوما قام به سلاح الفرسان الشهير الذي ضم شابا بريطانيا نال شهرة واسعة بعد ذلك وهو ونستون تشرشل. ولكن كانت النتيجة في السودان عكس جميع التوقعات فلم تكن معركة أم درمان هي النهاية، بل أصبحت بداية التهاب شعور قومي عربي وإسلامي.

ويختتم المؤلف حديثه عن الحروب غير النظامية برأيه القائل بأن ظهور هذه الحروب واعتبارها سمة سائدة في عصرنا دليل واضح على أن فكرة العولمة لم تحقق النجاح. وبعد سنوات قليلة من الأحزان بدأ الآن الأذكياء من المؤمنين بالعولمة في تركيز اهتمامهم على الفقراء الذين تجاوز عددهم المليار معدم، وعلى المشاكل التي تحتاج إلى علاج حتى لا ينزلق العالم مرة أخرى إلى الانغلاق ومن ثم إلى المزيد من الحروب.

عرض ومناقشة: صلاح عويس