يقول ريتشارد بيرل إنه لم يفعل شيئاً يستوجب الاعتذار. في عام 1998، كان بيرل من ضمن الموقعين على خطاب مرسل من كبار المحافظين الجدد يحثون فيه الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون على استخدام القوة إذا اقتضى الأمر من أجل الإطاحة بصدام حسين. وعندما كان رئيسا لمجلس سياسات الدفاع في الفترة من 2001 إلى 2003، كان بيرل في الوقت نفسه يشغل منصب مستشار وزير الدفاع حينها دونالد رامسفيلد، وذلك أثناء تلك الفترة المحورية التي شهدت التخطيط لحرب العراق.

ولكن بيرل يقول عن إحدى العواقب الوخيمة التي تمخضت عن تلك الفترة والتي تمثلت في حرب أدت بحسب بعض التقديرات إلى إزهاق أرواح 655 ألف عراقي وأكثر من 3400 جندي أميركي، وتسببت في زيادة حالة الكره العالمي لأميركا إلى جانب ما خلفته أيضا من حالات انتحارية في عدد من المدن الأوروبية ـ يقول بيرل عن جميع هذه العواقب إنه غير نادم على ما فعله.

يقول بيرل: «أنا سأتحمل المسؤولية عما قلته وهو أنه كان ينبغي لنا التخلص من صدام حسين. أنا مستعد للدفاع عن موقفي هذا حتى اليوم. ولكن هل أتحمل المسؤولية عن الأخطاء التي وقعت بعد ذلك؟ أنا لم يكن لي للأسف أي دور فيما حدث».

ويأتي رفض بيرل تحمل المسؤولية عما وقع من عواقب كارثية بسبب أفكاره عن العالم- يأتي في وقت تبدو فيه قوى المحافظين الجدد في تراجع. فمؤخرا تم إرغام بول وولفويتز، الذي يمثل إحدى أكبر القوى التي وقفت وراء الحرب في العراق ـ أُرغم على الاستقالة من البنك الدولي في فضيحة تعلقت في الظاهر وبشكل رسمي بمنحه راتبا مبالغا فيه لعشيقته، ولكن في حقيقة الأمر كانت مرتبطة بحالة الضجر التي أحاطت به بسبب دوره في الحرب على العراق.

في يناير الماضي، أُدين سكوتر ليبي، الرئيس السابق لمكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، بتهمة الحنث باليمين وتعطيل العدالة. وفي نوفمبر، أطيح برامسفيلد من رئاسة البنتاغون بعد فضيحة خسارة الجمهوريين للانتخابات.

وفي ضوء حقيقة أن ثلثي الأميركيين معارضون للحرب، فإنه قد يُغفر للمرء التفكير في أن بيرل قد يبحث عن غطاء يخفي وراءه أخطاءه. في وقت سابق هذا العام، نشرت مجلة «فانيتي فير» مقالة تشير فيها إلى أن بيرل الذي كان أحد أكبر الداعين لحرب العراق، كانت لديه وجهة نظر مخالفة بعد الحرب. فعندما سُئل عما إذا كان من الممكن احتواء صدام بشكل مختلف عن التدخل العسكري، فرد بالقول: «ربما كان بوسعنا فعل هذا». ها هو ذا أحد المحافظين الجدد يتراجع.

لكن كما يتضح مما هو آت من المقابلة، فإن هناك مسافة بين هذا الاعتراف السريع وبين وجود أي تغير حقيقي في قلب وفكر بيرل، حيث لا يوجد دليل حقيقي واحد على أن الكارثة التي وقعت في العراق قد أدت ببيرل إلى التشكيك في وجهة نظر الصقور التي هي أصل فكره طوال حياته والتي على أساسها ترتكز حياته المهنية في واشنطن.

فإذا سألت بيرل عن وجهة نظره في حل المشكلة القائمة مع إيران، ستجد أن إجابته تتماشى بشكل عجيب مع أسلوبه المعتاد للجميع. فهو ليس متأكدا بعد من أن الوقت قد حان لشن هجوم على إيران. غير أنه يقول: «ولكن إذا كان السبيل الوحيد لمنع إيران من الحصول على قوة نووية هو تدمير منشأة نووية أو أكثر من المنشآت التي ستمنح لها هذه القوة، فأنا لا أرى أن هناك أي أساس أخلاقي يمنع تبني هذا الخيار».

كما أنه يود أن يرى الولايات المتحدة وهي تعمل بشكل نشط من أجل زعزعة الاستقرار في إيران عن طريق دعم خصوم النظام الحاكم هناك ويقول إن الدروس نفسها يمكن أن تنطبق على سوريا.

ويعد بيرل تلميذا لأحد صقور الحرب الباردة وهو السيناتور الديمقراطي سكوب جاكسون. فقد قضى أعواما عديدة يعمل كموظف في مجلس الشيوخ الأميركي قبل أن يحصل على مركز مساعد وزير الدفاع إبان إدارة رونالد ريغان. وأثناء عهد ريغان اكتسب بيرل شهرته كشخص يفضل ممارسة نفوذه بعيدا عن أعين الجماهير. والأمر الذي يضايقه بشكل كبير هو أن الناس لا تزال تطلق عليه لقب «أمير الظلام» داخل دهاليز واشنطن. ويُطلق عليه أيضا لقب أحد المحافظين الجديد، وهو الوصف الذي لا يحبه أيضا حيث يدّعي أنه لا يزال مسجلا ضمن الديمقراطيين.

وقد انتقل بيرل إلى مجلس سياسات الدفاع في عام 1987 وبقي هناك حتى العام 2004 عندما أُجبر على الاستقالة وسط اتهامات بأنه استغل منصبه في محاولة التأثير على عملية بيع شركة اتصال لإحدى الشركات الصينية.

غير أن كل هذه الأحداث، ناهيك عن الفوضى الدامية في العراق، لم تدفع بيرل إلى إعادة تقييم تفكيره. يقول بيرل في هذا الصدد : «أنا لم أفقد أي صديق من أصدقائي بسبب هذه الأمور». ويرفض بيرل أن يقول ما إذا كان قد فقد القدرة على النوم، بدلا من ذلك يواصل بيرل التمسك بآرائه بشأن الأحداث في العراق. وحتى بعد أن تبين أن صدام حسين لم يكن لديه أي أسلحة دمار شامل، وهو الإدعاء الذي مثل أحد الأسباب التي بُنيت عليها حرب العراق، فإن بيرل يصر على أن قرار إسقاط صدام بالقوة كان هو القرار الصائب. يقول بيرل في هذا الشأن: «حتى بعد التيقن من أن بعض المعلومات التي وردت لنا لم تكن صحيحة، فإن الحكم الذي تمثل في أن صدّام كان يمثل تهديدا خطيرا كان حكما صائبا».

وعلى الرغم من كل الأدلة التي تثبت العكس، بما فيها تحريات الكونغرس التي تم خلالها التحقيق في سوء استخدام الإدارة للمعلومات الاستخبارية في المرحلة التي سبقت الحرب، إلا أن بيرل يواصل إصراره على أن صدام حسين كان صديقا لتنظيم القاعدة.

ووسط كل هذا الزخم، يأتي بيرل بأكثر تصريحاته إدهاشا: «واشنطن لم تفعل ما يكفي لدعم الزعماء العراقيين في المنفى من أمثال أحمد الجلبي». غير أن بيرل في السياق نفسه يبتعد عن توجيه لوم مباشر إلى الرئيس بوش أو إلى أصدقائه من الصقور الذين كانوا دائمي السفر معه . فهو لا ينحي باللائمة على تشيني أو المسؤولين السابقين في وزارة الدفاع أو بول وولفويتز ودوجلاس فيث.

وبعد إعفاء المفكرين الذين زرعوا بذور الحرب والمدنيين الذين كانوا بمثابة أدوات في عملية التخطيط، يصب بيرل جام غضبه على الجنرال تومي فرانكس، القائد السابق للقوات في العراق. يقول بيرل: من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها فرانكس كان فشله في إيقاف عمليات النهب والسرقة التي اندلعت في اليوم الذي سقط فيه النظام العراقي. ويضيف: «لدى تقدير سيئ لفرانكس. أعترف بهذا. أعتقد أنه غبي. وقد تولد لدي هذا الانطباع منذ اللحظة الأولى التي قابلته فيها».

وعما إذا كان الشعب العراقي حاليا أفضل حالا مما كان عليه إبان حكم صدام، يقول بيرل: «هذا سؤال وقتي ونسبي للغاية». فهو يرى أن الأمر يجب أن يُترك لجيل قادم ليحدد ما إذا كانت حياتهم الآن أفضل مما كانت عليه إبان حكم صدام حسين أم لا.

ترجمة: حاتم حسين ــ عن: «غارديان»