يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى سعي شركة بلاكووتر إلى التنصل من مسؤولياتها عن تعويض أهالي القتلى في صفوف المرتزقة انطلاقاً من الإدعاء بأنهم إنما يشكلون جزءاً لا يتجزأ من القوات الأميركية الإجمالية العاملة في العراق وأنهم يخدمون الأمن القومي والمصالح العليا لبلادهم.

ويؤكد على أن الشركة لجأت إلى استخدام محامين مشهود لهم بالقدرة والكفاءة من أمثال كينيث ستار الذي اشتغل لحساب الجمهوريين في قضية مونيكا لوينسكي وذلك من أجل التملص من دفع التعويضات لعائلات الضحايا، هذا فضلاً عن استخدامها مرتزقة من بلدان أخرى غير الولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن أحد الأشخاص الذين قاموا برسم مخططات الرد على هجمات 11 سبتمبر يشغل الآن منصب نائب الرئيس في شركة بلاكووتر.

من الطبيعي أن يشتغل العسكريون المأجورون أو المرتزَقة (بفتح الزاي) لدى شركة جشعة ومنحرفة و،. مرتزِقة (بكسر الزاي). هذا هو بالضبط الوضع الذي اتسمت به العلاقات والظروف التي جمعت بين شركة «بلاكووتر» وبين المتعاقدين الأربعة الذين لقوا مصرعهم في أحد شوارع الفلوجة في العراق في يوم 31 مارس من عام 2004. يومها حارت البرية في تحديد هوية هؤلاء القتلى وفي التعرف على الهدف الذي كانوا يقصدونه أو المهمة التي كانوا مكلفين بها وخاصة في مدينة يقول عنها مؤلف الكتاب انها معروفة بعدائها الشديد للوجود الأجنبي بكل ما يحفه من أفراد وآليات وعملاء ودعايات. صحيح أن أجهزة البروباغاندا الأميركية خفت إلى إنقاذ الموقف، أو هكذا كانت تتصور حين تحدثت عن بطولة هؤلاء الأربعة، وبالتالي عن عنف الإرهاب ووحشية التطرف الذي قوبلوا به في أرض العراق.

رسالة بريمر

بل ان الدوائر الأميركية المسؤولة خفت بدورها إلى تعزية عائلات هؤلاء «المتعاقدين» الأربعة لدرجة أن يتنازل بول بريمر حاكم العراق المطلق أو فلنقل الفعلي فيكتب رسالة إلى عائلة زوفكو التي ينتمي إليها واحد منهم يقول فيها: أود أن أبلغكم شخصيا ان أبنكم «جيري» كان يخدم قضية يحفها المجد والكرامة، كان «جيري» إنسانا مخلصا ومتفانيا ولسوف يظل مصدر إلهام بالنسبة لنا في العراق سواء كنا مدنيين أو عسكريين.

إنه لم يبخل بالمرتخص أو الغالي وهو يلبي نداء الواجب، وأرجو أن تطمئنوا تماما إلى أن السلطات ما برحت تبذل قصارى جهدها للتحقيق في ملابسات مقتل «جيري» ولن يهدأ لنا بال حتى ننزل أشد العقاب بالمسؤولين عن ارتكاب هذه الفعلة الشنعاء مع هذا كله فقد تعقدت المسألة بفعل القضايا التي رفعها أمام المحاكم أهالي المتعاقدين الأربعة.

خاصة وقد ارتأى المحامون أن شركة بلاكووتر قصرت حينما استرخصت الدفع بمتعاقديها إلى خط النار، بالأدق خط المقاومة المندلع في الفلوجة، وبدلا من أن تجهز لهم سيارة مدرعة تحميهم من رصاص المقاومين بعثت بهم في سيارة مدنية من نوع الدفع الرباعي بحيث أصبحوا مع السيارة لقمة سائغة أو صيدا ثمينا، كما يقول مؤلف الكتاب. وكان ذلك في مقابل مبلغ 5, 1 مليون دولار استطاعت الشركة توفيرها فضاعت حياة هؤلاء الرجال المرتزقة الأربعة إلى الأبد.

هجوم على السيادة

لم تتورع السيدة الناطقة باسم عائلات المتعاقدين ، بالأدق المرتزقة، عن توجيه أقسى صنوف التقريع بل والهجوم على شركة بلاكووتر التي قصّرت ـ كما تصوروا ـ في تزويد عناصرها بالحماية اللازمة وهم يدلفون إلى مواقع العدو! وبلغ الهجوم حد السباب المقذع في بعض الأحيان لدرجة أن وصفوا شركة بلاكووتر بأنها لا تفهم سوى لغة المال، وإنها تفتقر إلى أي قيم أو أخلاق. وأن القائمين على أمرها (ص 229) ليسوا سوى بغايا، بمعنى أنهم داعرات الحرب.

وعندما وجدت القضايا طريقها إلى المحاكم دفعت الشركة من جانبها بأن المسألة لم تكن مجرد تعاقدات ولا حالات فردية، وإنما القضية أعمق من ذلك بكثير، قالت مؤسسة الارتزاق العسكري ان المسألة في جوهرها تتصل بقدرة رئيس الولايات المتحدة على إدارة دفة السياسة الخارجية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأكدت أن مرتزقة بلاكووتر كانوا عناصر عسكرية يعترف بها البنتاغون بوصفهم «جزءا لا يتجزأ من القوة الإجمالية» للولايات المتحدة والتي تشكل القدرة القتالية للبلاد في آلاف المواقع، وبالتالي فإن مقاضاة بلاكووتر هي في التحليل الأخير هجوم لا يجوز على السيادة التي يتمتع بها القائد الأعلى.

هكذا سعت شركة المرتزقة إلى نقل القضية من مجرد طلب تعويضات مالية لقاء تقصيرها في حق موظفيها وعدم وفائها بشروط التعاقد المبرمة معهم ـ إلى حيث وصلت بالمسألة إلى مستوى الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد ـ ولم يكن غريبا من ثم أن تحشد الشركة، بحكم نفوذها والإمكانات المتاحة لها 5 مكاتب لأكبر وأشهر المحامين للترافع عنها.

وفي شهر أكتوبر عام 2006 قامت بتوكيل محام كبير له شهرة نجومية في طول الولايات المتحدة وعرضها، اسمه «كينيث ستار» الذي سبق واشتغل لحساب الجمهوريين في القضية التي رفعوها ضد الرئيس كلينتون واستهدفوا بذلك محاكمته وعزله وسط ملابسات قضية مونيكا لوينسكي الشهيرة. وما كان من «ستار» إلا أن دفع أمام المحكمة العليا بأن شركة المرتزقة وما في حكمها من مؤسسات القطاع الخاص في المجال العسكري «تتمتع بالحصانة الدستورية» أمام المحاكم.

ورغم أن المحكمة العليا رفضت هذا الدفع القانوني، ورغم أن الشركة عمدت من جانبها إلى رفع قضية مضادة تطالب عائلات القتلى بتعويض(!) بمبلغ 10 ملايين دولار باعتبار أن عقودهم تنص على عدم المقاضاة بأي حال من الأحوال.

إلا أن القضية ما زالت منظورة أمام المحاكم وما زالت الآراء مختلفة بشأن نتائجها ـ بين رأي يقول إن خطورتها تكمن في إمكانية أن ترسي سابقة قانونية في مجال يشكل أوتارا حساسة بالنسبة للمصالح العليا ـ وبين رأي آخر يقول إنها كفيلة بكشف جيوش المرتزقة وإزاحة ستار الأسرار عن تلك التجمعات والمؤسسات التي تجني أرباحا طائلة من تجنيد عناصر الشر وعصابات الإجرام لخوض حروب وتنفيذ عمليات تلحق أفدح الأضرار بأرواح المدنيين وممتلكاتهم في بقاع شتى من خارطة العالم.

سقوط طائرة المرتزقة

على أن مسلسل القضايا المرفوعة ضد شركة المرتزقة العسكريين لم يتوقف، فقد رفعوا ضدها قضية تعويض لا ضد انفجار سيارة في العراق هذه المرة ولكن ضد سقوط طائرة تملكها بلاكووتر في شعاب الجبال في أفغانستان.

في هذا السياق يشير المؤلف (ص 239) إلى أن شعبة الطيران في شركة بلاكووتر ـ واسمها خطوط برزدنتال الجوية، وهي بالطبع مؤسسة طيران مرتزقة بدورها كانت تسيّر طائرات إلى حد كبير خارج نطاق شبكات الرادار الحكومية الرسمية وأن هذه الطائرات الخصوصية كانت تتردد على مطارات معينة هي تلك التي تستخدمها أيضا وكالة المخابرات المركزية الأميركية وكان طياروها يزودون بتصاريح مخصوصة وممهورة بخاتم «سري».

ورغم أن شركة برزدنتال هذه كانت تعلن عن طلب طيارين من ذوي الخبرة إلا أن الطيران فوق جبال وهضاب أفغانستان كان أمرا من الصعوبة بمكان مهما كانت خبرة الطيار المرتزق، فما بالك أن قلة من مطارات أفغانستان هي التي كانت تحوي أبراجا للمراقبة من أجل إرشاد الطيارين وخاصة في عمليات الهبوط والإقلاع، ولم يكن ثمة أبراج من هذا القبيل سوى في مطارات كابول العاصمة بالإضافة إلى مطاري باغرام وشنداد. من هنا يقول طيارو برزدنتال: إنك ما أن تبتعد بطائرتك عن مدار الرادار 20 ميلا حتى تصبح في حال من الاعتماد الكامل على نفسك دون أي إرشاد أو توجيه.

والحاصل أن سقطت طائرة المرتزقة في أفغانستان وقتل طياروها وبادرت عائلاتهم إلى رفع قضايا تعويض في وجه دفاع شركة بلاكووتر بأنها محمية ـ بالأدق محصّنة ـ ضد أي من هذه القضايا شأنها في ذلك شأن القوات الرسمية المسلحة سواء بسواء.

البداية من فيتنام

في هذا السياق أيضا يحدثنا المؤلف عن تاريخ النوع المريب الذي يطلق عليه الوصف التالي: شركات الطيران السرية. ويوضح الكتاب أن هذا النمط من الشركات يرجع استخدامه من جانب حكومة واشنطن إلى أيام حرب فيتنام، وبالتحديد إلى الفترة الزمنية الواقعة بين عامي 1962 و1975 ثم يقول المؤلف: خلال تلك الفترة ظلت وكالة المخابرات المركزية تستخدم بطريقة سرية الطائرات المملوكة لشركة «إير أمريكا» (وكانت الشركة تمارس في الوقت نفسه نشاطها التجاري العادي).

وكان هذا الاستخدام السري يستهدف القيام بعمليات استخبارية لا يعرف بها أحد، وبلغت دقة هذه العمليات وخطورتها الحد الذي كان يخشى معه إثارة الرأي العام لو كشفت أسرارها، وقد تركزت هذه الاستخدامات السرية الخطيرة للطيران على منطقة لاوس في جنوب شرقي آسيا.

لكن مع حلول عام 1975 بدأت لجنة السناتور تشيرش الشهيرة تحقيقاتها في عمليات أو في تجاوزات وكالة المخابرات المركزية ومدى مشروعية الأساليب التي تتبعها الوكالة العتيدة في جمع المعلومات، فكان أن توقفت هذه العمليات الجوية البالغة السرية. لكن التوقف كان مؤقتا في كل حال، ولم يدم سوى نحو ربع قرن إلى أن تولت الحكم إدارة جورج بوش الابن، وحدثت واقعة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

وفي أعقابها ـ يضيف المؤلف ـ بدأت المخابرات المركزية برنامجا يستخدم شبكة من الطائرات الخاصة، وكان بعضها يستخدم بالذات من أجل نقل وتوصيل العناصر المشتبه بها في رحلات تتم تحت ظلام السرية الشديدة إلى أقطار أخرى كانت تضم شبكة من السجون ومراكز الاعتقال السرية (ص 255) في نفس الموضوع من الكتاب يحيل المؤلف إلى ما كشفت عنه الصحفية «دانا بريست» في مقال نشرته في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 4/12/2005 بشأن نقل المعتقلين المشتبه بهم لكي يتم التحقيق معهم في أقطار بمنطقة الشرق الأوسط، بعيدا كما يؤكد المؤلف «عن قوانين الولايات المتحدة وعن الإجراءات القانونية الأصولية».

وربما جاء هذا الإجراء مخالفا لما سبق ودعا إليه الكونغرس الأميركي في قانون أصدره في عام 1998 وأعلن فيه «أن سياسة الولايات المتحدة تقضي بعدم طرد أو تسليم أو إكراه أي شخص على العودة إلى بلد حيث تتوافر أدلة وجيهة تحمل على الاعتقاد بأن الشخص المعني سيكون في خطر التعرض للتعذيب».

ويواصل المؤلف قائلا: إن هذا التشريع تعرض للتجاوز أو التجاهل بعد 11 سبتمبر في ظل «المنظور الجديد» الذي اعتمدته إدارة بوش، وأصبح يقضي بتجريد المشتبه بأنهم إرهابيون من حقوقهم الأساسية، وهذا الخط من التفكير أجاد توضيحه بكل دقة ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي بعد 5 أيام من أحداث سبتمبر عندما أعلن في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن. بي. سي.»

قائلا: إن على الحكومة أن تعمل على أساس الجانب المظلم بمعنى أن كثيرا من الإجراءات التي ينبغي اتخاذها في هذا المضمار يجب اتخاذها بغير جلبة أو «شوشرة» من الأساس مع استخدام المصادر والوسائل المتاحة لوكالات مخابراتنا، هذا هو العالم الذي يعمل أولئك الناس في إطاره وعليه فلا غنى بالنسبة لنا عن استخدام أي وسيلة تحت تصرفنا لتحقيق الغايات التي نستهدفها.

تصريحات مريبة

يلاحظ المؤلف فورا أن هذه الأفكار والتصريحات وجدت صداها في تصريحات أخرى أدلى بها المسئول رقم 3 وقتها في وكالة المخابرات المركزية واسمه « كرونغارد» ويقال انه المسؤول أيضا عن أول عقد نفذته شركة بلاكووتر بتوريد خدمات جيوش المرتزقة في أفغانستان.

يومها أعلن المسؤول الاستخباراتي المذكور أن الحرب على الإرهاب سيتم الفوز فيها باستخدام قوات لم يسمع بها أحد من قبل وباتخاذ إجراءات لن يراها أحد رأي العين مع اتباع طرق وأساليب ربما لا يرغب أحد في أن يعرف عنها شيئا (طبعا كل هذه الإشارات تومئ إلى أن القوات ستكون مرتزقة والإجراءات ستكون رهيبة والطرق والأساليب لن تكون قانونية ولا مشروعة من قريب أو بعيد).

كانوا يعدّون إذن لمسرح مستجد تماما لتنفيذ العمليات العسكرية ـ مشروعة وغير مشروعة ـ علنية أو سرية ـ وكلها تتم بالطبع تحت شعار الحرب الشاملة المتواصلة ضد الإرهاب. وكان المسرح يستند أصلا إلى دعامة محورية تجسدت فيما أصاب الولايات المتحدة من دمار في الممتلكات وخسائر في أرواح البشر وضربة في السمعة الدولية وثغرة انفتحت مع المأساة في مستوى الأمن القومي، وكلها جاءت في أعقاب كارثة المركز التجاري في سبتمبر 2001 حيث سادت العالم كله مشاعر التعاطف الإنساني مع أميركا.

السفير الغامض

بيد أن مؤلف كتابنا يقف مليا عند شخصية بعينها يراها من الشخوص الأساسية فوق هذا المسرح الجديد، ويبلغ اهتمام المؤلف بهذه الشخصية الحد الذي جعله يختار اسم صاحبها عنوانا للفصل الخامس عشر من هذا الكتاب : إنه السفير كوفر بلاك.

في 11 سبتمبر كان من مخضرمي المخابرات المركزية تسنده خلفية من خدمة طويلة في سلكها بلغت 30 سنة وأفادته هذه الخبرة وأهّله هذا الموقع ليكون من بين القلة القليلة التي كان مسموحا لها بالتواصل اليومي مع الرئيس بوش شخصيا.

المؤلف (ص 281) يصفه في هذه الكلمات: كان كوفر بلاك شخصية أسطورية تحوّم وسط عالم الظلام الذي يخيم على دنيا الجاسوسية الدولية، كان نجمه قد صعد في عالم التجسس عقب الدور المحوري الذي لعبه في السودان في اصطياد الإرهابي الدولي اليتش راميريز شانشيز المعروف عالميا باسم «كارلوس» كان بلاك قد أمضى ردحا طويلا من سنوات مهمته في أفريقيا والشرق الأوسط، وعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، بادر بكل حماسة إلى استلام مقاليد المسؤولية عن رسم خطط الرد والتصدي الفوري من جانب الولايات المتحدة.

هكذا ـ وبعد 48 ساعة من الحادثة كان بلاك يجلس في قاعة مركز العمليات في البيت الرئاسي الأبيض ـ وكانت مهمته هي وضع رئيس الدولة في صورة الحملة التي ظل يستعد لها منذ التحق بخدمة الوكالة المركزية في عام 1974 ولكن دون أن يتيحوا له سبل تنفيذها طيلة تلك السنوات. كانوا قد دربوه وبعدها أرسلوه إلى أفريقيا حيث أمضى معظم سنوات خدمته، عمل في زامبيا خلال حرب استقلالها عن بريطانيا وتحوّل بعدها إلى ساحتي الصومال ثم جنوب أفريقيا خلال الحكم الوحشي لنظام الأبرتهايد العنصري.

وخلال خدمته في زائير إبّان حقبة الرئيس ريغان عمل بلاك على تهريب الأسلحة عبر حدود الكونغو إلى القوات المناهضة للشيوعية في أنغولا. وبعد 20 سنة من خدمة المخابرات المركزية، هيأوا له غطاء دبلوماسيا ثم أوفدوه إلى السفارة الأميركية في السودان.

حيث ترأس مهمة المخابرات بين عامي 1993 و1995، وفي الخرطوم وضع تحت المراقبة ثريا عربياً اسمه أسامة بن لادن إذ كان يواصل بناء شبكته الدولية لتصبح أقرب إلى «مؤسسة فورد للإرهاب الإسلامي» على حد التعبير الذي صاغته وكالة السي آي إيه في نهاية خدمة مندوبها كوفر بلاك في تلك المرحلة التي كانت بدورها مفعمة بالأسرار التي يكشف بعضها مؤلف الكتاب (ص 262 وما بعدها).

محاولة لاتهام ايران

من هذه الأسرار مثلا: أن بلاك رأى أن بن لادن هذا يشكّل خطراً يستوجب التفكير في تصفيته هو وأقرب أتباعه. وبلغ الأمر أن بعض المتحمسين من مساعدي بلاك في محطة المخابرات الأميركية بالسودان فكروا في اغتيال بن لادن شخصيا، ثم إلقاء جثته أمام باب السفارة الإيرانية بالخرطوم في محاولة لإلقاء التبعة على طهران.

ورغم أن هذه الفكرة كانت على «هوى» السيد بلاك، إلا أن واشنطن رفضت إصدار الإذن باتخاذ هذه الإجراءات بالقتل. في تلك الأيام، كانت مثل هذه المسائل أقرب إلى «التابو» الذي يحرم الإقدام عليه ـ على نحو ما ينقل المؤلف عن بعض المصادر في الوكالة المركزية.

ربما لهذا قرر مندوب المخابرات الأميركية أن يحوّل اهتمامه من بن لادن إلى كارلوس ـ فكان أن تقصى أثره إلى أن استطاع القبض عليه بوصفه مجرما هاربا من أحكام صدرت عليه وما زال كارلوس يمضي عقوبتها في السجن حتى الآن.

بعدها عاش السفير بلاك السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين أسيرا لهاجس محوري ظل يلح عليه ويقض مضاجعه ويدفعه إلى أن يطارد عناصر الإرهاب الدولي كما يسميها، وأن يتوج هذه المطاردة بأن يأتي برأس بن لادن يوما في صندوق يحوي كمية ليست بالقليلة من الثلج (ص 269).

وفي أواخر عام 2004 رددت الصحافة العالمية تصريحاته التي أكد فيها أن نهاية بن لادن أصبحت قريبة إن لم تكن وشيكة، ولما ثبت عقم هذه التصريحات، اضطر كبار الساسة والإعلاميين في الإدارة الأميركية إلى إصدار بيانات لزوم التبرير أو الدفاع أو التنصل أو التسويغ وربما دفعوا بلاك شخصيا إلى الاستقالة من منصبه ـ بالأدق من غطائه الدبلوماسي كسفير معين في وزارة الخارجية، ويومها قال إنه يستقيل كي يستكشف فرصا مهنية جديدة.

وقد استكشفها فعلا، ولم تكن فرص العمل الجديدة سوى عقد أبرمه رجل المخابرات والدبلوماسية السابق مع شركة تجنيد جيوش المرتزقة بلاكووتر التي أعلنت رسميا في 4 فبراير عام 2005 أنها تعاقدت مع سعادة السفير ـ المخابراتي السابق ليصبح نائبا لرئيس الشركة، ولم ينس بيان الشركة أن يعلن أنهم سعداء إذ يستثمرون 30 سنة من خبرة موظفهم الجديد، رجل مكافحة الإرهاب في أنحاء المعمورة، تعبيرا عن الإخلاص المطلق بغير حدود لقضية الحرية والديمقراطية .

ثم أعلن السيد إريك برنس كبير المرتزقة الذي صاحبناه طويلا في فصول كتابنا «انه لشرف كبير لنا أن ينضم إلينا كفرد ضمن فريقنا العظيم» بعدها «لم يكذب بلاك خبرا كما يقال، شمّر عن ساعد خبرته وبادر إلى العمل إلى أن أصبح كما يؤكد المؤلف (ص 280)، هو العّراب ـ جودفازر لدنيا المرتزقة وعالم الارتزاق بكل أطيافه وخاصة في ضوء تصورات زبائن شركة بلاكووتر أنهم أصبحوا ـ من خلاله ـ قادرين على التواصل مع المراجع العليا في سلك المخابرات المركزية وفي دنيا وزارة الخارجية وإلى حد ما إلى شخصيات مؤثرة في البيت الأبيض.

عرض ومناقشة: محمد الخولي