تُعد الفكرة القائلة إن مفاوضات ثنائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن أن تنتج اتفاقاً نهائياً فكرة ميتة. فقد حسم مصيرها بصورة جزئية لأن أياً من الجانبين ليست لديه القدرة على ردم الثغرات بين مواقفهما. ويفتقر الجانبان إلى الثقة أيضاً. ولكن في المقام الأول، فإن كلاً من النظامين السياسيين الفلسطيني والإسرائيلي لا يمتلكان الدرجة المطلوبة من التماسك والالتحام.
على الجانب الفلسطيني فإن الحركة الوطنية لم تعد لها مؤسسات سياسية عملية. حيث تفتقر إلى قيادة فعالة وقد فقدت أي برنامج سياسي واضح. وتعددت مصادر السلطة المتنافسة. فالرئاسة في يد حركة فتح، والحكومة في يد قادة حماس. وقد تم عزل غزة عن الضفة الغربية. والفروع الأمنية والميليشيات المتنافسة في انتشار. واتفاق مكة بين فتح وحماس وتشكيل حكومة وحدة وطنية كان خطوة باتجاه تصفية الأجواء. ولكن ذلك قد يمنى بالفشل. في قطاع غزة حيث المنافسة على أشدها، يتواصل القتال بين الجماعتين بصورة أو بأخرى.
ومهما حدث، فإن التحرك الفلسطيني سيظل متسيباً ويصعب رصده، وسيغري ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل على المضي قدماً في المحاولات لعزل حماس. ولكن مثل هذه الأوهام ستتحطم. قد يتمثل الهدف الأميركي والإسرائيلي في دعم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، غير أنه ليس هناك ما أضعف الرئيس الفلسطيني أكثر من الجهود الدولية لتقويته. والتفاوض مع السلطة الفلسطينية بينما يتم استثناء حماس يرقى إلى التفاوض مع جانب واحد في النظام السياسي.
هل بإمكان نظام إسرائيل السياسي تقديم ما عجز عن تقديمه نظيره الفلسطيني؟ إذا كانت خطوات السلام بحاجة إلى قيادة قوية، فهناك مبرر محدود للأمل. وأداء المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في حرب لبنان الصيف الماضي كان صدمة للإسرائيليين. والنظام السياسي يعاني أزمة شبه مستمرة. والشلل الإسرائيلي الحالي يفاقم العقبات التي استمرت طويلاً أمام تحقيق السلام. وإحدى هذه العقبات مؤسسية، فالحكومات الإسرائيلية تعد في الغالب قصيرة العمر، معرضة لتقلبات التركيبة السياسية المنطوية على مفارقة تاريخية. والهوة بين دعم الرأي العام للاتفاق مع الفلسطينيين وعجز القيادة عن تحقيق هذا الاتفاق يتم تفسيرها في أحد الجوانب بهذه السمة.
والجانب الآخر هو الاختلال الكبير في القوة الذي يفصل إسرائيل عن خصومها. فقوة إسرائيل تزودها بالثقة بالنفس ولكنها تجتذبها كذلك بعيداً عن ضرورة التسوية. ومن دون التهديد، فإن هناك باعثاً ضئيلاً للمخاطرة من أجل سلام غير مؤكد.
قبل خمس سنوات مضت، تقدمت الدول الـ 22 الأعضاء في الجامعة العربية بمبادرة سلام تتضمن عرض تطبيع العلاقات مع إسرائيل لقاء انسحاب كامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وحسم يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وقد رفضها أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك.
والآن بدأت المبادرة العربية تستقطب قبولاً واسع النطاق. وكانت الولايات المتحدة من ضمن الدول الأولى التي غيرت موقفها. وبدأت إدارة بوش التي تزعزعت مصداقيتها بفعل الحرب على العراق ودعم حرب إسرائيل على لبنان، والمهدّدة من قبل إيران و التي صدمت حيال الفوز الانتخابي لحماس، بدأت بحذر تشيد بالمبادرة. وفي إسرائيل، أيضاً، تغيرت لهجة التعليق على هذا الشأن.
ولكن التوافق الظاهري يخفي آراء مختلفة. وكما ترى البلدان العربية الأمر، فإن المبادرة يجب أن يتم تقديرها ليس بمضمونها الغامض وإنما بالأمل الذي تطرحه. لقد كانت طريقة لدعوة إسرائيل، والفلسطينيين، والسوريين، واللبنانيين، لحل نزاعاتهم، حيث تقول ضمناً إن كل ما يمكنهم الموافقة عليه ستتم حمايته على المستوى الإقليمي. والعرض لم يكن يتمثل في التفاوض مع إسرائيل. وإنما قصد به وصف الحياة بعد اتفاق شامل، أي السلام والتطبيع مع العالم العربي برمته.
وعلى ضوء ذلك، فإن الاقتراح طرح مزايا عديدة. بالنظر إلى وضع الفلسطينيين، فإنه ليس بإمكانهم اتخاذ قرارات تاريخية بأنفسهم، ولكن بإمكانهم القيام بذلك، ربما، بدعم العالم العربي وحمايته السياسية. وبمواجهة إجماع عربي، وإسلامي ومحلي لصالح اتفاقية السلام، فإن حماس ستجد صعوبة في معارضة ذلك.
وستستفيد إسرائيل بطرق مماثلة. فاتفاقية سلام مع الفلسطينيين، ولكن من دون سوريا ولبنان، لن تشجع بالضرورة العلاقات السلمية بين إسرائيل والعالم العربي. ولكن اتفاقية شاملة مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين ستجعل الربح أكبر- معاهدات السلام، والاعتراف الدبلوماسي، والعلاقات العادية مع الجيران. إذا استطاعت إسرائيل وسوريا تسوية صراعهما، فإن حزب الله سيعجّل من انتقاله إلى حزب سياسي محض.
وسيتعين على القيادة الإيرانية التكيف مع قيادة عربية - إسرائيلية مختلفة إلى حد كبير. وعن طريق زيادة المكافآت للإسرائيليين، فإن صفقة شاملة من شأنها أن تعوض غياب الضغط المتواصل على إسرائيل للتوصل إليها.
والمعضلة تكمن في أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة لم تتقبلا المبادرة العربية بالطريقة التي كان من أطلقوها يتوقعونها. فدعوتها إلى الانسحاب إلى خطوط 1967، وتقسيم القدس، وحسم قضية اللاجئين وفقاً لقرارات الأمم المتحدة عجّل بالعداء الإسرائيلي لها.
وتنظر إسرائيل إلى المبادرة بصفتها وسيلة للقفز على المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين والسوريين، والانخراط مع البلدان العربية لتحقيق التطبيع الذي تتوق إليه. يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عن مصلحة عربية إسرائيلية مشتركة في التصدي لإيران ويتساءل عما إذا كانت المبادرة يمكن تعديلها لتلبية المطالب الإسرائيلية.
وبالنسبة للولايات المتحدة أيضاً، أضحت المبادرة العربية أداة قادرة على خدمة أهداف سامية، والتي في إطارها يعد تحقيق تسوية عربية إسلامية شاملة أمراً غير ملحّ. طالما أنها بقيت عازمة على عزل سوريا، فإن التوصل إلى تسوية شاملة هو بالتحديد ما لا تهدف إلى تحقيقه. وبالنسبة لواشنطن، فإن الأهداف هي استعادة سمعتها في المنطقة وتشكيل تحالف يضمها، وإسرائيل والحكومات العربية «المعتدلة»، بهدف احتواء إيران.
والدوافع المختلفة لدعم مزعوم للمبادرة أوجدت إرباكاً. حيث تنظر البلدان العربية إلى التطبيع مع إسرائيل باعتباره مكافأة لتل أبيب، وأميركا تعتبره دافعاً، وإسرائيل تعتقد أنه مطلب ضروري. والمبادرة تتحول إلى دافع للمقايضة غير ذات جدوى.
والوضع الراهن له ثمنه. فيما يتفاقم شعور الفلسطينيين بالإحباط، فإن المرء يسمع حديثا في أوساط قادة حماس حول اندلاع انتفاضة ثالثة. يثير الجنرالات الإسرائيليون احتمال القيام بتوغل بري واسع في غزة أو لبنان. وقد تزداد مخاطر حدوث مواجهة بين سوريا وإسرائيل. بمقدور المرء أن يتخيل نهجاً آخر، ولكن يتعين عليه ألا يتوقعه. لأنه سيتطلب الإبداع السياسي، والشجاعة والمهارة، وهي أمور غير متوفرة بصورة كارثية.
كوثر علي
عن «غارديان»
بقلم: حسين آغا وروبرت مالي