يمضي المؤلف في حديثه عن شركة بلاكووتر التي حظيت بأغلب عقود توفير خدمات الأمن الخاصة في العراق ليقول لنا إن مؤسس الشركة بات صاحب حظوة لدى كبار الساسة الأميركيين من الحزب الجمهوري الحاكم الذين يلتقون معه في العقيدة الدينية للتيار اليميني المحافظ التي تدعو إلى استغلال القوة العسكرية الأميركية لخدمة شعارهم المعلن وهو: الحرب العالمية على الإرهاب.
ويشير المؤلف إلى أن بلاكووتر حاولت في البداية أن تعمل تحت ستار من السرية باعتبار أن عناصرها هم من المتعاقدين المدنيين بينما هم في حقيقة الأمر قتلة مأجورون ومجرمون من جنسيات وثقافات متعددة، وهذه الحقيقة سرعان ما تكشفت مع حادثة مقتل الجنود المرتزقة الأربعة في الفلوجة وما تبعها من مواجهات بين المرتزقة وعناصر جيش المهدي في النجف، الأمر الذي أثار سخط وغضب العراقيين على الاحتلال الأميركي.
هكذا ارتفعت أسهم المليونير الأميركي «إريك برنس» إلى عنان السماء في العاصمة واشنطن، حيث أصبح الرجل ضيفا مكرما على موائد كبار أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري على وجه الخصوص، الذين كانوا يعتبرونه سندا للساسة المنتمين إلى التيار اليميني من المحافظين الجدد الذين يحوّلون العقيدة الدينية عن وجهتها الصحيحة لكي يجعلوا منها وقودا لمشاعر التعصب المقيتة وللامعان في استغلال القوة العسكرية الأميركية تحت شعارهم الذي ما برحوا يرفعونه بعد الحادي عشر من سبتمبر: الحرب الشاملة وربما العالمية - الكونية على الإرهاب.
ولم يكن في أمر برنس ما يثير الدهشة. كان الرجل يستند إلى شركة بلاكووتر التي يتولى إدارتها وتمويلها، بينما تتولى الشركة أمر جيش المرتزقة المؤلف من عشرات بل مئات من شذاذ الآفاق، وهم عبارة عن مغامرين ومجرمين وقتلة مأجورين من جنسيات وثقافات شتى، وكلهم كانوا يعملون تحت ستار مريب من السرية في مسرح القتال بالعراق. لا عجب أن أطلقت دوائر واشنطن لقبا مخصوصا على إريك برنس وهو: الشريك الصامت.
الخروج من خلف الستار
لكن المشكلة أن هذا الصمت لم يعد ممكنا، لقد تطورت المواجهة الدموية في أرض الرافدين، وأصبح من واجب جيش المرتزقة أن يخرج من خلف الستار الشرير الكئيب لكي يخوض عمليات حربية سافرة، ولكي يدخل في مواجهة أكثر من مكشوفة، ولا سيما مع قوات جيش المهدي التي تأتمر بأمر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في مدينة النجف، حيث كانت قوات المرتزقة قد تعاقدت على حراسة وتأمين مقر قوات الاحتلال الأميركية في تلك المدينة العراقية الأصيلة.
وعندما دارت المعارك، ومع سقوط الضحايا من القتلى والجرحى كان طبيعيا أن تتأجج مشاعر البغض والعداء ضد الوجود الأميركي في العراق ولدرجة كتب معها المحلل السياسي الإنجليزي الشهير روبرت فيسك يقول: في سنة 1920، احتاج البريطانيون ثلاث سنوات كاملة لكي «يكسبوا» عداوة السُنة والشيعة في العراق، أما الأميركيون فقد حققوا هذا «الإنجاز» في أقل من عام واحد.
في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص 119): جاء قرار حل الجيش العراقي وفصل الآلاف من موظفي الدولة ليجعل عشرات الآلاف من الرجال العراقيين في سن العمل بغير وظيفة ولا موارد فكان أن التحقوا بصفوف المقاومة، بل إن العراقيين ظلوا يرقبون سلوك الشركات الأجنبية، ومعظمها يتخذ مقره الرئيسي في الولايات المتحدة.
حيث كانت تصول وتجول في أنحاء بلادهم لكي تجني أرباحا هائلة بينما كان العراقيون العاديون يعيشون في حالة من الحرمان وانعدام الأمن، والأدهى والأمر هو أن ضحايا الجرائم التي كان يرتكبها المحتلون ظلوا محرومين من أي تعويض. لأن المتعاقدين (يقصد المرتزقة طبعا) كانوا ينعمون بحصانة ضد أي إجراءات قضائية.
ثم يوضح المؤلف أن هذا الوضع ترك فراغا من نقص أو انعدام الخدمات المطلوبة لعامة الشعب، فكان أن تقدمت الزعامات الدينية والقادة الروحيون إلى ملء هذا الفراغ من خلال شبكة من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي زاد من سخط أركان الاحتلال. عجلة جهنمية كانت تدور إذن في مقار الحكم في بغداد ولكن العجلة الدائرة وقتها في واشنطن كان لها مسار مغاير.
ومرة أخرى يعلق مؤلف كتابنا فيقول: في العاصمة الأميركية بدأ الحوار والخطاب السياسي ملتهبا بثورة من غضب إزاء تزايد استخدام المتعاقدين والمتعهدين والمقاولين من القطاع الخاص، هكذا نشرت «نيويورك تايمز» افتتاحية تنعي فيها على القيادة الأميركية اعتمادها الباعث على القلق على المقاتلين المرتزقة، «البنادق المأجورة» على نحو ما عبرت الصحيفة الكبرى وهو المصطلح الذي يستخدمونه في الأدبيات الأميركية دلالة على القاتل بأجر أو على محترف الإجرام وخاصة من دوائر عصابات المافيا وما في حكمها من عتاة المجرمين.
في نفس المقال أشارت الصحيفة إلى المبدأ الذي صار ذائعا ومعتمدا في دنيا الاقتصاد والإدارة في أميركا، وهو مبدأ الاستعانة بالمصادر الخارجية. وفي أساسه، يقضي هذا المبدأ بأن تستعين هذه الشركة أو يستعين ذلك المصنع بإمكانات متاحة في بلد أجنبي من أجل إتمام عملية الإنتاج.
ومن ذلك مثلا أن تتفق شركة ملبوسات أميركية على تصنيع منتجاتها في الصين أو في المكسيك أو في الأردن، أو تتفق مؤسسة الاتصالات الهاتفية في واشنطن أو نيويورك مع شبكة اتصالات هندية تزودها بمئات من الشباب المقيم في كلكتا أو بومباي، يتكلمون الإنجليزية ويؤدون خدمة التواصل مع آلاف المشتركين عبر نظم الأقمار الاصطناعية أو شبكات الألياف الضوئية (أوبتيك) وكله لحساب الخواجة الأميركي.
خطورة المصادر الخارجية
وكم أسهب في مناقب هذه الظاهرة الناجمة عن العولمة محللون وكتّاب كثيرون، لعل في مقدمتهم توماس فريدمان، كبير محللي السياسة الخارجية في نيويورك تايمز، واللهم لا غبار على هذا السلوك من التعاون المشترك أو كما تسميه الأمم المتحدة من الاعتماد المتبادل، لكن الغبار الكثيف، بل هو الدمار القاتل يثور عندما يتحول الأمر إلى دنيا الحرب وساحات القتال.
وبالتحديد إلى قرار دوائر التخطيط في وزارة الدفاع الأميركية بتطبيق مبدأ المصادر الخارجية على التكليفات التي تسند مهامها الخطيرة إلى عناصر غير خاضعة لا إلى المساءلة ولا إلى أي نوع من أنواع الحساب.
من هنا تواصل نيويورك تايمز الحديث قائلة: يبدو أن البنتاغون آخذ في الاستعانة بالمصادر الخارجية (بعيدا عن القوات الوطنية الرسمية المسلحة والمعتمدة دستوريا) وبمعنى إسناد جوانب من المسؤولية عن تأمين العراق إلى تلك المصادر بدلا من مواجهة الحاجة التي باتت تدعو إلى تعبئة مزيد من الجنود (النظاميين).
وأضافت التايمز أيضا: ان وزير الدفاع رامسفيلد تعّهد بأن يواصل البنتاغون تطبيق مبدأي المصادر الخارجية، والخصخصة، ولكن عندما يتعلق الأمن بالأدوار الأساسية في مجالات الأمن والقتال فنحن نرى أن الوزير قد جانبه الصواب ونؤكد أن من واجب البنتاغون أن يعمل على تجنيد وتدريب مزيد من العسكر (الرسميين) بدلا من المخاطرة بإيجاد نوعيات جديدة من المرتزقة.
عقاب الفلوجة
هذا التحليل يصل بنا وبالأحداث إلى الفصل التاسع من الكتاب، في هذا الفصل يتابع المؤلف احتشاد القوات الأميركية النظامية للثأر من مقتل متعاقدين، أو بالأدق مرتزقة بلاكووتر الأربعة في الفلوجة ، المدينة العراقية التي تعرضت لغارات بشعة تتعارض مع الأعراف الدولية في الحرب، ويطلق عليها المؤلف (ص 141) وصف «العقاب الجماعي» الذي أنزله العسكريون الأميركيون بعامة السكان.
ثم يقول المؤلف: عندما تكشفت فظائع الحرب في الفلوجة، وانتشرت أخبار فشل الأميركيين في السيطرة على المدينة بفضل صمود المقاومة من جانب سكانها، جاءت أخبار مصرع المتعاقدين بمثابة تشجيع لسائر العراقيين على مزيد من المواجهة.
من ناحية أخرى شكلت هذه الأخبار خطرا داهما أحدق بسمعة وكفاءة إدارة الحرب في العراق، وكان مطلوبا بالضرورة المسارعة إلى احتواء هذا الخطر، ومن ثم أعلن كبار المسؤولين في واشنطن على أن الأمر لم يكن ينطوي، لا على مواجهة شاملة ولا على انتفاضة شعبية، ونشطت عجلة الميديا لتنشر الدعايات التي تقول بأن السبب الأساسي هو العناصر الأجنبية المتطرفة التي جاءت متسللة عبر حدود العراق من الأقطار المجاورة وانها التي تسببت في اشتعال الموقف وانقلاب الموازين.
عندما أخطأ المترجمون
وفي كل حالة قد استرعى أنظار المراقبين، بل أنظار عامة الناس في أقطار شتى حكاية الانتقام من مدينة عراقية لقاء مصرع أربعة أفراد يحملون الجنسية الأميركية دون أن يكونوا منتمين رسميا إلى القوات المسلحة النظامية للولايات المتحدة.
بدأت الترجمات تصفهم بأنهم «مقاولون»، وكان المترجمون معذورين لأن السياق كان يتناول عناصر مدنية يطلقون عليها في الإنجليزية وصف «كونتراكتور». لكن المؤلف مع الفصل العاشر يعمد إلى تصحيح المفهوم حين يفتتح سطور الفصل بعبارة تقول: قبل غزو العراق، وعندما كان الناس يسمعون عن مصطلح «المتعاقدون المدنيون» لم تكن تتشكل في أذهانهم صورة رجال مسلحين بالمدافع ويرتدون القمصان الواقية من الرصاص ويركبون سيارات الجيب المدرعة.
الناس ببساطة، كانت أذهانهم تنصرف إلى عمال البناء والتشييد. بل إن عائلات هؤلاء المتعاقدين كانت لديها بدورها هذه التصورات عندما كانت تتلقى قرار هذا الفرد أو ذاك من أبنائها بأن يسافر للعمل في العراق أو أفغانستان، وأقصى ما كانت تفكر فيه تلك العائلات هو أن الابن أو الزوج أو الخطيب.
كان يعمل ضمن «قوات خاصة» بمعنى أنه ملحق بصورة ما مع السلك العسكري ولم يكن مهما بالتالي معرفة اسم صاحب العمل ولا رتبة الفرد المبعوث، كان التصور هو أن هذا الفرد سافر إلى أفغانستان أو إلى العراق لأداء مهمة بعينها ـ وهي، باسم الله ما شاء الله خدمة بلدنا العزيز(!)
يعلق المؤلف قائلا: والدان قتل ابنهما في العراق وكان ملتحقا بجيش المرتزقة ولكنهما ظلا يرددان القول بأن الابن العزيز «كان يحدوه شعور عميق بالوطنية فضلا عن إيمان لا يتزعزع بعقيدة المسيحية وهو بالضبط ما أفضى به إلى أن «اختار التوجه إلى أرض العراق».
وثمة سيدة أخرى لم تكن تعرف أن نجلها كان واحدا من هؤلاء المرتزقة، كانت تفهم حكاية المتعاقد على أنه يعمل لدى مقاول في أشغال البناء والإعمار وأحيانا في مد أو إصلاح خطوط أنابيب البترول. لكن الأمور ما لبثت أن تغيرت عندما لاحظت الأم أن الإعلام شرع في استخدام مصطلح «المتعاقدون الأمنيون» وكم كان حزنها عندما عرفت أن فتاها الشاب كان متعاقدا نعم، ولكن ليس عند مقاول يبني ولا عند متعهد يصلح شبكات الأنابيب، بل كان متعاقدا مع شركة تتعهد بتوريد مرتزقة الحرب والطعن والقتال اسمها بلاكووتر.
حكاية البداية
ولقد بدأت حكاية المتعاقدين المرتزقة، بحرب الخليج الأولى على نحو ما يوضح الكتاب، وكانت البداية على استحياء إذ لم يكن عددهم وقتها ليتجاوز فردا واحدا من 60 من أفراد القوات المسلحة.
لكن هذه النسبة ما لبثت أن تضخمت بل إنها تورمت لتصل إلى معدل واحد من ثلاثة بمعنى أن ثلث القوات الأميركية في العراق أصبح من المتعاقدين في جيش المرتزقة النفعي الشرير، بل أن حادثة قتل هؤلاء المرتزقة في الفلوجة، أتاحت لصاحب شركة بلاكووتر أن يجتمع إلى سماسرة السياسة ووسطاء النفوذ في واشنطن وأن «يبيع» لهم رؤية بلاكووتر بشأن خصخصة الحرب.
وشاءت المصادفة أن يتم هذا البيع والترويج فيما كان أعضاء الكونجرس أنفسهم يفكرون في ضرورة استخدام جنود مأجورين لإدامة وضع الاحتلال بالعراق، وهكذا تلاقت المصالح بالصدفة وتوافقت الأهداف. ولم تكن الصدفة سعيدة على أي حال، وشاءت نفس الصدفة أن تتعاون بلاكووتر مع عناصر موروثة من حقبة ريجان وبالأدق مورثة من أيام مجاهدي أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي.
ولم يقتصر الأمر على تبادل المصالح بل تعدت الأمور إلى أن أتاحوا لشركة بلاكووتر أن تشارك في وضع قواعد مستجدة لعمليات إدارة الحرب وقواعد الاشتباك والقتال حسب أهوائها بطبيعة الحال، ولدرجة يتصور معها المؤلف أن شركة وجيوش المرتزقة كادت تشكل ذراعا عسكريا خاصا للجهاز السياسي للحزب الجمهوري الحاكم حاليا في واشنطن.
ومن الطبيعي أن هذه التطورات أقضّت مضاجع المعارضة من الحزب الديمقراطي، وهكذا سارع 13 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ إلى كتابة عريضة قدموها إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يطالبون فيها البنتاغون بأن يُصدر إحصاءات رسمية موثوقة عن «العدد الدقيق» للعاملين في العراق من الأفراد المسلحين التابعين لجهات من القطاع الخاص.
ومضت عريضة الديمقراطيين قائلة: هؤلاء المتعاقدون الأمنيون مسلحون، ويعملون بطريقة يصعب التمييز بينها وبين القوات (النظامية) المسلحة ولا سيما قوات العمليات الخاصة. ومع ذلك لا تخضع شركات الأمن الخاصة هذه لأي سيطرة عسكرية ولا للقواعد التي توجه سلوك الأفراد المنخرطين في سلك العسكرية الأميركية.
ثم خلص الشيوخ الديمقراطيون أعضاء الكونجرس إلى تحذير قالوا فيه: من السوابق الخطيرة أن تسمح الولايات المتحدة بوجود جيوش خاصة عاملة خارج نطاق سيطرة السلطات الحكومية، ولا ينصرف ولاؤها أو طاعتها سوى للشركات التي تدفع لها الأموال.
رغم هذه التحذيرات، لم تجد العريضة أي رد من جانب وزير الدفاع رامسفيلد، وعلى العكس من ذلك فقد عمد البنتاغون إلى فتح العراق على مصراعيه أمام عقود المرتزقة التي انهمر معينها بالعشرات. وهنا تكتب النيويورك تايمز من جديد قائلة:
إن العراق يشهد تمردا يؤدي إلى سقوط الضحايا فيما يشهد تدفق مليارات من الدولارات التي تأتي على شكل أموال المعونات، وهذا أفضى بدوره إلى إطلاق العنان لقوى السوق العاتية التي تمارس تأثيرها في منطقة الحرب، وها هي شركات الأمن الخاص تحتدم فيما بينها منافسة شرسة للفوز بعقود طائلة سخية في غمار أجواء محمومة لعقد الصفقات.
مؤتمر عالمي
عندما يتابع المؤلف حركة هذه المنافسة ومسار تلك العقود الطائلة، نجده يرصد مسارها إلى حيث كانت تصبّ في خزائن بلاكووتر التي شرعت في تشييد مبنى باذخ شاهق لعملياتها وأنشطتها أطلق عليه مديرها غاري جاكسون وصف: «مقرنا الدولي في مستقبل الأيام». وفي هذا الإطار أيضا لم تتورع بلاكووتر عن الإعلان عن استضافتها المؤتمر العالمي للقوات الخاصة.
ولأول مرة في تاريخ العالم كما أكد هذا الإعلان الذي أوضح أن المؤتمر المرتقب سوف يتألف من حلقات عمل بمعنى ورش للتدريب حول موضوعات أثارت عجب المراقبين، من قبيل: حل أزمات الرهائن، رسم معالم شخصيات الانتحاريين، الجوانب السيكولوجية للمواقف الحرجة لعمليات الحوادث البالغة الخطورة، وبعدها يُختتم المؤتمر بعقد دورة رياضية ـ اولمبياد كما ذكرت شركة بلاكووتر تتنافس فيه الفرق لاستعراض ما حصله أفرادها ـ المرتزقة طبعا ـ في مضمار التدريب.
ماذا حدث في هذا المؤتمر الخطير؟
سؤال أجاب عنه مؤلف كتابنا من خلال التركيز بالذات (ص 152) على إحدى فعالياته التي جاءت تجسيدا لمعنى وجود ونشاط مثل هذه التجمعات والمؤسسات التي تهدد العالم في تصورنا - بشّر مستطير. يقول مؤلفنا: عقدوا مؤتمراً صحافياً كان المتحدث فيه هو الكولونيل المتقاعد ديفيد كروسمان، وقد قدموه بوصفه مؤلف كتاب يحمل عنوان «عن القتل».
فما بلك بأنه مؤسس شركة تحمل اسم «مجموعة بحوث علم (وفن) القتل» لم يجلس المحاضر إلى منصة وإنما حمل الميكرفون متنقلا بين صفوف الحاضرين في قاعة الفندق الفاخر وهو يحكي عن «عصر ظلامي جديد حاشد بإرهاب منظمة القاعدة وإطلاق النار في المدارس» مضيفا القول بأن «الأشرار يأتون إلينا مدججين بالبنادق والعتاد.
وهم يقصدون إلى تدمير أسلوب حياتنا بين يوم وليلة» ثم محذرا أيضا من أن «العالم مليء بالحِملان الوادعة الطيبة وينبغي حمايتها من وحشية الذئاب، وهذا هو بالضبط واجب المقاتلين الذين يشهدون هذا الاجتماع،» وهم أيضا الذين رفع الكولونيل المتقاعد عقيرته في مكبر الصوت يخاطبهم مباشرة قائلا: أيها السادة: عليكم أن تتشربوا روح الحرب والقتال، نعم، نحن بحاجة إلى محاربين يرحّبون بالكلمة القذرة الحقيرة المؤلفة من 4 حروف، كلمة اقتل (!).
هكذا شقت بلاكووتر طريقها وقد حظيت بعوامل مفيدة شتى ـ ما بين أموال التعاقدات السخية وما بين مؤازرة أركان الحزب الجمهوري في كونغرس الولايات المتحدة، وما بين علانية الاجتماعات والترويج الإعلامي الذي شاهده الناس على شاشات التلفاز.
وبلغ أمر ازدهارها الحد الذي يصفه المؤلف بأنه جاء على شكل طفرة في سوق الارتزاق العسكري ـ وأقرب إلى ما سبق وشهدته أميركا منذ القرن التاسع عشر من اندفاعة محمومة يحفها جنون الطمع إلى الثروة بغير وازع من ضمير أو أخلاق، على نحو ما أحسن تصويره عبقري الكوميديا شارلي شابلن في فيلمه الشهير بعنوان «البحث عن الذهب».
وبعد أن راجع المؤلف المصادر والتصريحات الرسمية أورد على صفحة 185 تصريحا للناطق الرسمي باسم الحكومة الأميركية يقول فيه: ان القيمة المقدرة للعقد الذي فازت به شركة بلاكووتر (لخدمات المرتزقة كي لا ننسى) حتى شهر سبتمبر 2006 بلغت 337 مليون دولار.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



