يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرض الكتاب، سياسة التضليل التي مارسها المؤولون الأميركيون فيما يتعلق بالوضع في العراق ويدلل على ذلك بتصريحات الدوائر الرسمية في واشنطن يوم عودة بريمر من العراق التي أفادت بأن الأخير ترك العراق بلداً «حراً يتمتع بالسيادة» في تعارض تام مع الواقع، الذي بات أسوأ حتى من أيام صدام حسين.

ثم خلف بريمر في بغداد جون نغروبونتي الذي جاء وفي جعبته حلاً للفوضى في العراق يطلق عليه المؤلف اسم «الخيار السلفادوري» الذي يقضي باستخدام المرتزقة في تنفيذ عمليات قتل واغتيال قذرة لضرب عمليات المقاومة المسلحة، ولكن ما حدث في واقع الأمر هو انقلاب السحر على الساحر حيث اشتعلت العراق بنيران حرب أهلية لم تسلم منها القوات الأميركية ومازالت تدفع ثمن ذلك.

في يوم 28 يونيو عام 2004 أعلنت وسائل الإعلام عن عودة بول بريمر من بغداد بصورة نهائية بعد أن أنجز ـ كما قيل ـ مهمته كحاكم أو مسؤول أول عن عراق ما بعد الغزو والاحتلال. يومها صرحت دوائر واشنطن الرسمية أن بريمر ترك العراق «حرا يتمتع بالسيادة» في حين أن الحقيقة ـ يؤكد مؤلف الكتاب في الفصل 16 أن بريمر خلّف من ورائه بلدا يعاني من زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن ومن فوضى ضربت بأطنابها في كل بقعة ومكان.

ثم يدلل المؤلف على ما يذهب إليه في هذا الصدد حين يقول: كان رحيل بريمر نفسه شاهدا بليغا على تلك الحقيقة، فقد تعيّن على الرجل أن يرتّب لمغادرته على متن طائرة لم تكن مخصصة له ـ بل كانت مخصصة للصحافة، وبعدها يستقل طائرة أخرى من بغداد قائلا لمساعديه: خلّصوني، أخرجوني من هنا والأفضل أن أخرج وأنا مازلت سليما قطعة واحدة (دون أشلاء).

أما حكاية «السيادة» التي رفعوا شعارها في العراق فلم تكن في عرف المؤلف أيضا (ص 281) سوى تبرير أو نقلة أو تكئة يتذرع بها مسؤولو واشنطن لإلقاء اللوم على عاتق المسؤولين العراقيين في بغداد كلما تفاقمت الكارثة التي هي في الأصل من صنع الحرب هناك.

وعندما غادرت العراق طائرة بريمر السرية زادت الهجمات المعادية لأميركا يوما بعد يوم، فيما تدفقت أيضا على العراق جموع المرتزقة، التي باتت منذ ذلك الحين تعمل رسميا في ظل حصانة تحميها، وفي غمار هذا الموقف كذلك شرعت فصائل عراقية عديدة في تكوين ميليشيات خاصة بها، ومعها بدأ الحديث عن حرب أهلية.

وفي سياق هذه التطورات وصل إلى بغداد ليكون خليفة لبريمر، السفير جون نغروبونتي الذي لم يكن غريبا على مشاهد القتل والدمار بل كسرت أسنانه في زمان مضى حين كان يعمل تحت رئاسة كيسنجر أيام حرب فيتنام.

المندوب الجديد

جاء المندوب الأميركي السوبر الجديد إلى بغداد، ولم يكن طاقم حراسته يضم سوى مرتزقة شركة بلاكووتر الذين كانوا يوفرون الحماية للرجل شخصيا وللسفارة الأميركية في العاصمة العراقية التي تورمت لتصبح أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم كله حيث يعمل فيها نحو 4 آلاف موظف منهم 2500 مسؤول عن الأمن ومنهم نحو 500 من أخصائيي المخابرات المركزية.

ولم تمض 6 أشهر على وجود المندوب الأميركي الجديد في عاصمة الرشيد إلا ونشرت مجلة نيوزويك تحقيقا خطيرا يفيد بانتهاج أسلوب جديد لهزيمة المتمردين في ساحة العراق، يعود ـ كما قالت المجلة الأميركية ـ إلى سابق خبرة نغروبونتي شخصيا في تنفيذ «العمليات القذرة» في بقاع من أميركا الوسطى. هذا الأسلوب المستجد حمل اسما له إيقاع خاص

وهو: الخيار السلفادوري يعود الأسلوب ـ كما يوضح المؤلف أيضا ـ إلى الإستراتيجية السرية التي كانوا يتبعونها أيام الرئيس الأسبق رونالد ريغان عندما كانوا يخوضون المعارك ضد مقاتلي اليسار في حرب العصابات في السلفادور مع أوائل عقد الثمانينات.

وعندما شعرت أميركا وقتها أنها سوف تخسر المواجهة مع متمردي السلفادور عمدت واشنطن إلى تمويل وتعزيز قوات «وطنية» يقال إنها ضمت ما كان يعرف باسم «فرق الموت» أو «كتائب الاغتيال» المكلفة باصطياد وقتل قادة المتمردين والعناصر المتعاطفة معهم. وكانت الفكرة في بغداد تقضي بتكرار تجربة السلفادور بالنسبة للعناصر المتمردة أو الرافضة.

الحرب القذرة

لهذا لم يكن صدفة، كما يضيف مؤلفنا ـ أن يجتمع نغروبونتي، لدى وصوله إلى بغداد بعدد من المسؤولين الأميركيين وكانوا من المخضرمين الذين خاضوا هذا النمط من «الحروب القذرة» التي خاضتها الولايات المتحدة في أميركا الوسطى ومنهم «جيمس ستيل» الذي كان من مسؤولي واشنطن المشرفين على ما يصفه المؤلف بأنه «حملة واشنطن الوحشية المضادة للمتمردين في السلفادور خلال الثمانينات».

ولذلك ينصح المؤلف بعدم المقارنة بين وضع العراق وأحوال فيتنام بل المقارنة في رأيه «ينبغي أن تكون مع السلفادور حيث نصّبوا حكومة يمينية تؤازرها الولايات المتحدة فكان أن حاربت حركة تمرد اليسار في حرب بدأت في عام 1980 ودامت زهاء 12 عاما.

في هذا السياق وصفت «نيوزويك» خيار السلفادور الذي ألمحنا إليه فقالت: إن معناه استخدام واشنطن مجموعات من قوات خاصة تقدم المشورة والدعم والتدريب للقوات العراقية وربما لعناصر مختارة من قوات البشمرجة الأكراد وميليشيات الشيعة من أجل استهداف مسلحي السُنة والمتعاطفين معهم.

غيوم الشبهات

بعدها أحاطت غيوم الشبهات بسلوك السيد نغروبونتي الذي لم تطل إقامته كثيرا في بغداد بل استدعاه الرئيس بوش في فبراير 2005 ليعينه مديرا أول لدوائر الاستخبارات القومية، وقبيل مغادرته العراق ارتفع صوت سكوت ريتر مفتش الأسلحة ومبعوث الأمم المتحدة السابق إلى العراق محّذرا من أن «خيار السلفادور» سوف يستخدم ليكون دافعا يحفز على اشتعال حرب أهلية شاملة في البلاد.

والحق أن العراق اشتعل بكثير من الأحداث الدموية التي جمعت بين مقاومة الاحتلال وتصفية حسابات داخلية ونتائج الانفلات الأمني إلى حد منذر بالفوضى، وكان طبيعيا أن تعود بلاكووتر لتفقد عددا من عناصر المرتزقة المنخرطين في سلكها والمتعاقدين معها، وكان ملزما أن تصدر الشركة بيانا يعرب عن الأسف لمقتل 7 من «أصدقائنا نتيجة لهجمات شنها الإرهابيون في العراق».

ومن هنا فنحن نرفع صلواتنا ودعواتنا لمواساة أفراد عائلاتهم، الخ وفي نفس السياق تعمد الخارجية الأميركية إلى إصدار بيان مواز على لسان مساعد الوزيرة يشيد فيه بالمرتزقة الذين لم يتورع عن وصفهم بأنهم «الرجال الشجعان الذين جادوا بحياتهم لكي ينعم العراقيون دوما بالحرية والديمقراطية التي ننعم نحن بها في أميركا».

ويومها كان لا بد من تسليط الضوء على نشاط المرتزقة في أرض العراق. وما كان للصحافيين أن يفوتوا الفرصة كي يتساءلوا بإلحاح لإماطة اللثام عن أسرار هذا النشاط، فأحاطوا بالناطق باسم الخارجية الأميركية وسألوه عن حكاية المقاتلين المتعاقدين، وماذا يفعلون، وما هي مهامهم ومن الذي يمولهم، الخ وما كان من الناطق الرسمي الدبلوماسي إلا أن أجاب بوضوح شديد: حقيقة الأمر أن شركات الأمن الخاصة ظلت مشاركة في عملية العراق منذ بدايتها.

ولهذا فالأمر ليس بجديد، والشاهد أن ثمة حاجة للأمن لدرجة لا يستطيع تلبيتها موظفو حكومة الولايات المتحدة ولهذا فنحن نتوجه إلى الشركات الخاصة لسد هذا الفراغ، وتلك ممارسة شائعة وليست بمقصورة على العراق وحده. بل نحن نفعلها على مستوى العالم كله.

ثم اختتم الناطق باسم الخارجية تصريحاته قائلا: أتصور أننا لا نأتي بجديد حين نقول إن الأحوال هناك وصلت إلى حد لم يعد يكفل الأمن ولا السلامة لدى التجول في جميع أنحاء البلد في جميع الأوقات. وعليه سوف تستمر الحاجة إلى الأمن، وبالذات إلى هذه النوعية من الحماية (المكفولة بواسطة القطاع الخاص).

هكذا أكد المسؤول الرسمي استمرار الحاجة إلى الأمن، إلى هذه النوعية من الحماية. وهذا التصريح ـ يؤكد مؤلفنا ـ نزل بردا وسلاما على مكتب شركة بلاكووتر، أو حسب تعبير المؤلف جاءت كلماته كنغمات موسيقى شنفت أسماع مديريها ومرتزقتها وكأنما جاء مصرع المتعاقدين لديها ليترجم نفسه إلى مزيد من دعم قضية المرتزقة.

كيف لا وقد شهد اليوم الذي قتل فيه سبعة من مرتزقة بلاكووتر ـ اجتماع مجلس الشيوخ في واشنطن واعتماد مبلغ 81 مليار دولار كان محل خلاف بين الكونجرس والإدارة لحساب استمرار الحرب في كل من أفغانستان والعراق.

وبهذا ارتفعت كلفة تلك الحرب وفواتيرها إلى 300 مليار دولار وطبعا زادت الاعتمادات من الأموال الطائلة الموجهة لحساب قضايا «الأمن والحماية» في العراق. وفي هذا الإطار أيضا انتعشت المكاسب وشرعت شركة المرتزقة، أو إمبراطورية بلاكووتر كما يحرص المؤلف على وصفها (ص 295) في الاستعداد لكي تضم إلى صفوفها عضوا جديدا من أركان إدارة الرئيس بوش.

حكاية المفتش العام

لم تكن هذه الشخصية أقل من المفتش العام للبنتاغون الذي يصدر قرار تعيينه بالطبع من رئيس الجمهورية شخصيا ويعمل بوصفه أكبر وأهم مشرف أميركي مسؤول عن التعاقدات العسكرية التي يتم إبرامها لخدمة المجهود الحربي في كل من أفغانستان والعراق.

هنا يعمد المؤلف إلى تقديم هذه الشخصية اسما وتوصيفا لا في سياق الفصل السابع عشر بل منذ الحروف الأولى من سطور الفصل المذكور الذي يقدمه المؤلف تحت العنوان التالي: جوزيف شميتز: جندي مسيحي وإذا كنا نفهم توصيف الجندي على أن الرجل له صلة بالسلك العسكري.

فنحن نفهم «التوصيف الآخر لا على أنه إشارة إلى العقيدة المسيحية» بكل سماحتها ودعوتها إلى المحبة بين البشر، بل هي إشارة من جانب المؤلف إلى اليمين المحافظ المتعصب في دوائر الحزب الجمهوري الذي ما برح يستغل العقيدة الدينية وسيلة لتحقيق مآرب السيطرة والنفوذ في العالم، وكأنما يرفع الإنجيل على أسّنة الصواريخ وفوق صهوة الدبابات.

وفي خدمة تعاقدات البنتاغون، بكل أموالها الطائلة وميزاتها المليارية. أمضى السيد شميتز السنوات الثلاث ما بين عامي 2002 و 2005 في منصب المفتش العام للبنتاغون حيث أثبت ـ كما يؤكد المؤلف ـ أنه خادم مطيع للإدارة الحاكمة خلال فترة توليه هذا المنصب الحساس إذ كانت فترة اجتاحتها أوبئة الفضائح (والانحرافات).

ويضيف المؤلف في هذا الصدد: وعندما استقال، كان الرجل متهما من جانب الجمهوريين (في الحكم) والديمقراطيين (في المعارضة) بأنه ظل يسبغ حمايته على المقاولين المتعاقدين المطلوب الإشراف والرقابة عليهم فيما كان يسمح بسريان تيار خبيث من الفساد المستشري في أطناب إدارته، بكل ما يجسده ذلك من محاباة ومحسوبية لصالح المحظوظين، ولدرجة أن انفلتت الأمور من عقالها بغير رقابة ولا إشراف ولا يحزنون.

وفي غمار هذه البيئة من الفساد انتعشت واغتنت شركات المقاولات العسكرية، ومؤسسات المرتزقة من كل صنف ونوع، ويهمنا منها شركتان: أولهما شركة هالبيرتون وكان رئيسها ـ كما ألمحنا هو السيد تشيني الرجل الثاني في البيت الأبيض أما الثانية فكانت بلاكووتر ـ شركة قوات المرتزقة التي يدور من حولها محور هذا الكتاب.

الغنيمة السائغة

باختصار شديد وغريب يقول المؤلف (ص 298): بحلول يونيو عام 2005 كانت وزارة الدفاع قد أبرمت «عقودا أساسية، مع 77 من الفعاليات والمؤسسات الخاصة في العراق بالذات وبلغت قيمة هذه التعاقدات نحو 1, 42 مليار من الدولارات.

سؤال عابر: كم نالت شركة هالبيرتون بالذات من هذه الغنيمة السائغة؟

إجابة موثقة: وطبقا لما أفاد به مراجعو حسابات البنتاغون، حظيت شركة هالبيرتون وحدها بنسبة 52 في المئة من مجمل قيمة تلك التعاقدات.

المهم أن شميتز وجد نفسه رهن التحقيقات، وانتهى الأمر بحمله على الاستقالة من منصبه الخطير ـ ولكن قبيل تقديمه الاستقالة كان قد كشف عن نيته في العمل لدى «برنس» رئيس شركة بلاكووتر إياها. ومع ذلك فقد عمد إلى تزويق هذه النية بإعلان أنه يريد أن يواصل خدمة إدارة بوش بالذات بوضع خبرته لدعم حربها على الإرهاب.

لكن المؤلف من جانبه يفند هذا التزويق الإعلامي مؤكدا أن الرجل سبق له أن قدم خدماته إلى أكثر من إدارة ـ منذ حقبة ريغان السابقة وأنه كان يعمل لدى نيوت غنغريتش رئيس مجلس النواب (الجمهوري) الأسبق حيث خيمت سحابات من شكوك الفساد والتربح على الرجلين في مجال التعاقدات العسكرية بالذات.

وبعيدا عن حكاية خدمة الوطن أو خدمة الإدارة الحاكمة، يواصل المؤلف تحليله لتلك الصلة، أو هذا الغرام المتبادل كما نسميه بين جوزيف شميتز وبين شركة بلاكووتر لنشاط المرتزقة العسكريين. على صفحة (299) وما بعدها يوضح مؤلفنا أن ثمة رابطة تصل بين الرجل وبين كبار مسؤولي بلاكووتر.

هي رابطة التطرف الديني ـ الأصولي ولدرجة أن هناك من يذهب إلى أن الرجل كان ينطلق من موقف التعصب الديني الذي استبدت به فكرة «تنفيذ سيادة القانون تحت كلمة الرب» وقد تجلت هذه النزعة الخطيرة في خطابات شميتز خلال خدمته في البنتاغون حيث عمد إلى استخدام شعارات بلاغية تجسد وتدعو إلى التفوق المسيحي.

ليس صدفة إذن أن تحوي السيرة الذاتية للسيد شميتز ما يفيد اعتزازه الشديد بعضوية منظمة رهيبة مساندة للتعصب على الصعيد الدولي هي «فرسان مالطة» التي يصفها المؤلف بأنها ميليشيا مسيحية تألفت في القرن الحادي عشر قبل الغزوة الصليبية الأولى تحت شعار «الدفاع عن الأراضي التي يستولي عليها الصليبيون من المسلمين»، بل كان شميتز يفخر بمثله الأعلى وهو المرتزق الروسي القديم البارون فون شتوبن الذي حارب في صفوف جورج واشنطن وكان شميتز يصفه بأنه، «أول مفتش عام في بلادنا».

وكر الجوارح

في هذا السياق أيضا، يسهب المؤلف (ص 300 وما بعدها) في متابعة تفاصيل عن «عش الزنابير» أو «وكر الجوارح» الذي كان يقوم على تسيير دفة الحرب في العراق بالذات: كيف كان الثلاثي وولفويتز، نائب وزير الدفاع، ريتشارد بيرل، رئيس مجلس التخطيط الاستراتيجي ثم جوزيف شميتز المفتش العام للبنتاغون يصدرون عن روح من التعصب عقائديا أو عرقيا لا يهم وهم يجهزون للحرب على بغداد.

وكيف كانت الشفافية غائبة والمكاسب تنهال على أطراف التعاقد من مرتزقة القطاع الخاص، فما بالك وقد كان يتعاون معهم الجنرال ويليام بوكين المسؤول عن استخبارات البنتاغون، الذي لم يكن ليتورع عن التجوال في مواقع شتى، مرتديا زيه العسكري، حيث يلقي خطبا وكلمات وتصريحات في مناسبات دينية (بلغت في شهر واحد 23 مناسبة) لا لكي يحض على التسامح أو المودة بين البشر ولكن لكي يطلق لسانه بالتهجم والتشهير والتعريض بالإسلام وبالمسلمين.

نبرة تحذير

تودعنا فصول هذا الكتاب على إيقاع نغمة تجمع بين نبرة الحزن والتحذير مما ما آلت إليه الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط التي يصفها المؤلف (ص 344) بأنها بعد انقضاء الحرب الباردة أصبحت أكثر «أسواق العالم شرهاً إلى المعدات الحربية وخدمات التدريب العسكري» والمعنى أن المنطقة لم تعد تعتمد بين أولوياتها أجندة التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية ولا طبعا التطور التعليمي أو النهضة الشفافية أو الحضارية.

أما إيقاع التحذير فيتمثل فيما يسهب المؤلف أيضا في استعراضه بصدد الأنشطة الذي أصبحت تضطلع بها مؤسسات الارتزاق العسكري من القطاع الخاص. لا تقتصر خطورتها على مجرد تأجير السواعد والخبرات.

والبيريهات والخوذات الانتهازية من أجل ممارسة الاغتيال أو التدمير، زادت خطورتها بفعل ما أصبحت تحظى به من مشروعية حتى من النخب المحترمة إعلاميا أو فكريا وفي بلد ما زال يجسد القوة العظمى الوحيدة في عالمنا وهو الولايات المتحدة. لقد عمدت بلاكووتر ـ كما يؤكد أو ينبه المؤلف إلى تمديد أنشطتها لتشمل قارة أفريقيا.

وفيما كان العراق هو بوابتها إلى آسيا والشرق الأوسط والعالم العربي، فإن بوابتها الحالية إلى قارة أفريقيا اسمها السودان، ودارفور على وجه الخصوص، ولقد بلغ أمر الاقتناع بأنشطتها الحد الذي جعل إعلاميا كبيرا في قامة «تيد كوبل» يكتب مقالا في نيويورك تايمز (عدد 22/ 5/ 2006) بعنوان «بنادق للإيجار».

والغريب أن يعبر كوبل عن نمط خاص من الإعجاب بهذه القوى المرتزقة لأنها تحل مشاكل ولأنها تعفي الحكومات من تبعات ومسؤوليات لا قبل لها بتحملها. كاتب آخر هو ماكس بوت كان أكثر مباشرة وصراحة فقد نشر في عموده الشهير بجريدة لوس أنجلوس تايمز مقالا حول قضية دارفور، وبدلا من أن يحلل المشكلة موضوعيا فيعطي كل ذي حق حقه، إذا بالكاتب يختار عنوانا لمقاله يقول بغير مواربة: حل مشكلة دارفور: أرسلوا المرتزقة.

يحاول عّرابو الارتزاق أن يصوروا أنفسهم وجنودهم على أنهم قوم يراعون الأخلاق ولا يبتغون سوى الإصلاح ـ ولدرجة أن وصفوا أنفسهم يوما بأنهم أقرب إلى جماعة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة وقد شهدتها العصور الوسطى في أوروبا وما برحت إطارا مرجعيا للفروسية وأخلاقها في الوجدان الغربي.

لكن الفرق كبير، وهو فرق بين فرسان كانوا يخفّون لنجدة المستضعفين، وبين مرتزقة يستخدمون أحدث آلات الحرب والدمار، ويودون لو تحّول العالم إلى ما يصفه المحافظون الجدد بأنه أوضاع الفوضى الخلاقة، ثم يندبون أنفسهم إلى ما يتصورونه إصلاحا لهذه الفوضى في حين أن يقتصر همّهم وينصبّ اهتمامهم على الملايين والموارد وإدامة إشعال الحروب والفتن، عرقية وقطرية وطائفية ومذهبية، حيث الشر كله يأتي من جراء ذلك الشعار الخطير المستجد على مفاهيم العالم، شعار خصخصة الحرب التي يسلمون مقاليدها إلى عناصر هي أبعد ما تكون عن تحمل المسؤولية، وهو ما ظل يحذر منه مؤلف هذا الكتاب.

عرض ومناقشة: محمد الخولي