نعيش متألمين بين الاستسلام لأهواء الاستهلاك والخوف المتزايد من تهديدات تضيق الخناق علينا. التكهنات القاتمة للعلماء وتلك التي يضعها بعض المحللين السياسيين تشير إلى عناصر ثابتة جديدة: التغير المناخي، وتآكل النظام البيئي، التنمية غير المستدامة، الإرهاب والانتشار النووي. ويبدو أن هذه العجلة المسننة غير قابلة للتوقف وليس من المتوقع أن تتوقف في المستقبل.
ما الذي فعلناه بحياتنا وحياة من سيأتون بعدنا؟ إن الذين يقررون في المستويات العليا حتى لا يطرحون ذلك لكن نظرتهم ثابتة لا تتزحزح بشأن الاحتفاظ بسلطتهم العابرة والدعوة القادمة للانتخابات، التي يضبط الكل نفسه على إيقاعها وخدمة لها أما الأنباء المشؤومة فإنها تبقى مستبعدة من برامجهم مقصوصة الأجنحة. هل نحن عميان أم أننا لا نريد مواجهة المستقبل، الذي يبدو مثيرا للجدل بصورة متزايدة وخاضعا لمجموعة من العناصر التي لم نعد نسيطر عليها؟
لا بد من قراءة وسائل الإعلام القادرة عن التعبير عن نفسها بشكل حر للتحذير من أن تراكم السحب الكثيفة التي تعتم أفقنا: 70 مليون افريقي سيتعين عليهم الهرب من مناطقهم الساحلية المغمورة بالمحيط وبلدان بأكملها ستبتلعها المياه وأخرى ستتصحر بالكامل وسيتعين على سكانها البحث عن ملجأ لن يرغب أحد بتقديمه لهم أما نادي النخبة ممن يملكون أسلحة نووية فسيفتح لأعضاء جدد وتحت ذرائع أمنية أو أي ذرائع أخرى سيكون بمقدور أي منهم القيام بمهام استباقية.
خطر صناعة التسلح لم يعد حكرا على الدول، سواء كانت «شريرة» أم «خيرة» ولا على التيارات المتشددة غير العقلانية، بل بات يأتي أيضا من انتشار وسائل للتصفية سهلة الوصول إلى عصابات المافيا والجماعات المتشددة.
إمكانية استخدام أسلحة جرثومية أو قادرة على التأثير على فرد أو حي أو مدينة لم تعد موضوعا يخص شركات الإنتاج السينمائي الكبرى ويهدف إلى الإثارة ـ كم مرة تأملت انهيار ناطحات السحاب النيويوركية قبل الـ 11 سبتمبر المفجع ـ ليتحول إلى منظور واقعي.
أما الغازات التي ألقيت في قطار أنفاق طوكيو أو «القنابل القذرة» التي تم تجريبها حتى الآن ولم تحقق سوى القليل من النجاح، فإنها مجرد أنبوبة اختبار لأعمال أكبر وأكثر فتكا. ومرة أخرى تمدنا هوليوود بالنموذج : ابتزاز مجموعات من عتاة المجرمين أو المتشددين لمدينة خائفة ولا حول لها ولا قوة.
البولونيوم 210 يفتح مرحلة جديدة - قفزة نوعية، كما قال الماركسيون قبل ثلاثة عقود- في الخيال الجماعي الذي يقوم على أساسه الرعب. متصفحو الانترنت يعرفون ذلك أفضل من أي شخص آخر، فالعديد من المواقع على الشبكة تقدم إجابات مسهبة على أسئلة حول هذا العنصر الكيميائي إثر تصفية الجاسوس السابق ليتيفينكو.
وسيتبعها خلال وقت وجيز أفلام وألعاب فيديو، فالصناعة المكرسة لاستهلاك الأطفال لن تتأخر في استغلال منجم الذهب هذا. إذا أصبتني بأشعة فسأصيبك بأشعة مماثلة. واليوم الذي يهرب فيه الأسلوب الجديد للإبادة من المختبرات وينتشر في مكان ما من العالم، فإن الخبر سيباغتنا من دون أن نندهش كثيرا وذلك لأن هذا المشهد بات جزءاً من تعايشنا مع الإرهاب البصري.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن «كلارين»
