عاشت الولايات المتحدة حالة من الصخب واللغط، مؤخرا، عندما وصف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر السياسة الخارجية للرئيس الأميركي جورج بوش بأنها الأسوأ على امتداد التاريخ الأميركي. فقد خالف كارتر بهجومه هذا قاعدة غير مكتوبة في الدولة الأميركية تنص على عدم تعرض الرؤساء السابقين بالنقد للرئيس الذي لا يزال يتولى مقاليد الأمور.
غير أن الرئيس الأسبق الذي يبلغ من العمر الآن 82 عاماً أخرج كل ما في جعبته من نقد ضد الإدارة الحالية بعد نشر كتابه اللاذع الأخير عن الشرق الأوسط والذي حمل نقدا شديد القسوة ضد الإدارة الأميركية الحالية. في الثامن عشر من فبراير الماضي التقيتُ جيمي كارتر في مكتبه في مركز كارتر في ولاية أتلانتا. وبينما كان يجلس وفي يده فنجان قهوة، ممسكا بأطراف أنامله كتاب أطلس فاخر الطباعة، تحدث الرئيس الأسبق عما وصفه بسجل بوش المريع في الشرق الأوسط.
وعندما بدأنا الحديث عن كتابه الجدلي الأخير: «فلسطين: سلام لا فصلاً عنصرياً» أكد كارتر على وجهة نظره التي تفيد أنه بسبب سياسة الإدارة الأميركية الحالية، فإن الوضع في «أكثر مناطق العالم توترا» هو الآن أسوأ من أي وقت مضى. وأعرب كارتر عن وجهة نظره المتمثلة في أن الحرب في العراق قد كرست من حالة الكره العربي للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وقوّت من شوكة إيران وأعطت حماس وحزب الله متنفسا جديدا.
وقال كلينتون: «هذه هي أول إدارة أميركية منذ قيام إسرائيل كدولة لم تبذل أي جهد حقيقي في من أجل عقد محادثات سلام». وأضاف لي الرئيس الأسبق: «لم يشهد يوم واحد على امتداد السنوات الست والأشهر الخمسة الماضية أي محادثات سلام، الأمر الذي خلّف حالة من الفراغ ، ومثل هذه الفراغات دائما ما تكون حبلى بالعنف».
وقد سألتُ كارتر ما إذا كان هناك أي رد من جانب البيت الأبيض على كتابه أو آرائه التي أعرب فيها عن امتعاضه من السياسة الخارجية التي يتبناها الرئيس الأميركي الحالي، وأجاب بالقول: » لا. لم ينبس أحد ببنت شفه». وفي اليوم التالي لمقابلتي مع كارتر، فوجئ العالم بهجوم مزدوج جديد من ذلك الرجل الذي انتهيت لتوي من مقابلته.
ففي محادثة هاتفية مع إحدى الصحف في أركنساس، طُلب من كارتر أن يقارن بين سياسة بوش الخارجية وسياسة ريتشارد نيكسون. فأجاب بالقول: «فيما يتعلق بالتأثير السلبي على صورة الدولة في جميع أرجاء العالم، فإن الإدارة الحالية هي الأسوأ في التاريخ».
وفي اليوم ذاته سأل الإعلامي جيمس نوتي الرئيس كارتر خلال برنامج إذاعي عن رأيه في العلاقة التي تربط بين بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير. فأجاب بالقول إنه يعتقد أنها علاقة «ملعونة، علاقة ولاء أعمى تنطوي على قدر كبير من الخنوع والذل».
ولكن بعد يومين من مقابلتي لكارتر التي قال فيها إن أحدا من البيت الأبيض لم يعلق بأي شكل على النقد الذي وجهه للإدارة، ظهر نائب المسؤول الإعلامي عن البيت الأبيض توني فراتو وخرج على لسانه أول تصريح رسمي من الإدارة بشأن ما قاله كارتر: «أتصور أنه شيء محزن أن يذاع على الملأ النقد الشخصي المتهور الذي جاء على لسان الرئيس كارتر». وأضاف فراتو أمام جمع من رجال الإعلام في كروفورد في ولاية تكساس: «أتصور أنه يثبت أنه يخرج عن السياق بشكل متزايد عندما أدلى بهذه التعليقات».
هل كارتر محب صارخ للحقيقة، أم إنه شخص مندفع خطير يقول ما لا تحمد عقباه؟ لقد بدا أن المحافظين الجدد قد راق لهم هذا الوصف الثاني لكارتر. فقد قال رئيس تحرير صحيفة «ذا نيو ريبابليك» مارتي بيريتز، عندما صدر كتاب كارتر الأخير عن فلسطين في أميركا العام المضي، إن الرئيس الأسبق الذي اشتهر بقيادته لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل في حقبة السبعينات، «سيسقط في قاع التاريخ باعتباره كارها لليهود». وأضاف بيريتز لاحقا: «بجانب خطاياه السابقة، فإن كارتر يعد كذابا أشر».
أما في أعين مؤيديه فإن المفاجأة الوحيدة التي انطوت عليها الأيام السابقة تمثلت في أنه قد بدا أنه قد تراجع عن بعض تصريحاته خلال مقابلة تلفزيونية، حيث ظهر شبه نادم على مخالفته لقاعدة غير مكتوبة في أميركا تفيد بأن الرؤساء السابقين لا ينبغي لهم انتقاد الرئيس الموجود في الحكم تحت أي ظرف.
فقد قال جيري رافشون، المدير الإعلامي السابق لكارتر عندما التقيته لاحقا: «أتصور أنه تراجع بعض الشيء عن تصريحاته». وأضاف رافشون: «السياسة الخارجية فقط؟! ماذا عن السياسة الداخلية؟ ماذا عن كل شيء؟ هناك اعتقاد خاطئ يفيد بأن الرؤساء السابقين ليس من المفترض فيهم انتقاد أي إدارة حالية.
غير أنه خرج من الحكم منذ 30 عاما الآن وهو يعتقد أن البلد بالفعل يُهان على أيدي هذا الرئيس الحالي. لماذا يتراجع عن بعض تصريحاته؟ إنني أتساءل عن ماهية القانون الذي يضع أكماما على فمك كي لا تتحدث؟» في مذكراته التي حملت عنوان: «الحفاظ على العهد«، قال كارتر إن الفترات التي كان يقضيها في مكتبه وهو يفكر في قضية السلام في الشرق الأوسط كانت تفوق أي فترة مخصصة لأي قضية أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية.
وفيما جلستُ معه في مقر مركز كارتر، سألته عما إذا كان استمر على قدر الاهتمام نفسه بقضية الشرق الأوسط بعد أن غادر منصبه. ورد قائلا: «حسنا. منذ أن غادرت البيت الأبيض فإن الوقت الذي قضيته في دراسة الوضع في السودان فاق ما قضيته في دراسة أي قضية أخرى في الشرق الأوسط.
وذلك لأنني لا أستطيع الذهاب إلى الشرق الأوسط إلا في حال توافر تصريح من البيت الأبيض للقيام بمثل هذا الأمر. يا إلهي. وعادة فإن مثل هذا التصريح يكون فجائيا في أقل توصيف». يقول كارتر هذه العبارة وتظهر على وجهه ابتسامة ساخرة. غير أنه يؤكد على أنه يظل منغمسا في قضايا الشرق الأوسط بشكل دائم ومتواصل بدليل أنه راقب الانتخابات الفلسطينية الثلاثة.
وعندما ظهر في الأسواق ، حقق كتاب كارتر أفضل المبيعات. وفي المقابل شنت رابطة مكافحة التشهير التي يقودها الموالي للوبي الإسرائيلي أبراهام فوكسمان حملة دعاية ضخمة في جميع الصحف الأميركية الكبرى لمهاجمة الكتاب، متهمةً مؤلفه بمعاداة السامية.
يقول كارتر إنه لم يفاجأ من الضجة والبلبلة التي أحدثها استخدامه لفظ «عنصرية» في عنوان الكتاب. ودافع كارتر عن استخدامه لهذه الكلمة بالقول: «هذه الكلمة هي أكثر الكلمات دقة لوصف الوضع في فلسطين. العنصرية تحدث عندما يعيش شعبان في أرض واحدة ويجري الفصل والتمييز بينهما بشكل قهري بحيث يسيطر أحدهما على الآخر ويضطهده. وهذا هو ما يحدث في فلسطين. ومن ثم فإن استخدام الكلمة في محله.
كما أنها تستخدم بشكل واسع النطاق وبشكل يومي في إسرائيل». وإذا كان التركيز على الكلمة نفسها قد انتقص من قدر الاهتمام الذي من المفترض أن تناله القضايا الأخرى التي يناقشها كارتر بالتفصيل من خلال كتابه، وهو الأمر الذي يعترف به كارتر نفسه، إلا أن هذا الأمر قد تم تعويضه بحقيقة أن الكلمة تسببت في توجيه كل هذا القدر الكبير من الاهتمام الداخلي وكذلك الخارجي إلى القضية»، على حد تعبيره.
حوار: غابي وود
ترجمة: حاتم حسين عن: «أوبزرفر»
