تأليف: جيرمي سكاهيل

يركز المؤلف في هذه الحلقة من عرض الكتاب على توسع نطاق عمل المرتزقة الذين تديرهم شركة بلاكووتر الأميركية ليشمل حماية المنشآت والمصالح النفطية الأميركية والغربية في منطقة بحر قزوين. ويشير في هذا الخصوص إلى دور خفي أحياناً ومكشوف أحياناً أخرى للولايات المتحدة في الإطاحة بأنظمة لا تروق لها فيما كان يعرف سابقاً بجمهوريات الاتحاد السوفييتي مثلما حدث في جورجيا ولاحقاً في أوكرانيا، والهدف هو تأمين مصادر الطاقة وخطوط الأنابيب في تلك المنطقة التي أطلق عليها البعض وصف «منطقة الخليج الجديدة».

ليس لنا أن نتصور أن دور شركة المرتزقة، المحاربين بأجر، المقاتلين بغير قضية المخربين بغير ضمير ـ ليس لنا أن نتصور أن دور هذه الشركة الأميركية المنشأ «بلاكووتر» قد اقتصر ـ كما قد يتبادر إلى الذهن على حكاية الحرب العالمية ضد الإرهاب، ولا على ساحة القتال الدائر في أرض العراق. يبدو من واقع الكتاب الذي نحلّله في هذه السطور ـ أن المسألة أفدح من هذا خطرا وأوسع مدى وأبعد أهدافا. مؤلف الكتاب يركز في الفصل الحادي عشر على أحد الأبعاد الهامة ـ والغريبة من نشاط مرتزقة بلاكووتر، ذلك هو «البعد النفطي» كما قد نسميه. ولهذا يحمل الفصل المذكور عنوانا لا يحتاج ـ أو ربما يحتاج ـ إلى تفسير وهو: أحلام خط أنابيب بحر قزوين. والإشارة التي لا تخفى هنا تومئ إلى أن المسألة تعدت إلى حيث نشاط المرتزقة العسكريين الأميركان في منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط في وسط القارة الأسيوية. يقول مؤلف الكتاب (ص 189): ابتداء من شهر يوليو عام 2004، تعاقدت قوات بلاكووتر (من الجنود المرتزقة) للعمل في قلب حوض بحر قزوين بكل ما يحفل به من إمكانات ثرية من النفط والغاز الطبيعي. وكانت بنود عقد (الارتزاق) تقضي بأن تقوم الشركة الأميركية تحت جناح من الهدوء (السرية) بتدريب قوة تعمل وفق نموذج الكوماندوز البحري الأميركي وأن تنشئ الشركة قاعدة متاخمة للحدود الإيرانية الشمالية في إطار مشروع أميركي ضخم يطلق عليه المحللون المخضرمون في المنطقة اسما خاصا وهو: اللعبة الكبرى.

الجائزة الضخمة... هكذا وجدت بلاكووتر نفسها ـ فضلا عن عقودها السمينة في العراق ـ ضالعة في مشروع غاية في الطموح وكان يعد من المشاريع المفضلة إلى حد التدليل من جانب عدد من أقوى الشخصيات نفوذا وأهمية في مؤسسة الأمن القومي بالولايات المتحدة، شخصيات من قبيل هنري كيسنجر وجيمس بيكر وديك تشيني. نحن إذن على أعتاب البُعد الأخطر من قضية الطموح الأميركي إلى كفالة ما يمكن أن يعرف بأنه الأمن القومي للطاقة النفطية على وجه الخصوص. يواصل مؤلفنا الأميركي الحديث (ص 189 وما بعدها): إن سعي الولايات المتحدة للسيطرة على احتياطيات النفط في العالم لم يبدأ بالتأكيد مع حرب الخليج التي دارت في عام 1991 ولا حتى مع حرب العراق التي أعقبتها في عام 2003. صحيح أن معارك العراق وحرب الإرهاب كانت هي الأبرز والأشهر في العناوين الرئيسية ومقدمة النشرات الإخبارية، إلا أن دوائر الحكومة وقيادات الشركات في أميركا ظلت عاكفة على العمل بهدوء وروية قبل هذه التواريخ بفترة طويلة، حيث كانت تشن حملة موازية من أجل تأمين الفوز بجائزة ضخمة وطائلة أخرى: كانت الجائزة تكمن في بقعة بعينها مما كان يسمى في حقبة سبقت باسم الاتحاد السوفييتي، هذه البقعة بالذات تحمل الاسم والصفة التالية: بحر قزوين، المنطقة التي يُعتقد أنها تحوي أكثر من 100 مليار برميل من خام البترول.

وما زلنا نواصل قراءة السطور من الفصل 11 من هذا الكتاب: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، لمحت واشنطن وحلفاؤها (غرب أوروبا بالذات ـ الأقواس دائما من إضافة تحليلنا) فرصة سانحة لكي تختطف (حرفيا تهبش) واحدا من أعظم الرسوبات المعدنية التي تحتوي على تلك الموارد الطبيعية الثمينة، كي تستأثر بها دون موسكو.

وهكذا تدافعت جحافل عمالقة النفط المتعددي الجنسيات، وكأنها أسراب من الصقور الجارحة، فيما كانت أميركا وحلفاؤها يتحركون بسرعة لكي يهيئوا السبيل أمام الإطاحة بالنظم السياسية القمعية التي كانت حاكمة في الجمهوريات السوفييتية السابقة المطلة على شواطئ بحر قزوين.

في هذا الإطار أيضا نطالع تفصيلات هذه الحركة المحمومة في سبيل الحصول على النفط، سواء من ناحية كميات الخام أو النقل عبر الأنابيب، هنا نعرف مثلا أن شركة أونوكال الأميركية للبترول أمضت سنوات من التسعينات تحاول إدارة خط أنابيب يمتد من طاجيكستان عبر أفغانستان وكان مسؤولها الأول اسمه بول موبيرندز، وليس صدفة أن المسئول المذكور كان ولا يزال صديقا للسيد إريك برنس رئيس شركة بلاكووتر، ولا صدفة أيضا أنه كان الداعية الأول، بمعنى مسؤول اللوبي الذي يمارس الترويج لشركة المرتزقة إياها في دوائر الحكم والكونغرس في العاصمة واشنطن.

مخططات التحالف الثلاثي

في هذا السياق بالذات يحيل المؤلف إلى المعلومات التي نشرتها نيويورك تايمز ـ كبرى صحف أميركا بشأن مخططات التحالف الذي ضم الأطراف الرئيسية الثلاثة في هذا المضمار: الحكومة الأميركية + شركات النفط الاحتكارية الكبيرة وشركة بلاكووتر، التي تقدم خدمات التدريب والتشغيل والتنفيذ العسكري أو شبه العسكري لقاء عقود الارتزاق.

ونقرأ أيضا عن مراسل النيويورك تايمز واسمه «ستيفين كنزو» يبعث بتقريره الصحفي الخطير من أذربيجان ليكشف عن أسماء السادة الكبار الضالعين في مخططات النفط والسيطرة من باب وراثة الاتحاد السوفييتي.

يضيف إلى أسماء كيسنجر وبيكر وتشيني أسماء أخرى لمسؤولين كبار متنفذين ليس أقلهم لويد بنتسن وزير الخزانة السابق ولا جون سنونو كبير مسؤولي البيت الأبيض في عهد ريغان فضلا عن اثنين سبق توليهما منصب مستشار الرئاسة للأمن القومي أولهما سكوكروفت في عهد بوش ـ الأب والثاني هو الدكتور بريجنسكي الذي يفضل طبعا أن يعرفه الناس في اهاب المفكر الأكاديمي المتجرد كراهب للعلم السياسي في حين أنه يتعاطى مع قضايا السيطرة والطموح في دنيا التنقيب والاستكشاف والنقل والأرباح.

البداية من عهد كلينتون

يُحسب للمؤلف أنه يتقصى موضوعيا أصول هذا المخطط الباحث عن النفط أو هو الطامع في الحصول عليه. يؤكد أن المخطط بدأ في حقبة كلينتون مع زوال الاتحاد السوفييتي، وكان يستهدف أساسا أن تطيح واشنطن بالنظام القمعي في أذربيجان، ومن ثم يخلو لها الجو لكي تنشئ عمليات الاستخراج ونقل النفط على أساس أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا صناعات الطاقة وبحيث يتم النقل من باكو عاصمة البلاد ومن ثم يسري النفط في شبكة أنابيب هائلة تمتد إلى تبليسي عاصمة جورجيا، ومنها إلى الموانئ التركية على البحر الأبيض المتوسط وما أيسر بعدها نقل البترول إلى الأسواق الغربية في أوروبا وأميركا.

يعلق المؤلف على هذا المخطط في العبارات التالية: هذا المشروع كان يعني نهاية لاحتكار الأمر الواقع الذي طالما فرضته موسكو على نقل بترول قزوين، وهو في الوقت نفسه يتيح لواشنطن فرصة فريدة لممارسة نفوذها في الأراضي السوفييتية السابقة. ومن هنا فعندما بدأ المشروع في عام 1994، هلل له بعض المحللين على أساس أنه «منطقة الخليج الجديدة» حيث قدروا أن المنطقة تحوي 230 مليار برميل من احتياطيات البترول، وهي كمية تعادل 8 أضعاف الاحتياطيات المؤكدة في الولايات المتحدة نفسها.

شعار إدارة بوش

لكن هذه المخططات، الطموحات، الأطماع أو الأحلام لم تجد سبيلا إلى أرض الواقع خلال رئاسة بيل كلينتون، سواء من حيث بطء الاستكشاف أو تقدير الأخطار السياسية والجغرافية سواء من داخل المنطقة ذاتها أو من جانب أقرب جيرانها في روسيا وإيران على وجه الخصوص. وعندما تولت الحكم إدارة الرئيس بوش كانت قد وعت الدرس جيدا: استعانت بشركة بلاكووتر وغيرها من شركات خدمات الحرب كما يصفها مؤلفنا لكي تحمي المصالح الأميركية والغربية الناشئة في أقاليم الاتحاد السوفييتي السابق.

ثم رفعت إدارة بوش شعارها العتيد الشهير وهو «تغيير النظم الحاكمة» وكان من ضحايا الشعار واحدا من أقرب حلفاء أميركا السابقين وهو شيفرنادزة رئيس جورجيا الذي طالما نعم بموّدة ومؤازرة البيت الأبيض بعد أن ساهم مع غورباتشوف في هدم وتدمير الاتحاد السوفييتي من الأساس. وحين جاء عام 2003 كان شيفرنادزة قد ارتكب أخطاء العمر حين بدأ بمعاودة التعامل التجاري مع موسكو في عهد بوتين، ولكن تحولت أخطاؤه إلى خطايا عندما منح الرئيس الجورجي امتيازات لشركات روسية للتنقيب عن النفط ومد أنابيب نقله عبر إقليم جورجيا مما أعاق المشروع الأميركي بإنشاء شبكة الأنابيب العملاقة التي ألمحنا إليها.

بعدها دبرت أميركا «الثورة الوردية» التي أطاحت بالرئيس شيفرنادزة لصالح نظام يصفه مؤلفنا بأنه من «غلاة مؤيدي الولايات المتحدة (سوف نسمع بعد ذلك عن الثورة البرتقالية في أوكرانيا)، وهنا ينقل المؤلف نص أول محادثة هاتفية أجرتها رئيسة جورجيا الجديدة نينو بوناندزي إلى العالم الخارجي ولم تكن المخابرة موجهة مثلا إلى رئيس دولة ولا إلى أمين عام الأمم المتحدة، بل كانت موجهة إلى مدير شركة النفط البريطانية تقول فيها زعيمة نظام الثورة، الوردية في جورجيا:

أؤكد لكم أن خط الأنابيب سيكون، «أوكيه»، وبعدها راجت الأنباء التي تفيد بأن وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد استعان بشركات لقوات المرتزقة التي أوفدت جنودها إلى جورجيا لحماية مصالح أميركا والغرب في ظل النظام الجديد.

حدث في أذربيجان

مع بدايات عام 2004 وتأكيد عبارة «محور الشر» عنوانا على أعداء أو منافسي واشنطن، عمد البنتاغون إلى استئجار جهود بلاكووتر لتدريب قوات خاصة من جيش أذربيجان لحراسة المنشآت النفطية هناك، وخاصة في مجال العمليات العسكرية البحرية. ويشير المؤلف بالذات إلى أهمية أذربيجان لأنها في رأيه «ستحظى بدور محوري تضطلع به في حالة اندلاع حرب بين أميركا وإيران». ويوضح في هذا الخصوص أن طهران عندما استشعرت دور بلاكووتر في المنطقة، أعلنت من جانبها (ص 175) عن إنشاء قوتها الخاصة للشرطة البحرية المكلفة بدوريات تقوم بها لخفارة سواحل بحر قزوين.

وفي هذا الخصوص أيضا ينقل المؤلف عن إرييل كوهين الباحث في مؤسسة هيرتاج التابعة للجناح اليميني الجمهوري المتعصب بين المحافظين الجدد قوله في مقالة نشرتها «الواشنطن تايمز» أن الحرس القزويني (الذي دربه مرتزقة بلاكووتر) أصبح عاملا مهما، بالنسبة لأي صراع يندلع مستقبلا مع إيران. أما أسبوعية «جينز دفنس» المعنية بشؤون الدفاع والأسلحة فكتبت تقول: إن وجود الولايات المتحدة على مقربة من بحر قزوين أتاح لواشنطن أن يكون لها موطئ قدم في منطقة غنية بالنفط والغاز الطبيعي فضلا عن إنها متاخمة لحدود إيران.

زيارات سرية

وفي عام 2005، قام وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد بثلاث زيارات «على الأقل» إلى أذربيجان، رغم كونها بلدا صغيرا نسبيا لا يتجاوز عدد سكانه 5 .8 ملايين نسمة، ونقول على «الأقل» لأن الزيارات كانت سرية، فيما اقتصر ساسة وقادة ذلك البلد على تصريحات شديدة العمومية بالنسبة لما كان رامسفيلد يفعله إذ يهبط في أرض بلدهم بين حين وآخر. فقط في زيارته الثالثة نشرت صحيفة «إيكو» واسعة الانتشار عنوانا رئيسيا قالت فيه بإيجاز شديد: رامسفيلد مهتم بالبترول.

والحاصل أن لم يكن تعاطي أميركا مع وسط آسيا ينطلق من حكاية محاربة آفة الإرهاب ولا التصدي لما أسموه محور الشر، دع عنك الدول المارقة، إلخ، الأساس كان الطاقة المتمثلة بالنفط والغاز الطبيعي، والأداة كانت شركات المرتزقة التي تعاقدوا معها للعمل في تلك المنطقة فضلا عن المشروع العملاق هو خط الأنابيب الذي حدثنا عنه مؤلف الكتاب وهو المشروع المفضل، المدلل لدى مخططي سياسات أميركا والغرب في ميدان الطاقة برغم كونه في الوقت نفسه موضع قلق وسخط بل تبرم وتوتر من جانب كل من روسيا وإيران باعتبار أن شبكاته تخترق تخوما مجاورة لأراضيهما.

وفي كل حال فالمشروع يتكلف نحو 6,3 مليارات دولار ويتولى البنك الدولي جانبا ضخما من تمويله (فتش أيضا عن دور السيد وولفويتز رئيس البنك الذي حظي بمساندة البيت الأبيض رغم مشاكله المتعلقة بسلوك خارج عن القواعد والأعراف ـ ولا ننسى أنه من غلاة المحافظين الجدد إذ كان نائبا لوزير الدفاع وصقرا جارحا وكاسرا من صقور البنتاغون).

والحاصل أن أذربيجان ما زالت ساحة لنشاط أميركي مكثف، عسكري ومدني، علني وسري، نظامي وارتزاقي.

ورغم أن الخارجية الأميركية ما زالت توجه سهام الانتقاد إلى سجل أذربيجان «السيئ» كما تصفه في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية، فما زالت دوائر أخرى في واشنطن تعتمد ملايين الدولارات ـ كما يشير المؤلف (ص 179) لحساب شركة بلاكووتر المكلفة بدعم القدرات العسكرية هناك، وما زال نشاطها مستمراً أو مطردا بل ومتناميا إلى حد التفاقم كما قد نقول، لهذا ينشر الكاتب جيم شوروك مقالا يقول فيه بوضوح شديد: إن مشروع بلاكووتر في أذربيجان يشكل دليلا ساطعا على أن المتعاقدين (أو مقاولي الحروب) قد غيروا بالفعل من وضع المرتزقة إلى حيث أصبحوا شركاء استراتيجيين مع المجمع العسكري الصناعي.

(الإشارة هنا إلى المجمع العسكري ـ الصناعي الذي سبق وألمح إليه الرئيس إيزنهاور في آخر خطاب رئاسي له قبل تقاعده في فاتح الستينات موضحا ومؤكداً أن هذا التحالف هو القوة الحقيقية التي تتحكم بمقاليد الأمور في أميركا).

مرتزقة أميركا اللاتينية

لكي يدلل مؤلفنا على خطورة شركة الارتزاق العسكري التي يتناولها على صفحات الكتاب فهو ينقلنا مع سطور الفصل الثاني عشر من آسيا إلى أميركا اللاتينية، وإلى تشيلي بالذات حيث يحمل الفصل المذكور عنوان «رجل بلاكووتر في تشيلي». والإشارة هنا تلمح إلى أن بلاكووتر أصبحت مؤسسة ذات ذراع طويلة ونفوذ عميق وتوسع عالمي، وتكاد بالتالي أن تضاهي مؤسسة أميركية عملاقة في حجم ومكانة المخابرات المركزية. هذا ما يوحي به العنوان الذي يستقي إيقاعه من رواية تجسسية أصدرها الكاتب الإنجليزي الشهير جراهام جرين بعنوان «رجلنا في هافانا».

الكتاب عند هذا المنعطف من قضاياه يطرح رأيا مهما فحواه كالتالي: إن حكومة واشنطن حاولت ولم تفلح في إقناع عدد من الحكومات أن تنضم في حرب العراق أو حتى أفغانستان إلى ما وصفته أميركا بأنه «تحالف المستعدين أو الراغبين» هناك حكومات لم تقتنع، وهناك حكومات خشيت ملامة شعوبها.

وهناك حكومات عارضت جهرا أو خفية، وكلها بالطبع أحجمت عن إرسال جيوش أو المشاركة بقوات، لكن كان تعويض هذا كله جاهزا: فإذا كانت الحكومات ترفض إرسال وحدات من جيوشها، فهي لن تعارض أن يعرض أحد مواطنيها خدماته هنا أو هناك ما دام العرض سيتم خارج الحدود، وما دام السيد المواطن سيجني أرباحا طائلة تعود بالنفع عليه شخصيا، وبالتالي على خزانة الوطن: هنا لعبت بلاكووتر لعبتها، وتجلت جهود جيوش مرتزقة القرن الواحد والعشرين.

هكذا شهدت أرض العراق أفواجا من الجنود غير الأميركيين الذين استوردتهم إلى العراق حسب تعبير المؤلف (ص 182 وما بعدها) شركة بلاكووتر، جاءوا من صفوف الكوماندوز السابقين في تشيلي بأميركا اللاتينية، وكان بعضهم قد تلقى تدريباته أو أنجز خدمته العسكرية خلال الحكم الدكتاتوري الوحشي الذي فرضه في تشيلي الجنرال أوغيستو بينوشيه.

يضيف المؤلف في هذا السياق قائلا: إن قصة قدوم الألف عسكري من تشيلي إلى العراق هي على نحو أو آخر قصة المهمة التي أنجزها «خوسيه بيسارو» بتجنيد عسكريين من تشيلي للتعاقد مع بلاكووتر، حيث كان بيسارو من غلاة مؤيدي الديكتاتور بينوشيه، وعمل مترجما لحساب الجيش الأميركي في أميركا اللاتينية خلال التسعينات قبل أن يتحول إلى دور ضابط الاتصال، أو همزة الوصل بين عدد كبير من حكومات أميركا اللاتينية وبين شركات تصنيع وإنتاج السلاح في الولايات المتحدة.

السنيور بيسارو

تسترعي اهتمامنا شخصية السنيور «بيسارو» المذكور أعلاه، فهي شخصية تحوي أو تعكس قدرا كبيرا من طرافة الطابع اللاتيني المعروف، يتابعه المؤلف خلال أول زيارة نظموها له إلى مقر شركة المرتزقة بلاكووتر، وكان ذلك في صيف عام 2003، وحين روى السنيور بيسارو لأصدقائه ملابسات الزيارة كان يتحدث كطفل يحكي عن هدايا الكريسماس قائلا: كأنما اشتعلت في جسدي سخونة الحمى(!)

صادفت أمامي جيشا خاصا في القرن الواحد والعشرين، إنها شركة قطاع خاص لها تدريبها ولها قواتها المخصوصة المكلفة بحماية مرافق أميركا في منطقة الحرب، كأنما كنت أشاهد فيلم مغامرات كانت أمامي مشاهد رواية سينمائية: مبان عملاقة وساحات للتدريب على الاشتباك، أشبه بمدينة من صنع الخيال حيث يمكنك أن تتدرب باستخدام الذخيرة الحية، ومن حولك المركبات والدبابات والهليكوبتر ـ يا إلهي، هذا رائع، كل شيء رائع للغاية، بل أكثر من رائع.

يعلق المؤلف قائلا: إن «بيسارو» المأخوذ من فرط الروعة قرر أن يلتحق لفوره بهذا الفيلق من مرتزقة القرن الجديد وكان أن أصبح مسؤول تجنيد مرتزقة أميركا اللاتينية ـ من تشيلي بالذات، ولدرجة أن كانوا ينشرون إعلانات في صحف البلاد الناطقة بالأسبانية لا يتورعون فيها، عن طلب المرتزقة من الطيارين والميكانيكيين لتشغيل الطائرات في حرب العراق، وكان مرتب الطيار يبلغ 12 ألف دولار شهريا، وهو مبلغ أكثر من طائل بمقياس تكاليف المعيشة في تلك البلاد الواقعة عند أقصى المخروط الجنوبي من النصف الغربي من الكرة الأرضية.

إضاءة

إن أذربيجان ما زالت ساحة لنشاط أميركي مكثف، عسكري ومدني، علني وسري، نظامي وارتزاقي. ورغم أن الخارجية الأميركية ما زالت توجه سهام الانتقاد إلى سجل أذربيجان «السيئ» كما تصفه في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية، إلا أنه ما زالت دوائر أخرى في واشنطن تعتمد ملايين الدولارات لحساب شركة بلاكووتر المكلفة بدعم القدرات العسكرية هناك، وما زال نشاطها مستمراً أو مطردا بل ومتناميا إلى حد التفاقم.

عرض ومناقشة: محمد الخولي