يعلو صوت الديمقراطيين المعارضين للحرب محذرين من الخيانة. وما يقومون به هو أمر مبرر. ويرجع ذلك إلى أن الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون قد صوت لصالح تمويل حرب العراق بصورة كاملة، كما طالب بذلك الرئيس الأميركي جورج بوش، ومن دون أي جدول زمني يحدد انسحاب القوات الأميركية. حيث حصل بوش على 100 مليار دولار، ثم وافق بصدر رحب على السماح للديمقراطيين بتكريس 20 مليار دولار من هذا المبلغ لخدمة أغراض سياسية وهو المبلغ الذي أدرجوه في المشروع، وذلك تخفيفاً لألم بيعهم للقاعدة السياسية للحزب على هذا النحو.

إذا كانت الهزيمة النكراء التي لقيها الجمهوريون في 2006 قد أشارت إلى شيء، فإن هذا الشيء هو أن أميركا فقدت ثقتها بقيادة بوش ورامسفيلد للحرب وأرادت من الديمقراطيين أن يتولوا إدارة أميركا. غير أنه، الآن، هناك قوات أميركية في العراق أكثر من الوقت الذي فاز فيه الديمقراطيون. وهناك المزيد غيرهم يشقون طريقهم إلى العراق. ومع زيادة القوات والاحتفاظ بها في العراق لفترة تتجاوز جولات القتال العادية، يجب أن يكون هناك رقم قياسي لعدد القوات الأميركية في العراق بحلول نهاية العام.

لماذا استسلم الديمقراطيون؟ لأنهم يفتقرون إلى الشجاعة في قناعاتهم. لأنهم يخشون العواقب إذا طبقوا معتقداتهم المناهضة للحرب. لأنهم يخافون أنهم إذا لم يمولوا الحرب وأجبروا الرئيس بوش على سحب القوات الأميركية، فإن النكبة التي توقعها ستحل وسيتعرضون للمحاسبة لخسارتهم العراق والكارثة الاستراتيجية التي قد تلي ذلك.

إن الديمقراطيين يُعدون حزباً تعرض للتخويف والتهديد.

والأسباب لذلك تاريخية. فقد تم تمزيقهم من قبل نيكسون وجون مكارثي بسبب استسلام فرانكلين روزفلت لستالين في طهران ويالطا، ولخسارتهم الصين في مواجهة حشود ماو، ولخوضهم «حرب اللاانتصار» في كوريا، ولكونهم «متساهلين مع الشيوعية».

والأفضل والأكثر ذكاء من بينهم- رجال المواجهة الجدد في إدارة جون كينيدي- حملوا مسؤولية إغراقنا في فيتنام وإثبات أننا غير قادرين على تحقيق النصر في الحرب. وقد قطع الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الديمقراطيون المساعدة عن سايغون عام 1975، متخلياً عن جنوب شرق آسيا لهانوي، ومتسبباً بعمليات الإبادة التي ارتكبها نظام بول بوت.

يعلم الديمقراطيون أنهم لا يحظون بالثقة فيما يتعلق بالأمن القومي. وهم يخشون من أنهم إذا لم يمولوا هذه الحرب وجلبوا نهاية في المنطقة الخضراء على غرار نهاية سايغون، فإن الأمر سيقتضي جيلاً قبل أن يعهد إليهم بالسلطة الوطنية، والسلطة هي جوهر الحزب.

غير أنه لا يبدو الوضع في العراق كئيباً بصورة متزايدة فحسب، مع ارتفاع عدد الخسائر الأميركية والعراقية، بل إن هناك لاعبين على وشك التدخل لتتردد أصداؤهم على امتداد المنطقة. فالدعم الشعبي لإيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بحربه في لبنان التي تعد كارثة وإدانة قيادته من قبل لجنة قام هو نفسه بتشكيلها لا يصل إلى عشرة في المئة. أما المنتظر خارج الساحة فهو الصقر المتشدد من حزب الليكود، بنيامين نتانياهو، السياسي الذي يحظى بأكبر شعبية في إسرائيل، والذي يقارن ما يجري اليوم بما جرى في ميونخ 1938 ويساوي بين الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وهتلر.

إذاً في حال تولى بنيامين نتنياهو السلطة، فإنه سيستخدم كل حيلة تتاح له لاستفزازنا لمهاجمة إيران. ويقرع طبول شن الحرب على إيران كذلك المحافظون الجدد المتخبطون واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. فبأوامر من هذا اللوبي، قامت نانسي بيلوسي بحذف شرط من مشروع قانون مجلس النواب ينص على أنه يتعين على بوش أن يلجأ إلى الكونغرس للحصول على التفويض قبل أن يشن هجوماً على إيران.

ومع قيام المرشحين الديمقراطيين لخوض السباق الرئاسي بترديد جملة «كل الخيارات مطروحة على الطاولة»، وقيام إيران بتحدي عقوبات الأمم المتحدة، ومتابعة تخصيب اليورانيوم واحتجاز مدنيين أميركيين، فإن بوش تلقى ضوءاً أخضر لشن حرب ثالثة. إن لبنان يشتعل، وغزة كذلك. والحرب في أفغانستان لا تسير على ما يرام. وطالبان لديها ملاذ متميز. والحلفاء في الناتو يزيد إعياؤهم.

في باكستان، البلد الأخطر في العالم- الذي بات قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح جمهورية إسلامية تملك قنابل ذرية ـ فإن حليفنا، الرئيس الباكستاني برويز مشرف، متورط في أزمة سياسية بشأن إقالته لكبير القضاة. يجلس كل من برويز مشرف في إسلام أباد و حامد قرضاي في كابول وفؤاد السنيورة في بيروت، ونوري المالكي رئيس الوزراء في بغداد، يجلسون على عروش متزعزعة. وما من أحد يعرف ما الذي سيعقب سقوطهم. ولكن من الصعب رؤية كيف لن يصيب ذلك وضع أميركا بالعجز.

مع حالة الاشتعال هذه في هذه المنطقة المهمة من العالم، ومع هذا الشك، من السهل إدراك لماذا يفضل الديمقراطيون أن يكونوا «حمقى» على طاولة البريدج ويسمحوا لبوش بأن يتفوق في اللعبة. إن الديمقراطيين في الكونغرس متشائمون، ولكنهم ليسوا أغبياء. وإذا نجحت الزيادة في أعداد القوات الأميركية بالعراق وتم سحب الجيش بحلول خريف 2008، فإنهم لا يريدون أن يقال عنهم بأنهم «لاذوا بالفرار» عندما أصبح الموقف صعباً، وأنهم لعبوا دور تشمبرلين في مواجهة بوش الذي لعب دور تشرشل.

وإذا مضت الحرب بصورة سيئة عام 2008، فإنهم يعرفون أن الشعب الأميركي، بإدانته لحزب بوش وتشيني، لن يكون أمامه من خيار آخر غير حزب هيلاري وبيلوسي وهاري ريد. لهذا فإن ديمقراطيي الكونغرس بالتأكيد يتحدثون سراً عن اليسار الغاضب المعادي للحرب ما كان يتم قوله من قبل النخبة الجمهورية الرسمية اليمينية: «لا تقلقوا بشأنهم. فليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه». ولهذا السبب تم اجتياح اليسار المعادي للحرب في الشارع.

ترجمة: كوثر علي

عن «أنتي وور»