ينطلق المؤلف، عند هذا المنعطف من كتابه، ليراكم المتغيرات التي يرى فيها مؤشرات دالة، تؤكد أن العولمة أيديولوجية قصيرة العمر، وفي مقدمة هذه المؤشرات ترك العولمة للفقر بلا حلول، وهو ما يدعوه بتطبيع الفقر، لكن هذا المؤشر على أهميته ليس بالمؤشر الأكثر قدرة على الاستقطاب وانتزاع الاهتمام، فهناك التعامل مع مسألة الضرائب ومن ثم مع قيمة العدل، وهناك أيضاً حركة انتقال رؤوس الأموال عبر العالم، لكن المؤلف يحرص قبل طرح هذه المؤشرات على أن يمضي بنا إلى نموذج وحشي حقاً هو النموذج اليوغسلافي الذي اعتمدت العواصم الغربية في مواجهته الألاعيب الصغيرة وتابعت بالكثير من اللامبالاة نهراً من الدم وهو يتدفق هناك، من دون أن تفعل شيئاً إلا العودة إلى ملفات البلقان القديمة.
منذ سبعينات القرن الماضي يستخدم أقوى المدافعين السياسيين عن العولمة أسلوبا ذا قطبين مزدوجين فهم يتحدثون بلا انقطاع عن الاندماج الاقتصادي الدولي، ويضغطون في الوقت نفسه على جميع المحاور القومية القديمة للقرن التاسع عشر لكي يفوزوا في الانتخابات. وكان ذلك واضحا في حالتي رونالد ريغان الرئيس الأميركي الأسبق، ومارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، ولكن يمكنك أن تجد ذلك في حالات أخرى في أي مكان وقد تتخذ أشكالا أكثر أو أقل دهاء وفي إيطاليا برزت ثلاثة أحزاب تعبر عن أعلى نبرة قومية مختلطة بأهم جوانب نظرية التجارة الحرة. وكانت الشعبية المزيفة تتنامى بجدارة عبر الأميركتين. ويكمن الخطر في اللعب بمثل ذلك المسار الشعبي الزائف سواء كان هازلا أو معبرا عن اتجاه معين. وفي بداية التسعينيات كانت هناك إشارات متزايدة إلى أناس يسبرون إحساسهم بالغربة في عالم الافتراضات العالمية المجردة بالرجوع إلى النزعة القومية القديمة.
وهنا يقفز مؤلف الكتاب إلى الحرب الأهلية في يوغوسلافيا فيقول إنه لا يريد أن يقول إن وحوش تلك الحرب كانوا نتاج العولمة، ولكن لا شيء يحدث بمعزل عن غيره، وعليك أن تسأل نفسك: هل كان الأوروبيون غير مستعدين بدرجة كارثية لما حدث في عام 1991 عندما قررت سلوفينيا وكرواتيا الانفصال وتدخل الجيش اليوغسلافي؟ ويجيب جون رالستون على تساؤله فيقول: ليس من البساطة القول إن الزعماء الأوروبيين لم يكونوا جاهزين عقليا للقيام بالإجراء العسكري الضروري لمنع تلك المأساة الإنسانية. لقد كانوا غير جاهزين أخلاقيا وسياسيا، وبدوا عاجزين عن التركيز على حقيقة واضحة هي وجود نزعة قومية سلبية جامحة. والواقع أن قيادات أوروبا وحكوماتها انصرفت سنوات طويلة وغرقت في منحاها حسن النية والتكنوقراطي الخاص ببناء نظام للقارة الأوروبية. وكانت، على مستوى أوسع، مقتنعة بأن العالم استجاب ـ فوق كل شيئ ـ للآليات الاقتصادية، وأحيانا الآليات الإدارية، أو بالمفاوضات السياسية الأساسية في آخر الأمر، ورأت تلك القيادات والحكومات أن المذهب الشعبي مجرد وسيلة تستخدم لإلهاء الشعوب.
النموذج اليوغسلافي... مما يستحق الذكر أن نحو خمس وعشرين دولة جديدة أو مستقلة حديثا بعد 1989، ظهرت فجأة على مسرح الأحداث، ولم يكن معظمها من الدول الديمقراطية، أو يتمتع بنظام قانوني يستند إلى حقوق المواطنين، أو بأسواق حرة حديثة. وكانت لتلك الدول أحلامها المختلفة، وشعوبها المختلفة، وتاريخها المختلف. مثال ذلك أن بولندا ظلت لديها لقرون طويلة، طموحاتها لأن تصبح لاعبا كبيرا في القارة الأوروبية، أما تشيكيا - نصف تشيكوسلوفاكيا - فكان لديها بطلها وقائدها المثقف، وخلفياتها الصناعية المتقدمة. وأنهك الفقر مولدوفا وسرعان ما أصبحت تخضع لديكتاتورية عسكرية فاسدة اشتغلت بتجارة المخدرات والسلاح. ثم جاءت كل الدول التي ينتهي اسمها بمقطع «ستان» مثل كردستان وطاجكستان وغيرها والتي تمتد على طول الحدود الإسلامية الجنوبية لروسيا، والتي شرعت في بناء نفسها من لا شيء. ويلتمس المؤلف العذر لأوروبا في انصرافها عن الاهتمام بيوغوسلافيا، فمنذ وفاة زعيمها تيتو عام 1980 أخذت كل حكومة أوروبية تتلقى تحذيرات واضحة من سفاراتها في بلغراد. ويذكر جون رالستون أنه كان في يوغوسلافيا مرارا خلال سنة 1980 وما بعدها وكان كل شخص يؤكد له أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه.
وأن هناك فراغا في السلطة، وأن انفجارا ما قد قد يحدث، وقد شهد المؤلف بعض الانفجارات الكلامية من وقت لآخر التي كشفت له عن وجود نزعات عنف قوية دفينة تحت السطح. وقد كانت هناك من قبل ذلك حالات شغب واغتيالات في كوسوفو، وترددت أحاديث متواصلة في لوبليانا وزغرب عن التمرد. وجرى معظم الحديث عن الأعراق والحقوق العرقية ومواطن الضعف العنصري لدى بعض الجماعات الأخرى.
وخلال عقد كامل من الزمان بسنواته العاصفة والبشعة كانت الحكومات الغربية تلتزم الصمت، أو ترتكب ما هو أسوأ أي تمارس الألاعيب السياسية الصغيرة في الفراغ الذي تعانيه يوغوسلافيا وهي ألاعيب قديمة الطراز. ولعل تلك الدول نفسها كانت تريد تنفيس المشاعر المكتومة مع الابتعاد تماما في دبلوماسيتها وفي داخلها، عن تلك الأنواع التقليدية من المنافسات القومية.
وعندما اندلعت الحروب اليوغوسلافية سحبت وزارات الخارجية في دول الغرب ملفاتها القديمة عن البلقان. بدت دول أوروبا والغرب تتصرف وكأنها مازالت تعيش في عام 1914 واختارت فرنسا تأييد الصرب، وفضّل الألمان تأييد الكرواتيين، واختارت الدول الأخرى التحيز إلى الأطراف على تلك الأسس نفسها.
وبدا وكأنها ترفض النزعة القومية عند شعوبها هي، ولكنها تقبلها لشعب آخر أقل تطورا، حتى ولو كانت نزعة قومية في شكلها الأولّي المغرق في القدم. وتحقيقا لأهداف السياسات الخارجية، عادت كل دولة غربية إلى الأفكار العنصرية القديمة والتحالفات القائمة على أساس قومي. ونشطت مبيعات السلاح أو إمداداتها.. وأخذ العنف في التنامي.
وذات يوم بدأ الناس خارج يوغوسلافيا يفيقون، وأدركوا فجأة أن المسألة لم تكن مجرد لعبة، وأن النزعة القومية السلبية قد عادت فعلا، وأن الأسوأ من ذلك أن مشاعر الحقد قد أخذت تضرب في قلب أوروبا.
غير أن تلك اليقظة استغرقت عدة سنوات وكثيرا من عمليات التطهير العرقي بينما برزت كوميديا سوداء أخرى عندما نشطت النخب الدولية بقيادة الاقتصاديين والمستشارين الذين اعتبروا أنفسهم صوت الحتمية العولمية الجديدة، وتراوح ذلك النشاط بين اجتماعات العولمة.
وإبرام العقود الاستشارية، وترددت الأصوات من عاصمة إلى أخرى وهم يتبادلون الأحاديث عن تمكن قوى العولمة الاقتصادية تدريجيا من استبعاد فكرة الدول القومية. وبينما هم غارقون في أحاديثهم لقي آلاف الأشخاص مصرعهم وشهدت مناطق بأكملها جرائم تطهير عرقي. وبحلول عام 1995 أدرك الأوروبيون أنهم فشلوا في التعامل مع مشكلتهم الخاصة.
ويرى جون رالستون أنها كانت مشكلة دولة قومية وجدت نفسها حبيسة منطق تكنوقراطي أوروبي بالإضافة إلى منطق عولمة اقتصادية وإدارية. وأخذت الولايات المتحدة زمام القيادة لإنقاذهم من أنفسهم. وكان معظم زعماء أوروبا يعرفون أنهم فشلوا بل إنهم لم يجرؤوا على الاعتراف بفشلهم علانية، ولكنهم بدأوا الآن يعدون أنفسهم ببطء لكي لا يعانوا الفشل مرة أخرى. وهناك جانب آخر في صحوتهم تلك، ففي العلن يعربون عن اقتناعهم بأن القوى الاقتصادية تهيمن على جميع القوى الأخرى، ولكنهم يعترفون في الخفاء بأن ذلك ليس حقيقيا.
وينتهي مؤلف الكتاب في سرده لعجز أوروبا إزاء مشكلة يوغوسلافيا، إلى أن النقطة الأساسية هي أن أسوأ أشكال النزعة القومية السلبية عادت إلى الظهور في ذروة العولمة. وكانت يوغوسلافيا هي الدوامة ولكنها لم تكن وحدها بأي حال. وأصبح المهتمون بمراقبة حركة الأحداث يرون أن افتراضات العولمة بدأت في الانهيار.
اهل القمة
من المؤشرات الدالة على التفكك الذي أشار إليه مؤلف الكتاب العزل المتزايد بين نظام العولمة وحياة الناس الواقعية. ورغم العنف في يوغوسلافيا، والفوضى في الكتلة السوفيتية السابقة، وانهيار أفريقيا، وسلسلة الانهيارات في أميركا اللاتينية، لم تظهر أية علامة على أن أيا من هذه الأحداث وقع بتأثير وجهة النظر السائدة والقائلة بوجوب إدراك العالم من خلال المنظور الاقتصادي.
وقد أصبحت نسبة البطالة المرتفعة وبطء النمو من الثوابت، ومع ذلك لم يبد أن أحدا من المسؤولين أعتبر ذلك فشلا، أو بمعنى أدق لم يستطع مسؤول أو واحد من المناصرين الأيديولوجيين أن يرى في ذلك فشلا لنظرية العولمة التي ازدادت قوة مدة عقدين أي ضعف مدة عهد نابليون وأربعة أضعاف زمن الحرب العالمية.
ويلتمس المؤلف لهم العذر إذ يقول إن ما حجب عنهم الرؤية وجود مؤشرات أخرى إيجابية لتقدم العولمة إذ استمرت الشركات في النماء وازداد عدد عمليات الدمج والاستحواذ وخاصة تلك التي تتعلق بشركات في عدة دول، وتضاعف عدد الصفقات وأحجام الشركات في تسعينات القرن العشرين. وكانت أكبر مجالات النمو هي الخدمات.
وإذا اعتبرت الشركات متعددة الجنسيات دولة في الواقع، فإن قطاع الخدمات هو صناعة فعلية. وكانت تلك الفترة المؤدية إلى عام 1995 فترة ثقة بالنفس، وراحة عاطفية بالنسبة للمؤمنين بالعولمة. وكانت دافوس في ذروتها باعتبارها بلاطا ملكيا يرغب الناس أن يتواجدوا فيه.
وبدأ يظهر فيها نظام طبقي جديد ولاعبون جدد لا سابق لهما على المستوى الدولي منذ ما قبل عام 1914، ولم تعد فيه المظاهر التقليدية القديمة ذات أهمية، وبرزت بدلا منها الألقاب ومستويات السلطة والمداهنة ونمو «الرضا» المشترك عن كيفية التعامل مع القضايا.
مثال ذلك اعتبار الاهتمام بمن يملك وماذا يملك، واحترام الملكية للحدود بين الدول، أمورا قديمة الطراز، لأن الأهم هو الاستثمار والدمج ونمو الشركات. وأصبح هناك إجماع على أن عليك أن تتصرف علانية مادام أن الجغرافيا لم تعد ذات أهمية.
وكما جرت العادة في النظام الطبقي فإن أهل القمة فيه يقولون أشياء لا يعنونها حقا لمجرد طمأنة اللاعبين الصغار، فبينما تتم في ظل العولمة عمليات بيع بأرخص الأثمان لأجانب وافدين من دول أكبر اقتصاديا، نجد رفضا معلنا لمثل هذه العمليات.
ويعزز مؤلف الكتاب رأيه هذا ببضعة أرقام مهمة نذكر منها على سبيل المثال أن حجم الملكية الأجنبية من خلال الشركات متعددة الجنسيات ارتفع من الثلث إلى نحو الخمسين في المئة في الدول الأصغر اقتصاديا أو ذات الاقتصاد الهامشي. وكانت قيادات البيزنس في تلك الدول فخورة جدا بقدرتها على إيجاد مكان في البنى الدولية بسبب عدم ارتباطها بالملكية الوطنية، ولا يبدو على هؤلاء القادة أنهم يدركون أن ما يفخرون به هو مجرد حديث مع الذات من جانب واحد في حضور اللاعبين الكبار.
ويخلص مؤلف الكتاب من ذلك إلى أن تحرير الأسواق الدولية من القيود جعل دخول الاستثمار الأجنبي أكثر سهولة، كما أن الدول في أنحاء العالم تقول إنها في حاجة إلى الاستثمار الأجنبي لتمويل وتطوير اقتصاداتها، ولكن يندر أن تفرق تلك الدول بين نوعين من الاستثمار الأجنبي، الأول: الاستثمار من أجل دعم شيء ما.
والثاني: مجرد شراء شركة ناجحة ومتطورة بالكامل. ومن ثم فإن النوع الأول هو استثمار فعلا، أما الثاني فهو من قبيل سلب المال من أجل المستثمر الكسول، وهو أيضا شكل من أشكال تجريد الأصول من قيمتها على المستوى الدولي.
فضائح بالجملة
في الفصل الرابع عشر من الكتاب يعرب مؤلفه عن اعتقاده أن فكرة العولمة كانت فترة انخفاض النمو وارتفاع نسبة البطالة بسبب سيطرة طموحها لتقوية السوق. وقد بذلت كل المحاولات الممكنة لتحرير قوى السوق استنادا إلى المبدأ القائل بأن إطلاق طاقات دولية جديدة سوف يدفع كل ما عداها إلى التقدم مثل النمو وفرص العمل كبداية على الأقل، ومع ذلك فإن هذا المبدأ لم ينجح.
ولكن تطورا واحدا إيجابيا تمثل في تقلص أعداد الفقراء في العالم التي وردت في الإحصائيات، ولسوء الحظ لم يقل أحد بصراحة ما إذا كان ذلك التحسن حقيقيا أم إحصائيا فحسب. وهناك اتفاق عام على أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء قد زادت، وكان لذلك أثره المباشر على نظام الضرائب فقد خفضت بالنسبة لفئات أصحاب الدخول الكبيرة. وتقع معظم الأعباء الضريبية الآن على كاهل الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا من المجتمع.
ويتماشى هذا الوضع مع نظام المبادئ السائدة في الوقت الحاضر، وكذلك يعتبر قبولا للحجة القائلة بعدم وجود بديل - فإذا سألت: لماذا؟ قيل لك لأن الشركات وأهل القمة يستطيعون التنقل بسهولة عبر الحدود وإذا لم تخفض الضرائب المستحقة عليهم فسوف يرحلون عن البلاد.
ورغم التغييرات الكبرى التي تجري على المعدلات الضريبية، تجد الحكومات صعوبات كبيرة في جني الضرائب من الشركات. ويعني ذلك أن جزءاً من فكرة العولمة يفعل فعله إذ يظهر أن الضعف قد أصاب الدول القومية أمام الشركات الكبرى بالنسبة لفرض الضرائب. ولا تدعو للدهشة براعة الشركات المتجاوزة للقوميات في تحريك أموالها من دولة لأخرى وفقا لمعدلات الضرائب.
وإذا لم يعجبها نظام ضريبي في مكان معين سارعت إلى نقل أموالها إلى الخارج وإدارة فروعها المحلية عن طريق الاستدانة. وقد ابتكرت «نظم ضريبة ـ صديقة» لمساعدة الشركات على دعم أنشطتها.
وقد كشفت صحيفة «الفاينانشيال تايمز» العمليات البريطانية لعشرين شركة كبرى غير نفطية تبلغ دورة رؤوس أموالها 100 مليار جنيه إسترليني وقد عمدت تلك الشركات إلى ترتيب أمور خسارة يبلغ إجماليها 700 مليون جنيه إسترليني ودفعت ضرائب قيمتها 350 مليون جنيه إسترليني، وهي لا تعتبر شيئا يذكر.
ويتساءل مؤلف الكتاب: هل هذا هو الناتج المحتوم من قوة العولمة المحتومة؟ أم أنه أمر يخص مجموعة الدول السبع ورغبتها في التعامل مع الحاجة إلى اتفاقية دولية ملزمة بشأن فرض الضرائب لكي تمنع الشركات من القيام بتصرفات تبدو قانونية ولكن بوسائل غير شريفة؟
ويكشف المؤلف جون رالستون حقائق مفزعة فيقول إن فشل الحكومات الديمقراطية في التعامل مع وضع نظام دولي لفرض الضرائب، دفع بها إلى أزمة ضرائب نفعية تماما إذ سعت إلى زيادة الضرائب دون أن يتضح أنها تفعل ذلك، والنتيجة هي ما يسمى «الضرائب الخفية».
وهي تأخذ أشكالا عديدة، ولعل أبشع ما أهان كرامة المواطنة والديمقراطية يتمثل في قرار الحكومات أن تصبح أكبر مديري موائد القمار، ويكمن الخطأ الأساسي في قيام حكومات دول ديمقراطية بترويج القمار كوسيلة لتحصيل مبالغ خطيرة لزيادة مواردها المالية.
وهناك حدود أخلاقية معينة، ولكن الحكومات تتخطاها عندما تنفق عشرات الملايين من أموال دافعي الضرائب على حملاتها الإعلانية لتشجيع مواطنيها على ممارسة القمار. ففي الولايات المتحدة وحدها يتم إنفاق نحو 500 مليون دولار أميركي كل سنة لتشجيع الطبقات الأفقر والأدنى تعليما أساسا على مزيد من ممارسة القمار..
ويقتبس المؤلف واحدا من الشعارات التي ترفعها تلك الإعلانات يقول: «مليون في اليوم ـ فقط العب»!. وفي استراليا ينفق نحو 600 مليون دولار على الدعاية. وشهدت فترة العولمة نمو عائدات القمار في ألمانيا من 8 مليارات مارك سنويا في بداية سبعينيات القرن الماضي، إلى 42 مليار مارك.
وتزايد المعدل يكاد يكون متشابها في كل مكان فهو في المكسيك من 10 إلى 15% وهي جديدة على تلك اللعبة ولكنها تستهدف تحصيل ثلاثة مليارات دولار أميركي، وفي نيوزيلاندا وصل المعدل إلى 12 مليار دولار، وفي بريطانيا نحو 25 مليار جنيه إسترليني، وفي الهند 7 مليارات دولار أي نحو 2% من إجمالي الناتج القومي.
ويبلغ متوسط ما ينفقه الناس على القمار في أنحاء العالم نحو 900 مليار دولار. ولا تستطيع كثير من الحكومات البقاء دون ذلك الدخل. وفي عام 1955 بلغ ما أنفقته بريطانيا على أعمال المنفعة العامة 7,9 مليارات جنيه إسترليني من أموال ضرائب القمار، ويزيد هذا المبلغ على نصف ما جمع من ضرائب الشركات، ويبلغ ثلاثة أضعاف ونصفا بالنسبة للحصيلة المشتركة من ضرائب أرباح رأس المال والتركات.
وفي إقليم كندي غني بالطاقة ـ وهو إقليم ألبرتا ـ تتساوى عائدات الحكومة من القمار مع عائداتها من ضريبة النفط والغاز، وتتجاوزها أحيانا. والمبرر الذي يتردد في كل واحدة من هذه الحالات هو أن نسبة مئوية من هذه العائدات يتم إنفاقها على أعمال المنفعة العامة، والثقافة، والمدارس. وبمعنى آخر تقوم الحكومات بإسكات أولئك الذين قد ينتقدون أخلاقيات استغلال القمار كأداة ضريبية وإضافة أمواله إلى مواردها.
تطبيع الفقر
كان تطبيع الفقر الحل الآخر لأزمة الضرائب، فالحكومات توفر النقود بأن تترك الناس تلجأ إلى بر الأمان.. والمنطق هنا بسيط.. إذا كانت قواعد العولمة تمنعك من رعاية المواطنين الأكثر فقرا واحتياجا فلا تفعل ذلك فهناك شخص ما سوف يلتقط اللجام.
وفضلا عن ذلك كان العمل الخيري واحدا من خصائص نظام السوق في القرن التاسع عشر، فقد تجمعت معا كل من التجارة الحرة، والمذهب النفعي، والعمل الخيري أو الإحسان كما كان يسمى في نظر الأغنياء الجدد، وقد جاءت جميعها كنوع من معارضة التوجه الشامل نحو الصالح العام. وقد عاد الإحسان مرة أخرى في الوقت الحاضر وقد تكيف وفقا لاحتياجات الفقير لأن الاندماج الاقتصادي العالمي نقيض لكل ما هو محلي بينما الإحسان محلي بطبيعته.
وكثير ممن يعارضون العولمة يطالبون بإنعاش الهياكل المحلية والحلول المحلية، ولكنهم ينسون أنه لن تكون هناك حلول محلية إذا لم يوجد سبيل محلي يعتمد عليه للوصول إلى عائدات الضرائب. ومن المهم أن نتذكر أنه مهما كان تردد حركة التجارة الحرة بشأن حقوق العمال فإن الإحسان لا يفي بالغرض.
ويستشهد مؤلف الكتاب بسطور من كلمة للبرلماني ريتشارد كوبدين في منتصف القرن التاسع عشر في مجلس العموم البريطاني إذ يقول: «نحن نسمع كلاما كثيرا عن الإحسان، ولكن ماذا نفعل به في هذا البرلمان؟ الناس يطلبون العدالة لا الإحسان، نحن مطالبون بنشر العدالة فكيف يمكن نشر الإحسان على شعب بأسره؟» ومنذ الثورة الصناعية تنامى الاقتناع بأن الإحسان ليس هو الحل لاحتياجات الصالح العام.
ولقد قال الكاتب المسرحي أوغست ستريندبرغ منذ قرن: «الإحسان كله هو الإذلال». وفجأة منذ قرن مضى، ومع صعود العولمة، عادت فكرة الإحسان كأداة خطيرة من أدوات السياسة العامة. وفي سنة 1990 كان في أوكلاند بنيوزيلاندا 16 بنكاً للطعام وازداد العدد إلى 130 في عام 1994.
وأنشئت بنوك للغذاء في معظم مدن العالم الديمقراطي للتعامل مع الحالات الطارئة في ثمانينات القرن الماضي. ولم تتوقف أبدا عن الزيادة، ذلك لأن المستوى الأدنى الأساسي للفقر هو العجز عن الحصول على الطعام. ويردد المؤلف أنه لا يقول إن الإحسان ليس له دور في المجتمع الديمقراطي، ولكن الكرامة الإنسانية والواقعية تدعونا إلى القول بأن العمل الخيري لا يستطيع الوفاء باحتياجات فقراء المجتمع.
ولا يملك إنقاذ مجموع الجماهير من الفقر، والدولة وحدها هي التي تستطيع ذلك، وهنا يصبح دور العمل الخيري سد الشروخ في المجتمع. والتعامل مع الفقر هو المسؤولية الأساسية للدولة. وقد خلفت العولمة هذه المشكلة ولم تقدم لها حلولا، وهو مؤشر آخر إلى أن العولمة أيديولوجية قصيرة العمر.
إضاءة
فترة العولمة هي فترة انخفاض النمو وارتفاع نسب البطالة بسبب سيطرة طموحها لتقوية السوق. وقد بذلت كل المحاولات الممكنة لتحرير قوى السوق استناداً إلى المبدأ القائل إن إطلاق طاقات دولية جديدة سوف يدفع كل ما عداها إلى التقدم مثل النمو وفرص العمل كبداية على الأقل، ومع ذلك فإن هذا المبدأ لم ينجح.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



