كانت تلك هي اللحظة الحاسمة في المناظرة التي أقيمت في ساوث كارولينا. في ضوء الاستماع إلى رون بول، العضو الجمهوري بمجلس النواب، وهو يوضح أسباب الاستياء العربي والإسلامي من الولايات المتحدة، بما في ذلك 10 أعوام من القصف بالقنابل والعقوبات التي أودت بحياة ألوف العراقيين بعد حرب الخليج، انفجر رودي غولياني عمدة مدينة نيويورك السابق قائلاً: «إن ذلك التصريح يبدو لي، بصفتي أحد الذين عايشوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، غريباً حقاً حيث يشير إلى أننا تسببنا في وقوع الهجمات لأننا هاجمنا العراق.
لا أظن أنني سمعت مثل هذا الكلام من قبل على الإطلاق، وقد استمعت إلى تفسيرات سخيفة للغاية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. إنني أدعو عضو مجلس النواب لسحب ذلك التعليق وإخبارنا بأنه لم يعن ذلك بالفعل». كان التصفيق لتوبيخ رودي مدوياً، وكان ذلك هو الخطاب القصير لتلك الليلة وأفضل لحظة في حملة رودي.
وبعد انتهاء المناظرة، في برنامج «هانيتي آند كولمز» الذي تبثه قناة «فوكس نيوز»، جاءت إحدى تلك اللحظات المبهجة في البث التلفزيوني الحي. ففيما كان مايكل ستيل المتحدث باسم الحزب الجمهوري يقول إنه ربما يتوجب منع بول من عقد مناظرات مقبلة، أظهرت الأرقام المتواصلة للأصوات والتي أدلى بها مشاهدو قناة «فوكس نيوز» أن رون بول، الذي حصل على 30% من هذه الأصوات، كان الفائز في المناظرة.
بدا الأخ هانيتي مذعوراً ومرتبكاً بسبب الأصوات التي كان يجري إرسالها عن طريق الرسائل النصية القصيرة بالألوف إلى قناة «فوكس نيوز» قائلة إن بول قد فاز، ويليه رومني، يتبعهما رودي في المرتبة الثالثة، ثم يأتي على مبعدة ماكين الذي لم يحصد سوى 4% من الأصوات.
عندما قال رون بول إن منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانوا «هنا لأننا كنا هناك»، فإنه لم يكن يوجد عذراً لقتلة أكثر من 3 آلاف أميركي. وإنما كان يفسر جذور الكراهية التي جاء منها القتلة الانتحاريون. ولكي لا ننسى، فإن أسامة بن لادن كان، إبان عهد ريغان، ضمن المجاهدين الذين كنا نساعدهم عندما كانوا يخوضون قتالاً لطرد الجيش الأحمر من أفغانستان. أرسلنا إليهم صواريخ ستينغر، ومدافع هاون إسبانية، وبنادق قناصة. وساعدوا بالفعل على إخراج الروس من أفغانستان.
إن ما كان رون بول يحاول الإجابة عنه تمثل في السؤال التالي: ما الذي حول الحلفاء الذين ساعدناهم إلى جماعة من الكارهين للولايات المتحدة. هل السبب يكمن في حقيقة أنهم اكتشفوا أن لدينا حرية التعبير أو فصل الكنيسة عن الدولة. هل يكرهوننا بسبب هويتنا؟ أم أنهم يكرهوننا بسبب أفعالنا؟
قال أسامة بن لادن في إعلانه للحرب في التسعينات إن وجود القوات الأميركية في الأراضي العربية والقصف الأميركي بالقنابل والعقوبات التي فرضت على الشعب العراقي المسحوق، والدعم الأميركي لاضطهاد إسرائيل للفلسطينيين كانت هي الأسباب التي دفعته ومعاونوه لإعلان الحرب ضدنا.
وفي موضع آخر، ذكر سايكس بيكو، الصفقة البريطانية الفرنسية السرية التي خدعت العرب الذين خاضوا قتالاً من أجل حريتهم إلى جانب لورنس العرب وكوفئوا بربع قرن من الهيمنة الاستعمارية البريطانية الفرنسية وإذلالها لهم. يجمع الكافة تقريباً على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، على الرغم من فظاعتها، لم تكن إرهاباً فوضوياً. بل كانت إرهاباً سياسياً، مورس بدافع سياسي وهدف سياسي.
ما الذي يعتقد رودي غولياني أنه الدافع السياسي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
هل لأننا طيبون وهم أشرار؟ هل لأنهم يكرهون الحرية التي ننادي بها؟ هل الأمر بتلك البساطة؟
يقول رون بول إن أسامة بن لادن مسرور لأننا غزونا العراق.
أليس الرجل محقاً؟ إن الولايات المتحدة الآن مقيدة في حرب عصابات دامية في الشرق الأوسط ومكروهة بصورة متزايدة في البلدان العربية والإسلامية حيث كنا يوماً ما محط إعجاب كبير باعتبارنا الأمة الأولى والأعظم في العداء للاستعمار. هل يعتقد أحد أن أسامة غير سعيد بما يجري لنا في العراق؟
من بين المرشحين العشرة الذين كانوا على المسرح في ساوث كارولينا، كان دكتور بول الوحيد الذي عارض الحرب. وهو الوحيد الذي صوت ضد الحرب. ألم تبرهن الأعوام الخمسة الماضية على صحة موقفه، حيث يتفق ثلثا الدولة معه بأن الحرب كانت خطأ، والصحافيون والساسة يميناً وشمالاً يدمدمون معترفين: «لو علمت فقط ما أعرفه الآن..».
يلمح رودي إلى أن رون بول لم يكن متسماً بالنزعة الوطنية عندما أشار إلى أن العنف ضدنا من الشرق الأوسط قد يكون ردة فعل للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. هل كان الرئيس هوفر لا يتسم بالنزعة الوطنية عندما كتب إلى أصدقاء له، بعد يوم من كارثة بيرل هاربر، قائلاً: «أنتم وأنا نعلم أن غرس الدبابيس باستمرار في الأفاعي المجلجلة أدى في النهاية إلى أن تلدغ هذه البلاد».
حدثت كارثة بيرل هاربر فجأة، ولكنها أيضاً جاءت من التاريخ المضطرب للعلاقات الأميركية اليابانية الذي يعود إلى 40 عاماً مضت. وهجوم هتلر على بولندا كان عدواناً سافراً. ولكن لنفهم الأمر، فإن علينا أن ندرك ما حدث في فرساي ـ بعد أن ألقى الألمان أسلحتهم بموجب نقاط ويلسون الأربع عشرة. إننا لا نسوق المبررات، ولكن علينا أن نفهم.
إن رون بول ليس مناظراً في التلفزيون. ولكن في ذلك المسرح في كولومبيا، كان يقول حقائق لا يمكن احتمالها. وعلى نحو يمكن فهمه، فإن الجمهوريين لا يريدون عودته، ليقول للبلاد كيف أن الحزب تخبط في هذه الحرب غير الشرعية.
وبكل المعايير فقد القوا خارج المناظرة الرجل الوحيد الذي كان محقاً منذ البداية فيما يتعلق بالعراق.
ترجمة: كوثر علي عن«أنتي وور»

