يواصل مؤلف الكتاب حديثه عن العولمة بايجابياتها وسلبياتها ليقول لنا إن تأسيس منظمة التجارة العالمية مثل ذروة نجاح العولمة، ولكن هذا النجاح يقابله فشل في نواح أخرى، فقد أخفقت حركة التجارة الحرة في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي يلمسه المواطن العادي، كما أن وصفات العولمة المتعلقة بالخصخصة لم تؤد إلى تحقيق طفرة اقتصادية في البلدان التي اتبعتها بل على العكس أدت إلى تبخر أموال الخصخصة من دون أن تترك أثراً إيجابياً على الاقتصاد. وهذا الوضع دفع بشخص مثل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى الاعتراف بأن العولمة أدت إلى ظهور معدلات بطالة أعلى وأجور أقل، كما ازدادت الفجوة بين دخول الأثرياء والفقراء اتساعاً بشكل لم يسبق له مثيل.
في عام 1995 بلغت العولمة ذروتها بإنشاء منظمة التجارة العالمية، أما الانتصار الثاني فهو احتواء المنظمة حقوق الملكية الفكرية ضمن مسؤولياتها وأصبحت براءات الاختراع وحقوق التأليف تعامل باعتبارها بندا من البنود التجارية. وكان هذا الإلحاق قد تم عبر الاتفاقية المسماة «تريبس» وهي اختصار بالحروف الأولى لعبارة طويلة معناها أوجه حقوق الملكية الفكرية ذات العلاقة بالتجارة. ويرى مؤلف الكتاب أن إدراج تلك الاتفاقية كان بمثابة تأكيد لفكرة أن الشركات المتجاوزة للقوميات هي دول فعلية. ومن شأن ذلك كله إقناع الدول الأصغر والأكثر فقرا بأن من الممكن استخدام منظمة التجارة العالمية لتقديم مميزات غربية غير عادلة، مهما بلغت قوة تلك الدول. وقبل ذلك بأشهر قليلة، في أواخر عام 1994، وبناء على «تقرير المنافسة العالمية»، ذاع صيت المكسيك باعتبارها أكثر قصص النجاح الاقتصادي إثارة للإعجاب. وهكذا أصبح هناك دليل على أن اقتصادا ناميا استطاع انتزاع نفسه من أزمة قديمة الطراز واتباع المسار الجديد. وفضلا عن ذلك كان الذين قدموا النصائح للرئيس المكسيكي شبانا وشابات هم جميعا نتاج أفضل الجامعات الغربية والخبراء في كل من الإدارة الحديثة والاقتصاديات المعولمة الجديدة. وفي نفس ذلك الوقت بلغت معونات التنمية الدولية رقما ضخما هو 5 .61 مليار دولار. وفي هذه الأجواء المتفائلة بدأت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المفاوضات لإبرام اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف. وقد ذكرت مجلة «إيكونوميست» آنذاك أن المفاوضين كانوا يشيعون التفاؤل بأنهم سوف يتمكنون خلال ثلاث سنوات، من إرساء منظومة قواعد تتعلق بالعولمة قد تغلق الباب على الليبرالية. وكانت تلك الاتفاقية المرحلة الثانية لتقدم العولمة بعد منظمة التجارة العالمية.
أزمة التكيلا... يقول جون رالستون إن هذا العالم غريب حقا وينتابه ميل الى التوجه نحو اتجاهات متعارضة في وقت واحد، فبعد مضي ثلاثة أشهر من ذيوع صيت المكسيك كنموذج اقتصادي انهار اقتصادها وأطلق على ذلك اسم «أزمة التكيلا».وقال البعض إنهم لم يروا مثل تلك الأزمة منذ ثلاثينات القرن العشرين. وفي نفس الوقت بدأت أسعار السلع في الانهيار واستمرت في ذلك وبلغت أسعار البن 32% من قيمتها في عام 1995، والقطن 50% وفي الوقت ذاته بدأت معونات التنمية في الهبوط، وبحلول عام 2000 انخفضت بنسبة 25%. وفي العالم الغربي حملت كل دراسة جديدة أنباء سيئة. غير أن أكثر مؤشرات العولمة تدميرا تمثل في اتفاقية دايتون للسلام في عام 1995 التي وضعت أخيرا نهاية للحرب الأهلية البشعة في البوسنة، ولكن النموذج الضمني لاتفاق السلام اقتبس من الزعماء المحليين المتشددين، ولذلك فإن التفاصيل المؤلفة للفصل العنصري الذي خلفته الحرب اكتسبت صفة رسمية على نطاق واسع. وظل الحال كذلك حتى عام 2002 عندما ألغيت تلك القاعدة العنصرية. غير أن المسألة كانت أبعد من ذلك فقد رأى الغرب أنه ملزم بممارسة ذلك النوع من العنصرية التي سبق له أن حاربها في الحرب العالمية الثانية، إذ كانت دول الغرب قد شنت حملة عالمية تزعم فيها أن الاقتصاديات يمكن أن تصلح أمورنا وأن النزعة القومية سوف تزول، وسارت تلك الدول على ذلك المنوال بالنسبة لدولة جديدة ولكن في داخل العالم الغربي نفسه أي في البوسنة صغيرة الحجم والتي يبلغ سكانها أربعة ملايين نسمة.
ومع ذلك فإن الغرب واسع الثراء وصاحب قوة عسكرية غير مسبوقة والذي يضم 350 مليون نسمة في أوروبا ومثلهم في أميركا الشمالية، تصرف وكأنه عاجز لا يملك القوة ليفعل أكثر مما فعله، وأصبح ذلك الموقف العاجز مهانة أخلاقية لأولئك الذين قالوا انهم يؤمنون بعالم منفتح جديد.
وفي تلك السنة ذاتها ذهب إلى لندن إدوارد شيفرنادزه وزير الخارجية السوفييتي السابق في عهد ميخائيل غورباتشوف، ورئيس جورجيا فيما بعد. وأثناء وجوده في العاصمة البريطانية وجه تحذيرا واتهاما للغرب قائلا: «لقد أنفقت مبالغ هائلة من المال لإنهاء الحرب الباردة، ولم تخصص أية مبالغ مماثلة للمساعدة في بناء الديمقراطية.. وليست لدينا انتصارات للديمقراطية الغربية.. والنظم التي لديها ميول فاشستية واضحة تهدد بمعركة نووية فاصلة».
وفي الفترة السابقة لاتفاقية دايتون مباشرة ارتكبت جريمة إبادة جماعية في رواندا قتل فيها ما بين نصف مليون الى مليون شخص. ولم يتحرك العالم المتقدم. وقال الجنرال روميو دالير، الضابط الكندي الذي أرسلته الأمم المتحدة على رأس قوة صغيرة، إنه يعتبر ذلك الامتناع عن اتخاذ أي إجراء تصرفا عنصريا صرفا وخاصة التلكؤ في مجلس الأمن. ويذكر مؤلف الكتاب أننا نعيش في عالم الإحصائيات، وقياس النمو، والإنتاجية ودرجة الارتفاع، وأطوال الأعمار، وأسواق المال من جميع زواياها، وزيادة السمنة، وحالات الطلاق، وأنواع الخضراوات.. الخ.
ومع ذلك لم يكن أحد يعلم - أو يهتم بأن يعلم - إذا كان نصف مليون إنسان قد ذبحوا في رواندا. وتدفقت المذابح الى الكونغو ولقي 7,4 ملايين شخص مصرعهم ما بين عامي 1998 و2003.. أم أن العدد كان 4,3 ملايين أو 6,5 ملايين؟ وأين كانت جميع قوى الحتمية الاقتصادية القوية أثناء تلك المآسي؟ وأين كانت القيادة الغربية؟ يجيب المؤلف بقوله إنهم كانوا مشغولين في الحديث بثقة عن العولمة بينما تتبدد أجزاء كبيرة من العالم تبددا سياسيا متصاعدا حافلا بمستويات مرعبة من العنف الوطني.
فشل الديمقراطيات
القسم الرابع من الكتاب يعنونه المؤلف بكلمة واحدة هي: «السقوط» ويؤكد فيه أن السنوات الست التالية لعام 1995 شهدت انطباعا واسعا بأن حقائق العولمة العظمى لم تكن حقيقية. وفي وقت مبكر من القرن الحادي والعشرين بدأ الناس يركزون اهتمامهم على العدد المتزايد من حالات فشل الديمقراطيات، وفي الحقيقة، فشل الدول.
ومن الصعب ربط مشاكل بهذا الاتساع بأسباب بعينها، ولكن كما نرى هناك تعارضا أساسيا بين وعدين من حركة العولمة: أولا التبشير بانهيار قوة الدولة القومية، ويترافق مع ذلك نمو عدد الدول الديمقراطية وحيويتها المتدفقة، ولكن الديمقراطية، تعبير عن الدولة القومية، وهي تعبير عن دور وقوة المواطنين الفردية داخل تلك الدول، وعن قدرتهم على المساهمة في الخيارات القومية وتحديد توجه الدولة القومية في المسائل الداخلية والخارجية، وتحديد طبيعة الصالح العام، وتنطبق قوة المواطنين مباشرة على هياكل وخيارات دولتهم.
وإذا قام أحد بإضعاف الدولة القومية من خلال فكرة القوى الدولية الحتمية، فلن يملك غير إضعاف الديمقراطية. وقد بدأ السياسيون والموظفون العموميون يلاحظون أن نظريات العولمة بالذات التي ضمنت تحقيق نمو في المجال الصحي وزيادة الثروة، لم تفعل ذلك ببساطة.
ويرى مؤلف الكتاب أن أبسط مثال هو النتيجة التي ترتبت على التوسع في خصخصة مؤسسات الدولة وما سببته من حركة رؤوس الأموال تقدر بتريليونات الدولارات. ولم تنجح بعض الشركات التي خصخصت. ولم تقدم الخصخصة نموذجا للنجاح باستثناء مجموعة صغيرة من المديرين الذين حولوا أنفسهم الى التظاهر بأنهم رأسماليون أثرياء بالإنفاق من رؤوس أموال الشركات الكبيرة. وقد تبخرت المبالغ الضخمة التي تم ضخها في خزائن دول العالم دون أن تترك أثرا يذكر، ولم تحدث طفرة اقتصادية أو تحسن في صحة الاقتصاد العام.
واقتصر الأمر على دفع دفعة واحدة من المال مقابل نقل ملكية كتل ضخمة ذات قيمة طويلة المدى من الثروة العامة. وهذا مثال واضح لأمر شائع في اقتصاديات العولمة الجديدة وهو: تبخر الأموال. وكان ذلك يوصف بأنه ظاهرة تضخمية قبل نصف قرن، ولكنه أصبح نوعا جديدا من التضخم يصعب قياسه.
وقد دخلت كميات ضخمة من النقود الى السوق، وسرعان ما تبخرت بنفس السرعة التي دخلت بها ودون أن تترك أي أثر. وفي أواخر تسعينيات القرن العشرين تقلص هوس الخصخصة بينما بقيت مؤسسات كثيرة للبيع غير أن السياسيين والمسؤولين الحكوميين كانوا قد فقدوا حماسهم للاستمرار في اللعبة. وكان أكبر فشل للعولمة هو الفصل بين التجارة والنمو. ومع أن التجارة أصبحت قلب نظام التعولم.
سمح المؤمنون بالعولمة بإغراق شكوكهم في صمت عنيد بدلا من المناقشة المفتوحة لجوانبها الايجابية والسلبية. ومع ذلك ازدادت الأسئلة المحبطة بوضوح في هذا الصمت ومن بينها السؤال التالي: لماذا لم يسفر التوسع المدهش والمستمر في التجارة عن نمو اقتصادي كبير، ونشر الثراء، وخفض نسبة البطالة؟! وكان المؤلف قد تساءل من قبل عما إذا كانت ظاهرة التجارة بين فروع نفس الشركة العابرة للقارات تعتبر تجارة حقيقية.
وقد تكون حركة العناصر هذه وراء غالبية التجارة العالمية، وإذا لم تعتبر من قبيل التجارة فلا ينبغي أن نتوقع أن يكون لها تأثير التجارة الحقة وربما يكون تأثيرها محايدا أو حتى سلبيا. وإذا لم نطرح السؤال بأمانة فلن نستطيع البدء في فهم الفصل بين التجارة هائلة الحجم والنمو المنكمش. ولا شيء يوجد على السطح ولكن لأهداف خاصة بالأوامر المحلية فإن هذه التحركات داخل الشركات نفسها يقصد بها في العادة أن تبدو وكأنها بضائع تم شراؤها ثم بيعها كما لو كانت مسألة تجارة كلاسيكية.
وفي الواقع يندر إظهار أرباح فعلية في كل مرحلة من مراحل التحرك. وإذا كان لابد من ذلك تلجأ الشركات الى إظهار خسائر لكي تستخدم التحركات الدولية في تجنب الضرائب غير أن غياب الرغبة الأساسية في تحقيق أرباح في كل مرحلة يوحي بأن تلك البضائع ليست بضائع تجارية، إلى جانب أن العملية لا علاقة لها بتنافس السوق.
وتستطيع العملية الداخلية في الشركات الوصول بالأرباح الداخلية النهائية الى أقصى مداها دون أن تلمسها آليات السوق التي تتضمن الضرائب. والعامل الإضافي هنا بفضل الإنتاج بالجملة هو أن معظم الأسواق يتوفر لديها فائض إنتاج ومن هنا تصبح الحاجة الى دعم الأسعار لا الى الاستثمار.
ويتمثل التحدي هنا في وضع استراتيجية لنمو الشركة لا علاقة لها بنمو الاقتصاد خارجها ويقوم جانب من الحل على صب الثروة في عمليات دمج واستحواذ تسمح للشركة بأن تصبح أضخم دون اعتبار لأهداف الاقتصاد. ويرى الاقتصاديان جوناثان نيتران وشمشون بيشلر أن تلك العملية تسمح للشركات الكبيرة بتحقيق أربعة أهداف في وقت واحد هي: تفادي زيادة جديدة في طاقتها الإنتاجية قد تؤدي إلى تدهور الأسعار، وامتلاك سيطرة أكبر على السوق عن طريق خفض المنافسة، وزيادة الأرباح، وخفض حجم المخاطرة عن طريق تضييق الأسواق والمنافسة.
ويعود هذا على الشركات باكتساب نفوذ أعظم - وسلطة أكبر في الحقيقة - داخل هياكل الدولة القومية، مما يمنحها بدوره نفوذا قويا على عملية صياغة القوانين العامة لحماية أوضاعها بخفض المنافسة ويذكرنا المؤلف بأنه سبق أن ضرب مثلا لذلك وهو إقحام الملكية الفكرية (واتفاقية تريبس) تحت مظلة منظمة التجارة العالمية. ويخرج من ذلك كله بنتيجة مؤداها أنه لم تحدث أية زيادات في ثروات المجتمع ولا أية مساهمات في النمو الاجتماعي مثلما زعمت بعض المبررات التي يسوقها مؤيدو العولمة.
تبخر الثروة
لقد زادت عمليات الدمج والاستحواذ المعولمة ووصلت الى 2,1 تريليون دولار في عام 2000 ثم انهارت ببطء ووصلت الى 300 مليون دولار في عام 2001، ثم بدأت في التوسع مرة أخرى. وبحلول عام 2004 وصلت تلك الظاهرة الى 100 مليار دولار في الأسبوع. وقد يجادل البعض قائلا إن تراكم السلطة من خلال الثروة يبين نجاح العولمة وتزايد ضعف الدولة.
ولكن التفسير الأكثر واقعية يوضح أن أي نظام يعمل على تبخر الثروة لكي يعزز السلطة، هو نظام يلجأ الى وسيلة دفاعية تصيب سلطته بالهشاشة. والغريب في أسلوب الدمج والاستحواذ هذا أنه يقوم بالجمع بين التراكم الزائد للسلطة والعمل بنفس القدر على تبخر الثروة الورقية القائمة.
وفي مثل هذا المناخ كانت المسألة مسألة وقت فحسب قبل أن يكتشف المواطنون وحكوماتهم من جديد أنهم أقوى بكثير من الشركات الضخمة لأنهم يستطيعون تشكيل ملامح الأحداث عن طريق فرض السياسة من خلال الاختيار في مواجهة الشركات المتعددة الجنسيات التي تراكم السلطة عن طريق خفض فرص الاختيار. ولقد انتشر الفصل بين المال والنمو في كل منطقة تقريبا، وكذلك انتشرت ظاهرة التبخر المالي الغريبة.
وبينما كانت تسعينيات القرن العشرين تنقضي، ظل بنك التسويات الدولية يحذر من أن «ثورتنا المالية أصبح يرافقها تزايد متصاعد في صفقات مالية دون اكتشاف أي رابط بينها وبين احتياجات الاقتصاد غير المالي. وقد ازدادت صعوبة تقويم الائتمان المباشر والسيولة ومخاطر معدلات الفائدة لدى الجهات المقرضة لأن معظمها لا يدرج في بيان الميزانية.
واستمر ارتفاع كل من معدلات الديون الشخصية وديون الشركات وكأنه لا توجد مستويات محددة لذلك الارتفاع. وبحلول عام 2004 وصل حجم الديون الشخصية البريطانية إلى تريليون جنيه إسترليني. ورغم اعتراض كثير من علماء الاقتصاد استمرت أسواق المال في ابتكار أنواع جديدة من الدين ونظام مخصخص لفرض الضرائب في حقيقة الأمر، وإلا فماذا تكون رسوم البنوك والملكية الفكرية ورسوم الخدمات الأساسية وبطاقات الائتمان، إن لم تكن شبيهة بضرائب القرن الثامن عشر بأسلوب جباة ضريبة الملح آنذاك؟
وفي الوقت الذي يهتم فيه مسؤولو البنوك المركزية بالمستويات النقدية الكلاسيكية يقوم القطاع الخاص بطباعة أية كميات من الأوراق ذات القيمة النقدية التي يريدها لكي يتوسع في مجموعة آليات خاصة من السندات غير الآمنة حتى بطاقات الائتمان.
ولقد اعتاد مجتمع الغرب على التظاهر بأن المضاربة لم تعد لها عواقب على جودة الأحوال الاقتصادية والسياسية، واستمر أعضاؤه يقولون لأنفسهم إن الوسائل الحديثة جعلت المضاربة مفيدة، وفجأة ظهرت الحقيقة وانفجر الغربيون غاضبين حتى أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك قال في عام 1995: «المضاربة إيدز اقتصادياتنا». وينتقل المؤلف الى مظهر آخر من مظاهر فشل العولمة التي تدعو علماء الاقتصاد الى الشك فيها.
ويتصل السبب الجديد بعجز نظرية العولمة عن زيادة ونشر الثروة. ويبدي العديد من كبار رجال الأعمال اقتناعهم بأن ذلك لم يحدث وأن جميع الثروات تتعرض للخطر. وفي عام 1999 ذهب كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك الى دافوس ليبعث من هناك الرسالة التالية: «يعلمنا التاريخ أن اختلال التوازن بين المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا يمكن أن يستمر زمنا طويلا» ويتساءل جون رالستون: «ما هو اختلال التوازن؟» ويجيب بأنه يتلخص في وجود مستويات غير مقبولة من البطالة وانعدام الشعور بالأمان في العمل، وظروف العمل الاستغلالية.
ويعتبر عجز العولمة عن تأمين الوظائف أبرز نواحي الفشل، فقد تميزت فترة العولمة كلها بأعلى نسب البطالة مع تزايد معدلات النمو السكاني، ويستند الكتاب الى الإحصائيات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ عام 1973. ويشير تطور زيادة أعداد العاطلين عن العمل في العالم الى أن العدد الدقيق في الوقت الحاضر يزيد على 35 مليونا أو أربعين مليونا، ولكن الأرجح أن يرتفع العدد الى ما بين 45 و50 مليون عاطل على الأقل في دول المنظمة.
ويلقي البعض باللوم في الغالب على القوانين الأوروبية الصارمة، ولكن المؤلف يرى أن المسألة أكثر تعقيدا مما توحي به مجرد الأرقام الإحصائية، ففي الولايات المتحدة انخفضت الأجور الحقيقية للعمال الذين يتقاضون أجورا منخفضة أصلا خلال ثمانينات القرن الماضي. وفي بداية التسعينيات اعترف الرئيس السابق بيل كلينتون بأن نصف القوى العاملة الأميركية يتقاضى أجورا أدنى من العقد السابق.
ويضيف قائلا: «إن القرية المعولمة التي جهدنا لإقامتها قد أنتجت معدل بطالة أعلى وأجورا أقل لجانب من شعبنا..» ثم تحدث الرئيس الأميركي آنذاك عن «الصعوبة المؤلمة في محاولة الحفاظ على اقتصاد يوفر أجورا أعلى في ظل اقتصاد عولمي ينتقل فيه الإنتاج ويستطيع أن يطير سريعا الى أماكن ذات أجور عمالة ضئيلة».
دور المرأة
يؤكد مؤلف الكتاب وجود تزايد مطرد وثابت في عدم المساواة في كل دولة متقدمة صناعيا، ففي المملكة المتحدة وصلت دخول الأشخاص الأكثر ثراء بالنسبة للأدنى دخلا الى أربعة حتى سبعة أضعاف في التسعينات وازدادت الفجوة بين من يتقاضون أجورا عالية والذين يتقاضون أجورا قليلة ووصلت الى أعلى مستوياتها منذ ثمانينات القرن التاسع عشر.
وفي عام 1995 - وهو عام انتصار منظمة التجارة العالمية - كان هناك 800 مليون ونصف المليون عاطل عن العمل في العالم وفقا لأدنى الوسائل الإحصائية. وذكرت منظمة العمل الدولية أن البطالة وصلت الى أسوأ معدلاتها منذ ثلاثينات القرن العشرين، أما منظمة الصحة العالمية فقد قالت في عام 1995 إن سرعة الانهيار في بعض دول أفريقيا الصحراوية أدهشت مسؤولي المنظمة.
ويطرح المؤلف سؤالا مهما يتصل بالمرأة العاملة ويصف اجتماعات وتصريحات وزراء دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن فشل سياسة التوظيف في دولهم بأنها لا تساوي شيئا وإلا فلماذا لم يتحدث أحد منهم عن تبخر الثروة الجديدة التي جلبتها المرأة إلى الاقتصاد؟!
وتلك هي واحدة من أكثر النتائج إزعاجا في الربع الأخير من القرن الماضي، فقد كانت النساء تقوم تدريجيا باحتلال مساحة في سوق العمل طوال قرن من الزمان بدءا بالمصانع كعمالة رخيصة، ووصولا بعد ذلك الى العمل كمدرسات وممرضات وكتبة الخ. وفجأة تغيرت المساحة بتغير نسبة الوظائف ذات المستوى الأعلى إذ اقتحم نصف السكان جميعا عملية الإبداع والقيادة وعالم المهن والإدارة فضلا عن المساهمات الواضحة داخل الأسرة ونظام رعاية البيت.
وكان من شأن ذلك أن يضخ طاقة عظيمة في عملية بناء ثروة حقيقية. إن اشتراك المرأة الكامل كان - وما يزال - أهم حافز للنمو الحقيقي أكثر من أي تخفيض للتعريفات الجمركية أو تحرير الأسواق من الضوابط والقوانين ذلك لأن دخول المرأة إلى جميع مجالات الأنشطة المختلفة يعني بالفعل مضاعفة قوة العمل وإعادة هيكلة عميقة لطاقة المجتمع وقدرته على الإبداع. ورغم ذلك لم يندفع أحد من المسؤولين الى الاهتمام بهذا الأمر، ومن المؤكد أن الخطأ لم يكن من جانب المرأة.
وإذا أمعنت النظر الى عائلات الطبقة المتوسطة في أواخر ستينات القرن العشرين فسوف تجد أن العائلة قد تمكنت من العيش بشكل مُرضٍ على مرتب واحد، أما الآن فهي تحتاج الى مرتبين اثنين. والثروة الحقيقية التي ساهمت المرأة في صنعها ضاعت بفعل التضخم بينما صنعت كمية كبيرة من الثروة الورقية في مجالات كأسواق المال وعمليات الاندماج. وبعبارة أخرى يمكن القول إن مدخلات النمو الحقيقي لم تنتج نموا بينما نجد أن المدخلات التضخمية أنتجت ثروة مصطنعة وليس نموا. وتستهلك أسرة الطبقة المتوسطة الآن أكثر مما كانت تستهلكه منذ أربعين سنة مضت.
ولكن إذا نظرنا للأمر من خلال التعريف الدقيق للفقر، مثل الحاجة للاختيار بين الضروريات كالطعام والملابس، سنجد أن الدراسات توضح أن الطبقة المتوسطة اليوم لا تكاد تستطيع ذلك، فهل ضياع الثروة الحقيقية التي صنعتها المرأة هو نتيجة لاختصار المفهوم الاجتماعي المركزي وحصره في منطق اقتصادي بحت؟ وهل تفاقم ذلك بسبب غياب التوازن المضاد للمعاهدات الدولية في مجالات هامة مثل نظام فرض الضرائب، وظروف العمل، والالتزامات القانونية العديدة، والبيئة؟
يجيب جون رالستون سول بقوله إن الجواب باختصار هو: نعم، على الأقل في جانب من الأسئلة إذ أن وجود اختلال في توازن الشؤون العامة يولد ردود فعل في مرحلتين: ففي المرحلة الأولى تنشأ مواقف مدمرة، ثم ترتد نيرانها بعد ذلك أو تنفجر بشكل غير متوقع. ثم يشير المؤلف بعد ذلك إلى فشل العولمة في عدم توفير الأمان الوظيفي، ولما كانت بعض نظم الأمان مكلفة بالنسبة للشركات شهدت المراحل الأولى للعولمة حلا ابتكرته السوق وهو استيراد عمالة رخيصة دون توفير عنصر الأمان الوظيفي لها الأمر الذي أدى اليوم إلى بروز مشكلة 17 مليون شخص ممن أطلق عليهم «العمال الضيوف في أوروبا».
أما الحل التالي الذي مازال يعيش بيننا اليوم فهو العودة الى استراتيجية القرن التاسع عشر ومن ثم فإن الهياكل الداخلية المتنامية للشركات المتجاوزة للقوميات وفرت لدول الغرب وسيلة للحصول على عمالة رخيصة في خارج البلاد، ولكن لم تكن المشكلة هي وجود عمالة رخيصة داخل أو خارج الدولة، ولكن المشكلة هي اقتناع السوق بأن على الشركة أن تزيد أرباحها الى حدودها القصوى، وأن تقدم للزبائن أرخص سلع ممكنة مع ذلك.
ولكن هناك افتراض غير معلن مؤداه أن العمال الذين ينتجون السلع والأشخاص الذين يشترونها يستطيعون جميعا العيش على هامش خط الفقر بفضل الأجور المنخفضة والأسعار المنخفضة. وهناك طرفا نقيض في المذهب الاستهلاكي الغربي وهما: سلع رخيصة بلا داع لدعم اقتصاد نام، وسلع غالية بطريقة مصطنعة لتغذية نمو الاقتصاد. ومثل ذلك أن إحدى شركات الأحذية الشهيرة تنتج الحذاء في إندونيسيا بقيمة 6 .1 دولار وتبيعه في مكان آخر مقابل 70 دولارا.
وتعود الحالتان الى العمالة الرخيصة التي لا تتمتع بأي أمان، ويصف المؤلف ذلك بأنه أسلوب غير أخلاقي في استخدام العمال كانت المجتمعات الغربية قد استقرت عليه منذ قرن مضى، فضلا عن أن آليات التسعير الخاصة بالعولمة أدت الى تشغيل الأطفال والعمالة الرخيصة غير المؤمنة. وتقول الإحصائيات إن نصف أطفال الكرة الأرضية ضحايا الفقر والحروب والإيدز.
وقد مات ستة ملايين طفل دون الخامسة في عام 1992 نتيجة الإسهال والالتهاب الرئوي.. فكم نحتاج من الملايين لكي نحكم على العولمة بالفشل؟
إضاءة
لقد زادت عمليات الدمج والاستحواذ المعولمة ووصلت إلى 2 .1 تريليون دولار في عام 2000 ثم انهارت ببطء ووصلت إلى 300 مليون دولار في عام 2001، ثم بدأت في التوسع مرة أخرى. وبحلول عام 2004 وصلت تلك الظاهرة إلى 100 مليار دولار في الأسبوع.
وقد يجادل البعض قائلا إن تراكم السلطة من خلال الثروة يبين نجاح العولمة وتزايد ضعف الدولة، ولكن التفسير الأكثر واقعية يوضح أن أي نظام يعمل على تبخر الثروة لكي يعزز السلطة، هو نظام يلجأ إلى وسيلة دفاعية تصيب سلطته بالهشاشة.
عرض ومناقشة: صلاح عويس


