تمر أوقات عصيبة بالنسبة للمصابين بوسواس المرض، وهي متلازمة تؤثر في لحظة ما على حياة ما لا يقل عن 70% من الناس الذين يعيشون في البلدان المتقدمة. وفي ظل وجود الانترنت وإمكانية الوصول إلى المعلومات بسهولة، يشعر المهووسون بصحتهم بأوضاع صحية أسوأ من أي وقت مضى.

هل ما أصابني هو ورم خبيث أم ماذا؟ غالبا ما أشعر بالصداع في الآونة الأخيرة .. يبدو أن الطعام يجعلني أشعر بالسوء.. أعتقد أني أنهك أكثر مما هو طبيعي ويصعب علي التقاط أنفاسي أثناء صعود السلالم.. أحيانا أشعر بالخفقان وبأن دقات قلبي تتسارع على غير هدى.. هل يمكن لهذه الحكة في الجلد أن تكون أمرا جديا؟ في بعض الأحيان أصاب بدوخة خفيفة.. يؤلمني بطني، هل ذلك يعني أني مصاب بالزائدة الدودية؟ لا أنام جيدا..

كل ما سبق لا يشكل سوى غيض من فيض من المخاوف التي عادة ما تراود أولئك الأشخاص الذين يعيشون متعلقين بشكل مفرط ومرضي بصحتهم والذين ترعبهم فكرة الوقوع في المرض والذين يشكلون ظاهرة حقيقية في المجتمع ويطلق عليهم اسم المصابون بوسواس المرض أو كما وصفهم بصورة عبقرية موليير في القرن السابع عشر «مرض الوهم».

صحيح أن لهذه الظاهرة تاريخ طويل يمتد إلى العصر الإغريقي مرورا بعصر النهضة في أوروبا، بيد أن لها وقعاً خاصاً في القرن الحادي والعشرين الجاري ، ذلك أن دراسات تتعلق بعلم الأوبئة تبين أن 70% من السكان يعانون في لحظة ما من حياتهم من أعراض الإصابة بوسواس المرض. وبالنسبة لعلم النفس الحديث، فإن ظاهرتي الخوف من الألم والخوف من الموت إنما تمثل أكثر المخاوف انتشارا في البلدان المتقدمة.

ذلك أن المجتمعات الصناعية تميل بشكل مبالغ فيه عادة إلى اعتناق مذهب اللذة والمتعة والاكتفاء الذاتي، ناهيك عما شهدته السنوات الخمسة عشر الأخيرة من تقدم على صعيد العلاجات المسكنة، التي حققت قفزات نوعية أرفع بكثير من كل تلك التي ظهرت على مدار تاريخ الطب كله. لكل ذلك تضاف سهولة الوصول بلحظات إلى معلومات طبية متوفرة على الانترنت تقود الكثير من الناس إلى حالة التشخيص الذاتي أو حتى المداواة الذاتية وذلك من دون معرفة مدى دقة وصحة تلك المعلومات التي يوفرها الكمبيوتر.

وبحسب دكتور إدواردو غاريا كامبا، رئيس قسم علم النفس في مستشفى «برينسيسا» في مدريد ورئيس الجمعية الاسبانية للطب النفسي ـ الفسيولوجي، فإن وسواس المرض يمكن أن يمثل أحد أعراض عمليات معينة، أو أحد ملامح الشخصية أو حتى مرض قائم بذاته يسمى «وسواس المرض». بيد أن الطبيب المتخصص يوضح أن الشخص المصاب بوسواس المرض لا يراجع الطبيب النفسي عادة ويضيف: «لا يصل إلينا إلا مبعوثا من قبل أطباء آخرين بعد مشوار طويل معهم. في هذا المشوار يزور طبيب العناية الأولية وأخصائيين آخرين بحثا عن مساعدة تمكنه من تجاوز مرضه.

استنادا للشكاوى والأعراض التي يشير إليها، يتم إرسال المريض لإجراء عدد كبير من الفحوصات والتحاليل خشية وجود أمر خطير يتعرض له والبعض منهم يصر بشكل متكرر على الخضوع لتدخلات جراحية. إنهم مرضى بالإضافة إلى تعرضهم لمعاناة كبيرة يبدون في الوقت نفسه محبطين للغاية ويعتقدون بأن العاملين في ميدان الصحة هم مصدر هذا الإحباط وخيبة الأمل وذلك لأنهم لا يشعرون بالرضا مطلقا. ويذهبون من أخصائي إلى آخر ويكررون الفحوصات ذاتها المرة تلو الأخرى».

ولقد بينت دراسات عديدة في علم الأوبئة تمت في ميدان الرعاية الأولية أن ما بين 4% و6% من الأشخاص الذين يراجعون الأطباء يظهرون توجهات تتعلق بوسواس المرض.

وبحسب غارسيا كامبا، فإن طلبة الطب يعتبرون، وبشكل يثير الفضول، إحدى الفئات الاجتماعية الأكثر ميلا للوقوع في حوادث من هذا النوع ، إذ يوضح الطبيب النفسي هذا أن «هناك مرحلة يمر جميع طلبة الطب خلالها بهذا الوضع ويظنون أنهم مصابون بكل الأمراض التي يتعلمونها.

لكن من الطبيعي أن تذهب عنهم تلك الهواجس لاحقا». ويعترف طبيب جراح يدعى آر. إم. عمره 48 عاماً بأنه حين كان في السنة الجامعية الرابعة عانى في قاعة الدرس من وعكة في الفقرات القطنية من العمود الفقري أدت به إلى الشلل ويقول: اضطر الرفاق في الكلية إلى حملي إلى المنزل حيث بقيت هناك مستريحا لبضعة أسابيع. بيد أن أي من الأطباء الذين فحصوا حالتي لم يتمكن من العثور على شيء أو تشخيص حالتي»، هذا ما رواه الأخصائي الذي فضل إخفاء هويته.

ويعتبر الخوف من الإصابة بالسرطان أحد أكثر المخاوف شيوعا وهذا ما يرويه المهندس بي. إس. البالغ من العمر 56 عاماً مفضلا عدم الإفصاح عن هويته أيضا:« بعد وفاة شقيقي جراء سرطان الكبد، بدأت أحس بأني مصاب بالمرض نفسه أيضا. وخلال أسبوعين زرت العديد من الأطباء وأجريت العديد من التحاليل والصور، لأني لم اصدق ما كانوا يقولونه لي، وهكذا عشت مرعوبا إلى أن أتى أحد الأخصائيين بالجهاز الهضمي واقترح على أن اطلب مساعدة طبيب نفسي».

وكما يشير غارسيا كامبا، فإن رهاب الايدز هو أحد أكثر المخاوف تكرارا عند المصابين بوسواس المرض أيضا وذلك عندما كان هذا المرض الفتاك في أوج انتشاره ، وذلك بالطريقة ذاتها التي شغلت فيه هذا المكان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أمراض مثل السفلس والسل. لكن المشكلات الأكثر إخافة للناس عموما هي تلك التي تكون مصحوبة بتشخيص سيء وألم. من هنا فإن مختلف أنواع السرطان تظهر في صدارة القائمة.

جيرونيمو سايث رويث، مسؤول الطب النفسي في مستشفى رامون وكاخال المدريدي يريد أن يوضح بدوره أن «الخوف الوسواسي من الإصابة بالمرض لا يعني في نهاية المطاف أكثر مما يعاني منه الشخص المعني كما أنه ليس هناك دراسات تبين أن المرور بهذا النوع من الحالات يمثل خطرا أكبر للإصابة بالمرض. قضية أخرى مثبتة أيضا وهي أنه لا شك بأن سلوكا حيويا سلبيا وتشاؤميا ومكتئبا يؤثر بشكل سلبي على جهاز المناعة لدى الشخص المعاني وفي حال ضعف هذا الجهاز فإن الجسم يكون عرضة أكثر للمرض».

وعلى وجه العموم ، فإن وسواس المرض يزداد مع التقدم في العمر ونادرا ما يلاحظ أثناء مرحلة الطفولة، حسب دكتورة ماريا خيسوس ماردومينغو، مسؤولة الطب النفسي للأطفال في مستشفى «غريغوريو مارانيون في مدريد، التي توضح أن الأعراض المرضية التي تظهر عند الأطفال على قلتها إنما ترتبط عادة بالتعبير عن عدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة وربما لذلك علاقة بالخوف من الذهاب إلى المدرسة.

لكن الأخصائية تؤكد على ضرورة عدم إدارة الظهر لهذه الشكاوى وأنه ينبغي أخذها على محمل الجد لاسيما إذا كانت متكررة ومن المناسب أخذ الطفل إلى الطبيب العام أو الأخصائي للتأكد من صحة ما يدعي. وفي حال بقاء المشكلة، رغم اتضاح عدم وجود أي مشكلة عضوية فما على الأهل إلا أخذ الطفل إلى طبيب نفسي.

ويؤكد الأخصائيون أن الوسواس المرضي كمرض بحد ذاته يظهر لدى الأشخاص الكئيبين والقلقين والجشعين أو الذين يعانون من علة غير مكتشفة وعلى الأخص لدى شخصيات مصابة بالعصاب وغير الواثقة من نفسها والمفرطة بالحساسية وأن المظاهر الأكثر شيوعا والتي تشير إلى الإصابة بهذا المرض تتجلى في الأوجاع المختلفة (الرأس، الظهر، المنطقة القطنية، البلعوم، الصدر، الحوض والعضلات).

وفي التعب الدائم المصحوب بحالة من الكآبة وكذلك في ألم الأمعاء والوهن الجنسي وسرعة خفقان القلب والشعور بالاضطهاد وآلام القلب وفقدان الشهية للطعام والدوخة والتنميل وخدر بعض الأطراف والرؤية الضبابية وتشنج العضلات والاضطرابات في الأحلام .. بعد كل هذا السرد من المؤكد أن من يقرأ هذا من المصابين بالوسواس المرضي فإنه سيشعر الآن بالذات بأنه يعاني حقا من معظم هذه الأعراض.

ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «الباييس»