يتناول هذا الكتاب موضوعاً على جانب كبير من الأهمية نظراً لتداخله الكبير في حياة الناس، فالجميع يتحدثون عن العولمة باعتبارها ظاهرة اتسع نطاقها وانتشرت بحيث باتت تؤثر في المجتمعات المنفتحة والمنغلقة على حد سواء. ويلفت نظرنا في هذا الكتاب عنوانه «انهيار العولمة»، حيث يرى المؤلف أن العولمة قد تفككت نتيجة لعوامل عديدة أبرزها ظهور أفكار وتأثيرات منافسة وعودة النزعة الوطنية الحمائية لدى الدول في الدفاع عن مصالحها في وجه طغيان العولمة. أما مؤلف الكتاب فهو جون رالستون سول، وهو كاتب متعدد المواهب وروائي مرموق في جعبته أربع روايات وتسعة كتب في موضوعات متنوعة، وهو حائز على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة لندن ومتزوج من الحاكم العام لكندا أدريين كلاركسون.

بدأت فكرة كتابه الذي نناقشه بمقال كتبه لمجلة هاربر ونشرته المجلة في عددها الذي صدر في شهر مارس عام 2004 تحت عنوان «انهيار العولمة ونهضة الروح القومية»، ورأى فيها الكاتب أن إيديولوجية العولمة تعرضت لهجوم حركات مضادة، ثم أعاد سول النظر في المقال وطور فكرته في كتابه بعنوان: «انهيار العولمة» الذي يرى فيه أن العولمة قد تفككت إلى أجزاء متنافرة وأن المواطنين يدافعون الآن عن مصالحهم الوطنية، بكل الوسائل الإيجابية والمدمرة أيضاً. وفي رأيه أن العولمة برزت في سبعينات القرن العشرين وكأنها جاءت من لا مكان، أما الآن، وبعد مرور ثلاثة عقود، فإنها تحتوي على بعض النجاحات البارزة وبعض مزالق الفشل المروع، وعلى مجموعة مما يمكن تسميته بدقة جراحا موجعة، وبعبارة أخرى لم تكن لنتاجها علاقة بالحقيقة أو بالحتمية كما ادعى أولئك الذين روجوا للعولمة وآمنوا بها، فقد أخذت تذوب فكرة العولمة الواضحة واندثر معظمها حتى مع احتمال بقاء أجزاء منها، وازدحم الميدان بأفكار وأيديولوجيات وتأثيرات منافسة أخرى تتراوح بين الإيجابي والكارثي. وفي هذا المناخ المضطرب لا نستطيع التأكد مما سيأتي لاحقا.

خطأ رسل العولمة.... أما الشخصيات البارزة التي كانت تنادي بوجوب خضوع الدول القومية للقوى الاقتصادية، أصبحت الآن تقول بوجوب دعم تلك الدول لمواجهة الفوضى العسكرية والكونية. كذلك يرى سول أن رسل العولمة ـ الذين كانوا يلحون بقولهم: خصخصوا.. خصخصوا.. خصخصوا.. فإنهم يقرون الآن بخطئهم لأن حكم القانون الوطني أكثر أهمية. ومما يثير الغضب أن علماء الاقتصاد اختلفوا الآن حول تشديد أو تخفيف السيطرة على الأسواق الرئيسية. وقد أخذت الدول القومية القوية مثل الهند والبرازيل تتحدى حكمة اقتصاديات العولمة الوافدة إليها، ووجدت شركات الأدوية متعددة الجنسيات نفسها وقد اضطرت للانحناء والتلاعب لكي تتجنب الحركات المدنية. وتبين لنا العشرات من تلك الأمثلة أننا نمر بواحدة من تلك اللحظات الفارقة، وتبدو وكأن هناك فراغا غير أنه فراغ مشوش حافل بفوضى عارمة وتوجهات متعارضة، ومع ذلك فإن فترة عدم اليقين هي أيضا فترة الاختيار واقتناص الفرص ومن ثم يتقرر شكل الآتي. فهل سيكون فعلا واعيا؟ أو سيُترك لجماعات المصالح المختلفة لتتخذ لنا القرار؟ أو يترك ببساطة للقدر وللظروف؟. وربما نبع شكل الآتي من مزيج من تلك الاحتمالات الثلاثة. ومن جانب آخر يرى صاحب الكتاب أن جوقة المؤمنين الحقيقيين بمبدأ التجارة الحرة هذه الأيام تنسى أن التجارة الحرة الأوروبية في القرن التاسع عشر كانت في قبضة امبراطوريات هائلة تحكمت ككتلة واحدة بطريقة لم نعد نستطيع تصورها بعد ذلك. وقد دلل العالم الاقتصادي البريطاني الشهير جون منيارد كينز على وجود الاعتماد الاقتصادي المتبادل داخل القارة الأوروبية في عام 1914 بقوله إن ألمانيا كانت الزبون الرئيسي لروسيا والنرويج وهولندا وبلجيكا والسويد والدنمارك، واحتلت المرتبة الثالثة بالنسبة لفرنسا، والمورّد الأول لروسيا والنرويج والسويد والدنمارك وهولندا وسويسرا وايطاليا والامبراطورية النمساوية ـ الهنغارية ورومانيا وبلغاريا، والمورد الثاني بالنسبة لبريطانيا وبلجيكا وفرنسا.

ولم تثن هذه الاستثمارات ولا تلك التجارة هذه الدول من ذبح بعضها بوحشية لا مثيل لها طوال خمس سنوات من الحرب. وبدلا من أن تكون صاحبة أوثق اقتصاد متكامل وأقرب الشركاء التجاريين شنت الحرب ضد بعضها البعض بأسلوب شرير، وبعد ذلك مباشرة توجهت إلى اعتناق أفكار مختلفة مثل الشيوعية والفاشية وأسوأ أشكال العنصرية، ثم قامت بفرض حواجز التعرفة العالية، ثم دخلت في الحرب من جديد، ولم تهتم كثيرا بانتهاء الفرص المتاحة إلا بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية. ويشير المؤلف إلى أن الطبقة المتوسطة قبل عام 1914 كانت ساذجة في قناعتها، وكانت نسبة حجمها في المجتمع أصغر بكثير من الطبقة المتوسطة في الوقت الحاضر غير القانعة بسذاجة ولكن أفرادها هم المتحكمون الأذكياء بمصير الاقتصاد العالمي. وهنا يذكّر المؤلف هؤلاء بأن عليهم أن يعيدوا التفكير في الكلمات القليلة التي استخدمها العالم الاقتصادي البريطاني كينز في وصفه للحدود المفتوحة وهي: «دون جواز سفر أو إجراءات رسمية أخرى». ويختتم جون رالستون سول حديثه بقوله إن أوروبا وحدها هي التي عمدت إلى إلغاء الحواجز الحدودية ولكن في بلاد أخرى أصبح من المألوف أن يتعرض المسافرون إلى تجريدهم من ملابسهم في المطارات وواضح أن المؤلف هنا يشير إلى الإجراءات المتشددة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي بوش في مطارات الولايات المتحدة الأميركية، والمنافذ الحدودية الأخرى. ويضيف سول بقوله: وإذا نظرنا إلى تصاعد إجراءات الأمن عبر الثلاثين سنة الأخيرة ـ وليس منذ 11 سبتمبر فحسب ـ فسوف نجد أن من الممكن زيادة هذا الاتجاه، وأن عددا قليلا من الحوادث عبر الحدود سوف يؤدي بسهولة إلى امتداد كثافة هذا الاتجاه الأمني إلى أوروبا.

ويتفق كثير من المفكرين مع جون رالستون سول فيما قاله عن نشأة العولمة، ومن بين هؤلاء المفكر المصري الكبير الدكتور جلال أمين الذي يذكر في بحث له عن «العولمة ورخاوة الدولة» أنه منذ ثلاثين عاما هبت على العالم رياح شديدة يمكن أن نسميها «رياح العولمة» تماشياً مع الإصلاح الشائع.

ولم تكن هذه بالطبع أول هبّة لرياح العولمة فالحملات الاستعمارية، قديمها وحديثها، صورة من صور العولمة، فالاستعمار يجعل البلاد البعيدة قريبة، ويوسع الأسواق، ويأتي بالمواد الأولية من أقصى أركان الأرض، أي أنه يقصّر المسافات التي تقطعها السلع ورؤوس الأموال والأشخاص بل والأفكار والعادات..

وهذا هو بالضبط معنى العولمة، ولكن تلك الموجات القديمة من موجات العولمة كانت تتخذ في الغالب الأعم صورة احتلال جيوش دولة لأراضي دولة أو أمة أخرى. أما الموجة الحالية، التي بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين، فهي تتسم بما يمكن أن نسميه «تفكيك الدولة».

ويتحدث كتاب سول طويلا عن مشاكل وضع تعريف للعولمة لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل منا إليها سواء كان ذلك من الزاوية الاقتصادية أو السياسية أو التكنولوجية، أو الاجتماعية، إلى غير ذلك، ولكنه ينتهي إلى أنها الشكل الحتمي للتدويل الذي يجري في إطاره إصلاح الحضارة من منظور القيادة الاقتصادية.

والقيادة هنا لا يقدمها الشعب ولكنها تنبع من القوة الكامنة في الاقتصاديات المؤثرة، أي السوق. ولا يكتفي المؤلف برأيه وحده في هذا المجال بل يستعرض عشرات المحاولات لتعريف العولمة التي قام بها أساطين عالم الاقتصاد والفكر في العالم ومن بينهم ألفرد إيكيس الرئيس السابق للمفوضية الأميركية للتجارة الدولية، وأنتوني غيدنس الأكاديمي صاحب النفوذ الكبير على توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، والمفكر الاقتصادي جاغديش باغواتي، وآن كروغر الشخصية الثانية في صندوق النقد الدولي، والكاتب الصحافي توماس فريدمان، وتكاد تجمع تلك المحاولات على أن الاقتصاديات هي القوة الدافعة وراء كل شيء.

رأي عربي

وقد حاولنا من جانبنا أثناء استعراض تلك الصفحات من الكتاب أن نبحث عن رأي عربي في هذا المجال، فوجدنا أن المفكر والباحث الاجتماعي الدكتور جلال أمين يتفق مع وجهات النظر التي تربط بين الاقتصاد والعولمة إذ يرى أن موجات العولمة ـ القديم منها والحديث ـ تكمن وراءها دائما عوامل اقتصادية، ولكن هذه العوامل الاقتصادية التي كان يناسبها في الماضي أن تتم العولمة عن طريق الاحتلال العسكري، أصبح الذي يناسبها الآن هو العولمة عن طريق ما أسماه «تفكيك الدولة». ويفسر المفكر المصري ذلك بقوله إن العولمة في المرحلة الحالية تأتي في أعقاب ما يقرب من ثلاثين عاماً هي العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية .

وقد اتسمت بالتدخل الشديد من جانب الدولة في الاقتصاد والمجتمع سواء في العالم الثالث أو العالم المتقدم اقتصاديا. وكان هذا التدخل من جانب الدولة يتخذ صورة التأميم، أو إقامة أسوار الحماية ضد الواردات والاستثمارات الأجنبية، أو فرض حد أدنى للأجور، وحماية العمال بشتى أنواع الحماية الاقتصادية والاجتماعية، أو إعادة توزيع الدخل لصالح فئات الدخل المنخفض، أو لتحقيق ما يسمى «بدولة الرفاه» في الدول الأكثر تقدما، أي قيام الدولة بتقديم خدمات أساسية للمواطنين دون تمييز وبأسعار في متناول الجميع.

ولكن موجة العولمة الحالية تهدف إلى عكس هذا تماما، إنها ليست إلا فيضانا من رؤوس الأموال والسلع التي تبحث لها عن أسواق جديدة للاستثمار والتصريف في ظل تشبع البلاد التي تنتجها وانخفاض ربحية الاستثمار فيها بسبب تشبع الطلب من ناحية وارتفاع الأجور من ناحية أخرى. وهذا الفائض من السلع ورؤوس الأموال يبحثان عن أسواق جديدة لا تحيط بها أسوار الحماية، كما يبحثان عن فرص جديدة للاستثمار لا تتدخل الدولة فيها فترهقها بالضرائب العالية، وعن عمالة رخيصة لا تتدخل الدولة بحمايتها بفرض حد أدنى لأجورها، أو بوضع الشروط القاسية لفصل العمال.. الخ.

ويا حبذا لو تحققت هذه الفرص الجديدة للاستثمار بشراء مشروعات جاهزة أي «بالخصخصة» فيوفر أصحاب هذه الاستثمارات على أنفسهم أعباء المجازفة بالدخول في محاولات جديدة وأمامهم مشروعات تامة الصنع ورابحة وجاهزة للبيع.

وهذا هو ما يسميه بعض الكتاب «تراكم رأس المال عن طريق الاستحواذ ووضع اليد»، أو ما يمكن أن نسميه «نزع الملكية للمنفعة الخاصة» وهو عكس «نزع الملكية للمنفعة العامة».

ولعلنا نجد في رأي المفكر العربي إجابة عن السؤال الهام الذي يطرحه جون رالستون سول مؤلف الكتاب والذي يقول: «لماذا إذن تهاوت جوانب كثيرة من العولمة وأحلامها؟». ويجيب هو عن تساؤله بأن السبب لا يقتصر على مسألة حالات الفشل أو القوى الخفية للمعارضة، ولكنه يتعداها إلى الشعور المتزايد بأنه حتى إذا تم الوفاء بالوعود المبذولة إلا أنها لم تحقق التأثير المتوقع، ويشرح ذلك في المثال التالي.

وهو: التزايد المتفجر في أسواق المال. وتتركز معظم حركات تبديل العملات الأجنبية في المضاربات لا في الاستثمار أو إيجاد الثروة. وتبلغ الأموال المستغلة في هذا المجال من أربعين إلى ستين ضعفا بالنسبة للتجارة الحقيقية، ولذلك نجد أن المؤيدين الجادين للعولمة مثل باغواتي، والناقدين جزئيا لها مثل الاقتصادي جوزيف ستيغليتس وغيرهما، يشعرون بالذعر مما يعتبرونه سطوا على حركة التجارة الحرة من أجل دعم أسواق رؤوس الأموال المفتوحة. أما بالنسبة للاستثمارات التي قد تصنعها تلك الأسواق في الاقتصادات النامية فإن السؤال الأول الذي يجب طرحه هو: ما هو الهدف الذي سوف تخدمه تلك الاستثمارات؟

ويستطرد المؤلف قائلا: إن أزمة دول آسيا عام 1997 تضمنت 100 مليار دولار استثمرت فجأة من الخارج ثم سحبت فجأة أيضا خلال سنة واحدة ولقد توفر لهذه الدول لمدة طويلة رأسمال محلي لاحتياجاتها الاستثمارية الخاصة بها ولكن اقتصاداتها تعرضت بطريقة مصطنعة للتضخم ثم للانكماش وهي أشبه بدورة الازدهار والركود الكلاسيكية ولكنها دورة فرضت من خارج تلك الدول.

إنتاج الثروة

يضيف الكتاب إلى الأسئلة المطروحة سؤالا يقول المؤلف إن الناس تردده وهو: هل هذه الأسواق تنشئ نموا؟ وإذا لم يكن النمو ينشأ عنها فما الذي تفعله إذن؟ ويرى جون سول أنه ندر أن نوقشت مسألة انعدام وجود علاقة ملموسة بين النمو الهائل في التجارة والنمو المتواضع في الثروة، ولعل تجارة اليوم ليست هي نفس الظاهرة الاقتصادية المماثلة لتجارة النظرية الكلاسيكية.

وربما أنها لا تستطيع إنتاج ثروة كما هو متوقع منها، وربما أيضا أن النسبة العالية للتجارة الجديدة ـ التي هي مجرد تحركات داخل شركات متعددة الجنسيات وعابرة للحدود القومية ـ لا تنتج نفس نوع الثروة التي ينتجها نوع التجارة التقليدية عبر الحدود بين مؤسسات مملوكة كل منها على حدة.

ويتساءل المؤلف: هل من الممكن أن الاستحواذ المفرط للتجارة ـ مع تحرك السلع وأجزاء منها ـ يلهمانا عن إيجاد الثروة؟ وهل من الممكن أن التجارة الناتجة عن حالة توازن اقتصادي واجتماعي معقول، تؤدي عمليا إلى ركود عملية إيجاد الثروة؟

والسؤال الآخر الهام هو: هل من الممكن أن جزءاً كبيراً من نمونا التجاري لا يعود إلى انتعاش الرأسمالية، ولكنه يعود إلى هبوط النزعة الاستهلاكية، ويلاحظ أن كثيرا من المؤرخين الاقتصاديين المحدثين يساوون النزعة الاستهلاكية بالتضخم وانهيار المواطنة لا بإيجاد الثروة والنمو الاجتماعي.. لماذا؟ لأن هناك فائضا مستديما من السلع لا يرتبط بالهيكل الاستثماري ولا بمفهوم القيمة الاقتصادية، ناهيك عن القيمة المجتمعية وهذا بدوره يدحض أفكار المنافسة والميزة النسبية، والعرض والطلب.

ويرى الكاتب أن قياس النجاح بإجمالي الناتج الوطني أسلوب مشكوك فيه في مقاربة الحياة، ولكنك إذا فعلت ذلك فسوف تكتشف أن نمو إجمالي الناتج الوطني بالنسبة للفرد كان متواضعا للغاية طوال العقود الثلاثة الماضية، ووصل إلى أقل من النصف في ربع القرن السابق على العولمة. وقد كان منخفضا بشكل خاص في الدول الديمقراطية الغربية، وكارثيا في كل من أميركا اللاتينية وإفريقيا، ويسترعي الانتباه في أجزاء من آسيا. والمفترض أن التجارة ـ في رأي سول - يجب أن تخدم الاقتصاد وهي ليست هدفا ولكنها خدمة.

وقد تكون هوسا معاكسا للإنتاج، بل وحتى يمكن أن تصبح شكلا غير عادي من أشكال التضخم لسنا معتادين على تحديده ناهيك عن قياسه، وهكذا نتصرف إزاء شيء حادث وكأنه لم يحدث، ولذا فإن كلاوس شواب مؤسس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي يحذر من «الهشاشة» ومن العولمة التي تقود إلى «أول ركود عالمي متزامن فعليا، ومخاطر انفجار اقتصادي داخلي». وفي هذه الأيام يقتبس ألفريد إيكيس ما كان العالم الاقتصادي كينز قد قاله في ثلاثينات القرن العشرين وهو أن «عصر التدويل الاقتصادي لم ينجح بشكل خاص في تجنب الحرب».

ويفسر إيكيس ذلك بقوله إن «التجارة الحرة ـ بالارتباط مع حرية تنقل رأس المال ـ عملت على إثارة الحرب أكثر من حفظ السلام». وفي نفس الوقت أخذت أعداد متزايدة من الشخصيات الرفيعة التي تتحدث خارج الديمقراطيات الغربية، تدير ظهورها للتفسيرات العلمية النظرية للنجاح العالمي مثل الإحصائيات التجارية، وإجمالي الناتج القومي التراكمي، وأخذت تلتفت إلى الناس الحقيقيين الذين يتضح انخفاض مستوى معيشتهم بينما قد يبدو مرتفعا وفق الإحصائيات على الطراز الغربي.

ومثال ذلك أن بعض الناس قد تكون حياتهم في حدودها القصوى لأنهم يعيشون حياة ريفية ولهذا فهم من الناحية الفنية يعيشون على دخل قيمته صفر، ثم يحدث أن ينتقلوا إلى الحضيض في مناطق حضرية بائسة حيث المياه القذرة وسوء الصرف الصحي، والعزلة هي القاعدة. وفي مثل هذه الأمكنة، يصبح دخل قيمته حتى دولار واحد قابلا للقياس، وهكذا فإن نظم القياس الغربية تذكر أن هؤلاء الناس تحركوا خطوة إلى الأمام وإلى الأعلى.

إعادة تعريف الفقر

إن ما يظهر من فحص هذا النوع من الحقيقة الواقعة هو أن التعميم بشأن التجارة الحرة أو حتى بشأن الحمائية ليس مفيدا جدا، فكل منها يأتي في أشكال متعددة، ولكل منها استخداماته في ظروف بعينها وفي مدى زمني معين، والآن نجد أن المفكر الأردني الأمير حسن بن طلال يطالب بإعادة وضع تعريف «للفقر على ضوء الرفاه الإنساني وليس وفقا للدخل النقدي».

وقد ابتكرت ماليزيا معيارا هو نموذج «النمو مع الإنصاف». وفي بوتان يعملون وفقا لنموذج اسمه «إجمالي السعادة الوطنية»، أما الصين فإنها تركز الآن على منهج «نوعية الحياة» بدلا من إجمالي الناتج القومي. ويتساءل المؤلف عن السبب وراء كل هذه الآراء والمحاولات ويجيب عن ذلك بقوله إن الإجابة السهلة هي أنه لا واحدة من تلك الدول القومية ترى نفسها أحد مخافر النظرية الاقتصادية الغريبة.

وتعتبر كل منها نفسها مركزا ذا احتياجات ملحة وضرورية لا علاقة لها بالعولمة، ولكن علاقتها الكلية هي بتقوية الدولة القومية بالتركيز ـ في مثل حالة الصين ـ على انفجار مستويات الفقر ولكن بأسلوب أكثر اتزانا وملاءمة للظروف المحلية. ويستشهد صاحب الكتاب بعبارة ذكرها ك. ناتوار سينغ وزير الخارجية الهندي وهو يصف وجهة نظر بلاده في إصلاحاتها الاقتصادية.. تقول العبارة: «نحن لدينا وطن ضخم جدا بحيث لا يستطيع أحد أن يعاملنا بعنف.

ونحن فخورون جدا بحيث لا نصبح تابعين لمعسكر ما، ومستقلون جدا بحيث لا نصبح من الزبائن». وعندما طُلب من الزعيم الروحي أغاخان أن يصف ما يراه في العالم لم يركز حديثه على العولمة بل على ما وصفه بأنه «عالم يعاني من النزاعات والصراعات» كما ركز كلامه أيضا على «فشل الديمقراطية باعتبارها أكبر مشاكلنا» وذكر أن «أربعين في المئة من الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة دول فاشلة ديمقراطيا» وتلك أكبر مخاطرة نواجهها، ولكي نواجهها هناك شرطان مسبقان يجب توافرهما: الأول هو «مجتمع مدني صحي»، والثاني هو «النزعة الجمعية».

ويضيف جون رالستون سول قوله إنه إذا بدا لك أن كل هذه الأصوات وكأنها أصداء معادية للغرب، فعليك الإنصات إلى ما يقوله فاكلاف هافل الأديب التشيكي والزعيم السياسي وبطل ديمقراطية حديثة يدعم بقوة السوق الحرة ويطالب أوروبا «بأن تكون ملهمة لبقية أنحاء العالم الأخرى في مواجهة مخاطر العولمة».

فكيف ذلك؟ يقتبس المؤلف هنا ما يذكره فاكلاف هافل إذ يقول: «لست افهم لماذا تعتبر زيادة إجمالي الدخل القومي أهم معبود للبعض. إن المعيار هنا ليس ذلك الإجمالي بل هو مدى جودة نوعية الحياة وهو أمر مختلف». فإذا تركنا أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية والمدافعين عنها، عندئذ سنجد أن العالم يبدو شديد الاختلاف وليس مجرد شيء جميل بالمعيار الذي يعتمد على السوق.

ويثير المؤلف بعد ذلك السؤال التالي: إذن.. هل فشلت أيديولوجية التعولم تماما؟ ويرى في إجابته أن المسألة برمتها هي أن الناس العاديين لا يرون علاقة متوازنة بين الوعود والمحصلة، ولا يلمسون تحقق نتيجة فائقة النجاح، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى أن تزايد مطلب تحقيق ثروة اقتصادية يعادل تقليصا متزايدا في أموال المنفعة العامة، وعدم استقرار مفرط في حياة الأفراد، وتؤدي الزيادة الكبيرة في الثروة الورقية، والنمو الهامشي في الثروة الحقيقية، وتقليص القدرات العامة والاجتماعية، إلى ظهور شكل جديد من التضخم وتبخر النقود من خلال تسلط الاقتصادات الاستهلاكية بشكل مبالغ فيه، وإلى سلسلة طويلة من أنشطة سوقية خيالية تزينها أسواق المال وعالم من عمليات الاندماج والاستحواذ.

وفي وسط هذا الشعور المتنامي بالضيق مع تطور الأحداث يذكّرنا رجال أكثر حساسية مثل سامي كوهين مدير مركز الأبحاث الدولي في فرنسا بقوله إن «تراجع الدولة ليس عاما أو قابلا للنقض» حتى في داخل أوروبا. ويرجع أحد الأسباب الرئيسية إلى أن حركة العولمة أبرمت أعدادا ضخمة من الاتفاقيات الدولية الملزمة ذات التوجه نحو السوق على المستوى الكوني، ولكنها لم تبرم اتفاقية ملزمة واحدة في المجالات الخاصة الإنسانية مثل ظروف العمل، ونظام فرض الضرائب، وعمالة الأطفال، والرعاية الصحية ـ الخ. إن انعدام التوازن العميق في حركة العولمة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى إثارة أشكال غير متوقعة من الفوضى.

إضاءة

إن الناس العاديين لا يرون علاقة متوازنة بين الوعود والمحصلة، ولا يلمسون تحقق نتيجة فائقة النجاح، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى أن تزايد مطلب تحقيق ثروة اقتصادية يعادل تقليصا متزايدا في أموال المنفعة العامة، وعدم استقرار مفرط في حياة الأفراد.

وتؤدي الزيادة الكبيرة في الثروة الورقية، والنمو الهامشي في الثروة الحقيقية، وتقليص القدرات العامة والاجتماعية، إلى ظهور شكل جديد من التضخم وتبخر النقود من خلال تسلط الاقتصادات الاستهلاكية بشكل مبالغ فيه، وإلى سلسلة طويلة من أنشطة سوقية خيالية تزينها أسواق المال وعالم من عمليات الاندماج والاستحواذ..

عرض ومناقشة: صلاح عويس