أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء محاولات الولايات المتحدة نشر نظام دفاع صاروخي في القارة الأوروبية، مشيراً إلى أن الخطوات الأميركية الأحادية الجانب تدفع العالم إلى صراع نووي جديد. وفي حوار له مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية، فنّد الرئيس الروسي الإدعاءات الأميركية بأن الصواريخ تهدف إلى حماية القارة الأوروبية من هجمات صاروخية إيرانية. وأضاف الرئيس الروسي أن التعنت الأميركي يخل بالتوازن الأمني في العالم وينبغي الرد عليه بما يناسبه. وفيما يلي نص الحوار:
* سيدي الرئيس، يبدو أن روسيا قد تخلت عن إعجابها بالغرب، فعلاقتكم بألمانيا تدهورت وفي الوقت ذاته تعاني العلاقات مع الولايات المتحدة درجة أكبر من التدهور. هل نحن متجهون نحو حرب باردة جديدة؟
ـ في الشؤون الدولية والعلاقات التي تربط بين الدول، لا يمكن للمرء استخدام أي مصطلحات تناسب بشكل كامل العلاقات بين الناس، لاسيما أثناء شهر العسل أو مباشرة قبل أن يخطط الرجل والمرأة إلى الذهاب إلى الكنيسة لتسجيل زواجهما. وفي العلاقات بين الدول، فإن مصالح أي دولة يجب أن ترتبط بمصالح الدول الأخرى والحل الوسط أو التسوية يجري العثور عليهما عندما يتم حل أكثر القضايا تعقيدا.
المشكلة الأكبر في الوقت الحالي تتمثل في أن بعض المشاركين في الحوار العالمي يتصورون أن أفكارهم هي الصائبة، وكل ما عداها هو خطأ، وهو الأمر الذي لا يسهل من عملية بناء جو من الثقة بين الأطراف المعنية. لا ينبغي لنا المبالغة في توصيف الوضع الحالي وجعله يبدو أكثر دراماتيكية. فنحن عندما نعرب عن رأينا بشكل واضح وصريح، فإن هذا لا يعني أننا نسعى للمواجهة.
فأنا أعتقد بشكل مطلق أنه ينبغي لنا ألا نُرسي على الساحة الدولية مبدأ النقاش الواضح والصريح فحسب، وإنما يجب أيضا أن نكرس ثقافة الوصول إلى تسوية وحلول وسط وذلك لمصلحة الجميع. ولو كان قد تم تطبيق هذا المبدأ منذ فترة لكان بالإمكان تفادي بعض من الأزمات التي واجهها المجتمع الدولي في الفترة الأخيرة، ولكان بالإمكان تقليل الأثر السيئ التي خلفته هذه الأزمات على بعض البلدان.
فحتى في أحداث العراق، كان يمكن تفادي الصداع الذي تسببت به الحرب هناك للولايات المتحدة الأميركية. فأنت تتذكر أننا كنا نعارض أي عمل عسكري في العراق. ونحن ما زلنا مؤمنين بأن الأهداف التي كانت نصب أعيننا وقتها كان يمكن الوصول إليها بوسائل مختلفة عن تلك التي نُفذت بالفعل، الأمر الذي كان سيؤدي إلى نتائج مختلفة عما هو سائد الآن.
* إحدى أكبر المشكلات بين موسكو وواشنطن اليوم تتمثل في الخطة الأميركية لإنشاء درع صاروخية في أوروبا الشرقية. وقد ردت روسيا بحدة على هذه الخطوة، غير أن البيت الأبيض يصر على امتلاك هذا النوع من الأسلحة، الأمر الذي يفاقم من حالة عدم الرضا التي تتملك الجانب الروسي. ما الهدف الذي يمكن أن تحققه روسيا من وراء هذه المعارضة الشديدة لقضية الدرع الصاروخية؟ هل تأمل في تخلي واشنطن عن خططها في هذا الصدد، أم هناك خطط أخرى في ذهنك؟
ـ نحن لم نصرح بأننا مستعدون للالتزام بهذه المعاهدة فحسب ـ نحن في الواقع قمنا بتنفيذها. فنحن جمعنا كل أسلحتنا الثقيلة وراء جبال الأورال وقلصنا عدد قواتنا بنحو 300 ألف جندي إلى جانب قيامنا بخطط أخرى. ولكن ماذا حصلنا مقابل كل هذا؟ نحن نرى الآن أن أوروبا الغربية تمتلئ بمعدات تسلح جديدة وبأعداد إضافية من القوات المسلحة وبأسلحة جديدة في رومانيا وبلغاريا وبأجهزة رادار في جمهورية التشيك وأنظمة صواريخ في بولندا.
ما يحدث على الأرض بالفعل هو نزع أسلحة من طرف واحد وهذا الطرف هو روسيا. نحن نتوقع أن نرى استعدادا من شركائنا في أوروبا لفعل الأمر ذاته الذي تفعله روسيا ولكن بدلا من ذلك هناك ضخ لأنظمة أسلحة جديدة إلى أوروبا الشرقية. ماذا عسانا أن نفعل في مثل هذه الحالة؟
* ولكن هل يمثل هذا النظام الصاروخي خطراً على روسيا؟
ـ عندما نتحدث عن نظام الدفاع الصاروخي ينبغي القول إنه بالطبع ليس ببساطة نظام دفاع صاروخي بما تحمله الكلمة من معنى تقليدي. فعندما يجري تركيبه، فإن هذا النظام سيعمل بشكل أوتوماتيكي بالتوازي مع القدرات النووية للولايات المتحدة الأميركية.
ولأول مرة في تاريخ القارة الأوروبية سيكون هناك عناصر من القوة النووية للولايات المتحدة الأميركية داخل الأراضي الأوروبية، الأمر الذي من شأنه تغيير ملامح الخريطة الأمنية للعالم بشكل كامل. ما هو التفسير الذي يُطرح لوجود هذا النظام؟ إنهم يقولون إنه ضروري للحماية من الصواريخ الإيرانية. ولكنّ هذه الصواريخ غير موجودة في الأساس.
فإيران ليست لديها صواريخ يصل مداها إلى ما بين 000, 5 و000, 8 كيلومتر. فنحن قد أُبلغنا بأن هذا النظام الدفاعي ضد الصواريخ يجري تركيبه للحماية من أشياء هي غير موجودة في الأساس. ومن ثم فإننا نرى أنه لا يوجد أي أساس لوضع هذه النظام في أوروبا الشرقية وبالطبع يتعين علينا الرد على هذه الخطوة.
* ما هو بالتحديد الأمر الذي تريده؟
ـ ما الذي نسعى إليه؟ نحن نريد أن يسمعنا الجميع. نحن لا نستبعد إمكانية أن يعيد شركاؤنا الأميركيون التفكير في هذا الأمر. أنا أعتقد أن كل فرد يجب أن يكون لديه إدراك سليم للأمور. ولكن إذا لم نر هذا الإدراك السليم للأمور، فإنه لا يجب أن يلومنا أحد في حال اتخاذنا خطوات مقابلة، وذلك لأننا في هذه الحالة لن نكون نحن الطرف الذي بدأ سباق التسلح، الذي هو الآن معلق في قارة أوروبا.
نحن نريد أن يعرف الجميع أننا لن نتحمل المسؤولية إزاء أي شيء يحدث جراء ما تفعله الولايات المتحدة. ولن نسمح لأي أحد بتوجيه اللوم لنا في حال قيامنا بتحسين أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية لدينا. إن ذلك النظام الصاروخي يعطي انطباعا وهميا بأنه صُمم لأغراض دفاعية ولكنه في واقع الأمر يتسبب في زيادة إمكانية نشوب صراع نووي. ومن ثم فإن هناك انتهاكا وإخلالا بالتوازن الاستراتيجي للعالم، ومن أجل تحقيق التوازن المطلوب فإننا بحاجة إلى إقامة أنظمة يمكنها اختراق نظام الدفاع الصاروخي الأميركي.
* لماذا كل هذا العناد الأميركي بشأن تنفيذ خطط هذا النظام إذا كان وجوده في الأساس غير ضروري؟
ـ ربما يريدون دفعنا إلى اتخاذ خطوات مقابلة من أجل أن يتجنبوا حدوث مزيد من التقارب بين روسيا وأوروبا. أنا لا أجزم بهذه الإمكانية ولكنني لا أستطيع استبعادها. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإنه سيكون خطأ آخر جديدا.
* هل تريد نشر أنظمة روسية مشابهة في كوبا وفنزويلا؟
ـ لن نفعل هذا. لقد تخلصنا مؤخرا من قاعدتنا في كوبا. والأميركيون الآن يحاولون نشر قواعدهم العسكرية في رومانيا وبلغاريا في أوروبا. نحن تخلصنا من تلك القاعدة لأن سياستنا بعد نهاية الحقبة السوفييتية قد تغيرت، ولأن طبيعة مجتمعنا قد تغيرت. نحن لا نريد أي مواجهة بل نريد تعاونا. نحن لا نريد أي قواعد في ظهر أي طرف نتعامل معه ولا نخطط لفعل أي شيء من هذا القبيل. فهذه قرارات سياسية بحتة.
ترجمة: حاتم حسين
عن «دير شبيغل»
