أجرت صحيفة «كلارين» الأرجنتينية حوارا مطولا، مؤخرا، مع الرئيس البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا في القصر الرئاسي البرازيلي تمحور حول أهم الموضوعات المتعلقة ببلدان أميركا الجنوبية من ناحية طبيعة العلاقات القائمة بينها في الوقت الحالي وكيف يجب أن تكون في المستقبل، كما تطرق الحوار إلى العلاقة التي تربط البرازيل بالولايات المتحدة وتأثيراتها على علاقات أضخم بلد في أميركا الجنوبية مع بقية بلدان المنطقة، حيث أكد الرئيس أن (العلاقات بين الدول ليست أيديولوجية). وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تنظر إلى عملية تكامل أميركا الجنوبية في ظل كل تلك الخلافات القائمة بين مختلف بلدان المنطقة؟
ـ في البداية، أود أن أقول لكم ما يلي: لقد أدرنا ظهورنا لبعضنا البعض في أميركا الجنوبية طوال القرن العشرين. صحيح أننا كنا نقيم علاقات تجارية، لكن كنا نبحث عن صداقات لنا في أوروبا والولايات المتحدة.
ولقد وصل بنا الأمر حتى إلى الشجار بين رؤساء بلداننا حول من هو أقرب صديق للحكومة الأميركية، ولقد بدأنا ندرك الآن أن الشركاء الرئيسيين لنا هم نحن أنفسنا. وعلى أساس مصدر القوة هذا تمكنا من عقد مفاوضات مفيدة مع مناطق أخرى من الكرة الأرضية.
* هل تميلون في اختياركم إلى التكامل والاندماج أم إلى الأيديولوجية؟
ـ في العلاقة بين الدول لا وجود للأيديولوجيات، فهذه توجد عادة بين الأشخاص، حيث قد يروق لي أحدهم من خلال رؤيته الأيديولوجية، لكن في العلاقات بين زعماء الدول تغلب مصالح الأمم. وأعتقد أن عملية اندماج أميركا الجنوبية ستجري جنبا إلى جنب مع عملية التحول السياسية للشعوب التي نمثلها والقادة السياسيين. والقضية هنا هي عدم السماح لخلافات القرن التاسع عشر بين البلدان أن تلقي بظلالها على تقارب القرن الحادي والعشرين.
* بيد أن أميركا الجنوبية تزخر بالانقسامات. على سبيل المثال، هناك صراع تخوضه حكومتكم مع حكومة ايفو موراليس في بوليفيا بسبب شركة «بترواوبراس».
ـ لقد تحادثت كثيرا مع ايفو، وحتى عندما كنت في «كامب ديفيد» ـ مؤخراً ـ مجتمعا مع الرئيس جورج دبليو بوش فإن أحد الموضوعات التي تناولناها كان طلبي بألا تقوم الولايات المتحدة بتعليق الامتيازات التجارية لبوليفيا والإكوادور. قلت لبوش إنه لا يمكن التضييق على بلد فقير إذا كان الذي يريده هو التعاون من أجل الحفاظ على السلام والتوازن في المنطقة.
أما فيما يتعلق بقضايا الطاقة، فإني أتفهم جيدا أن يطرح ايفو سعرا عادلا للغاز. طبعا نحن نريد سعرا عادلا أيضا. وأنا أعطيكم مثالا آخر: أنا أعتقد أن البرازيل والأرجنتين، بصفتهما تمثلان أكبر اقتصادين في منطقة «ميركوسور»، مجبرتان على البحث عن حلول لعدم تماثل الشركاء الأصغر حجما، ذلك أنه من الأهمية بمكان أن يكون هناك حالة من التوازن.
* لماذا تعارض البرازيل، إذن، «بنك الجنوب»؟ ألا يمكن لهذا الكيان أن يشكل أداة لتذويب الفروقات؟
ـ نعم، ذلك ممكن طالما أننا نحدد بشكل صحيح ما الذي نريده من بنك الجنوب ذاك. هل سيكون من طراز صندوق النقد الدولي لمساعدة البلدان التي تمر بأزمات؟ أم أنه سيكون مؤسسة لتسهيل عملية التنمية؟ وماذا ستكون طبيعة مشاركة كل بلد فيه؟ إن بنكا بذلك الحجم يفترض وضع معايير للحصص فيه.
لكن كل هذا لم يطرح للنقاش. وعندما جاء رافاييل كوريا إلى البرازيل، مؤخرا، اتفقنا على عقد اجتماع في كيتو يضم وزراء المالية في بلدان أميركا الجنوبية.هناك، في ذلك الاجتماع سيتعين اتخاذ القرار المناسب حول الطبيعة التي سيكون عليها ذلك البنك. وللبرازيل مصلحة قصوى في المشاركة، لكننا نريد أن يكون هناك شيء من العدل والإنصاف.
لا بل إني أتطلع إلى أن نتمكن من إنشاء عملة موحدة في منطقة ميركوسور خلال السنوات الأربع القادمة. ولقد خطونا بعض الخطوات باتجاه إقامة تبادل تجاري مع الأرجنتين على أساس عملتينا ( البيزو والريال). وأنا أريد أن يبقى واضحا أننا سنفعل كل ما في وسعنا من أجل عملية التكامل وبهذه الروح بالذات سنشارك في النقاش حول ذلك الكيان.
* هل شعرتم بعدم الارتياح عندما أقام هوغو شافيز تظاهرة ضد بوش في بوينس أيريس بينما كنتم قد انتهيتم لتوكم من استقبال الرئيس الأميركي؟
ـ لا، مطلقا. فأنا أتفهم الأسباب السياسية التي كانت تقف وراء تلك الإشارات. إنها جزء من اللعبة.
* ألا تخيفكم زعامة شافيز المتنامية في المنطقة؟
ـ قبل عشر سنوات خلت لم يكن هناك حوار تقريبا بين بلداننا وكان هناك نزاع حاد على الزعامة. أما الآن فلا أحد يختار أن يكون زعيما: الزعيم يبرز بمقدار ما يعترف من يقودهم بذلك. وفي أميركا اللاتينية نحن لا نحتاج إلى أحد يقود الآخرين: ما نحتاجه هو علاقة قوية بين الدول والحكومات والاحترام المتبادل وتفهم مختلف الثقافات والاتجاهات الاقتصادية.
وعلى أساس ذلك يبنى التوافق. أما فيما يتعلق بهوغو شافيز، فإن الناس يتحدثون كثيرا عنه، لكنه بنظرنا يعتبر حليفاً استثنائياً في السياسة والطاقة والتجارة. ونحن ليس لدينا أي مشكلة مع فنزويلا وكذلك الأرجنتين كما أعتقد. صحيح أنه يعدو أسرع منا، كما قلت لشافيز في أحد الاجتماعات، على متن سيارة سباق «الفورمولا 1»، بحيث يسير بسرعة 300 كيلومتر في الساعة بينما بوسعنا أن نسير بسرعة 230 أو 270 كيلومترا في الساعة، إلا أن كل واحد منا يعمل بالوقت الذي تسمح له بلاده . مفتاح الاندماج هو التحلي بالصبر لبناء حالة من الوفاق.
* كيف تقوم البرازيل علاقتها مع الولايات المتحدة؟
ـ عندما نضع أقدامنا على الأرض، وهو ما أقوم به دائما، نرى أن للولايات المتحدة، كما للاتحاد الأوروبي أيضا، أهمية كبيرة جدا لاقتصادياتنا. ولكي نكون صريحين، فإنه لا بد من القول إننا لسنا وحيدين في العالم وبالتالي فإنه من الضرورة بمكان بناء مجتمعات أخرى.
وأنا لا أستطيع انتقاد أحد لأني فعلت ذلك كثيرا في الماضي: عندما يسافر قادة أميركا اللاتينية حول العالم فإن أول ما يقومون به هو تحميل الامبريالية مسؤولية الإخفاقات في بلداننا، مع أن المسؤولية تقع على الطريقة السيئة التي حكمت بها نخبنا في الماضي، تلك النخب التي لا تفعل شيئاً لمحاربة الفساد وتحسين توزيع الدخل القومي.
* بعد انتهاء ولايتكم الرئاسية الثانية، هل تعتقدون أن حياتكم السياسية ستكون قد انتهت؟
ـ حياة السياسي لا تنتهي إلا بالموت. والسياسي لا يموت إلا إذا كان دون الوسط في الحياة، أما إذا كان سياسيا عظيما فإنه يبقى. وقضية الولاية هي قضية عارضة. وأنا أعتقد أن ثماني سنوات لولاية هو وقت كاف لعمل الكثير من الأمور. وأنا لم أكن أبدا مع عملية إعادة الانتخاب لأني أعتقد أن تداول السلطة أمر على جانب كبير من الأهمية، مع أنني أعتقد في الوقت نفسه أن فترة أربع سنوات قصيرة من أجل تعزيز مشروع ما.
باسل أبو حمدة
عن «كلارين»