يؤكد الخبراء أن 25% من الأشخاص الذين توافيهم المنية والذين يدخلون إلى المستشفيات إنما يلاقون هذا المصير لأسباب تتعلق بتأثيرات بيئية من الممكن تداركها في أحيان كثيرة إن لم يكن في أغلب الأحيان، حيث يعكس التلوث البيئي أو التغير المناخي أو النقص في المياه الصالحة للشرب جانبا من صورة العناصر التي تترك بصماتها السلبية على صحة الإنسان، الذي بوسعه أن يتدخل فيها مثلما يتوجب عليه القيام بذلك أيضا.

ذلك ما أوضحه المشاركون في مؤتمر منظمة علم المقاييس والأوزان، الذي عقد، مؤخراً، في العاصمة الاسبانية مدريد.

وتبين من خلال المناقشات أن نشاط مصانع المنتجات الكيماوية أو التلوث البيئي أو التعرض لمواد مضرة في العمل من شأنه أن يؤثر على البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء، على الرغم من أن التأثير الأكبر هو، إلى حد كبير، من نصيب تلك البلدان التي لديها موارد أقل. والضرر الذي ينتجه النقص في تأمين ظروف صحية مواتيه أو المياه الصالحة للشرب يظهر في المقام الأول في الأمم الأكثر فقرا . أما الضرر من التغير المناخي أو الأشعة فوق البنفسجية أو الأضرار التي تعاني منها الأنظمة البيئية، فإنها لا تفرق بين غني وفقير و لها تأثير مماثل في جميع البلدان.

هذا ما بينته بوضوح ماريا نيرا، مديرة دائرة الصحة العامة والبيئة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في اجتماع المنظمة العالمية لعلم المقاييس والأوزان الذي عقد خصيصا لمناقشة تأثيرات كل ذلك على صحة الإنسان. وشددت نيرا على أنه على الرغم من أن تأثيرات الوسط البيئي يمكن ملاحظتها بصورة أكبر في البلدان السائرة في طريق التطور، إلا أن الأمم الأكثر غنى ليست معفاة من تلك التأثيرات.

كما أكد الخبراء أن هذه الظروف السلبية على علاقة وثيقة بأمراض عديدة، ذلك أن هذه العناصر البيئية الحاسمة تفضي إلى ظهور سلسلة من الأمراض، التي يمكن أن تكون معدية. وبحسب ما ذهبت إليه نيرا، فإن تردي حالة الأنظمة المناخية للكرة الأرضية يتسبب بمشكلات زراعية وهذه تنعكس، في نهاية المطاف، على شكل مظاهر تتعلق بسوء التغذية.

أمر مماثل يحدث فيما يتعلق بظاهرة التغير المناخي، القادرة على إحداث حالات تلوث على نطاق واسع، أو فيما يتعلق بالتعرض للأشعة البنفسجية، التي تزيد وإلى حد كبير من خطر الإصابة بسرطان الجلد.

وذكرت هذه المتخصصة العاملة في المنظمة العالمية للمقاييس والأوزان أن «الإصابة بالإسهال إنما تعزى في 90% من الحالات إلى أسباب بيئية (نقص المياه الصالحة للشرب أو الظروف الصحية السيئة أو التغير المناخي)، فضلا عن أن الكثير من أسباب الوفيات مرتبطة بشكل أو بآخر بالتغير المناخي، إذ أن سوء التغذية، على سبيل المثال، يقف وراء 7 .3 ملايين حالة وفاة حول العالم والإسهال يتسبب بدوره بوفاة 8 .1 شخص والملاريا تقتل 1,1 مليون شخص».

لهذه الأسباب، أجمع المشاركون في المؤتمر العالمي للمنظمة العالمية للأوزان والمقاييس على الإشارة إلى أهمية التعاون بين خبراء علم الأوزان والمقاييس والمتخصصين في الصحة.

من جانب آخر، ركز أندريو جيثيكو، الذي يعمل في معهد الأبحاث الطبية الكيني، على تأثير الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وأكد على أن هذه العناصر المناخية تؤدي إلى زيادة حادة في انتشار البعوض وحشرات أخرى قادرة على نقل أمراض محددة. كما تزداد أعداد الأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية الناجمة عن الرطوبة.

وأشار قادر م. كوندي، مدير مركز مراقبة الأمراض التابع للمنظمة العالمية للأوزان والمقاييس في منطقة أوغادوغو (بوركينا فاسو)، إلى الدور الذي يلعبه علم الأوزان والمقاييس في تدارك مرض التهاب السحايا واعتبر هذا المرض الخطير «وثيق الصلة بالمناخ إلى حد كبير».

وبحسب ما أكده هذا الخبير، فإن هناك ثلاثة عناصر تتضافر لتسبب مرض التهاب السحايا: الجرثومة التي تسبب المرض ووهن السكان والعوامل الاجتماعية ـ الاقتصادية ( الفقر، الاختلاط) والعوامل المناخية (حرارة، رطوبة، كثافة الغبار... الخ).

في هذا السياق، شدد كوندي على أهمية «نظام الإنذار المبكر الخاص بالتهاب السحايا بالتناغم مع التكهنات التي يوفرها علم الأوزان والمقاييس». وهنا يتعلق الأمر بأداة تقوم بتحليل درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة وتربط ذلك مع إمكانية أن تظهر آفات محتملة، حيث يؤكد الخبير أن «بداية تسجيل آفة ما تتم عندما تظهر 10 حالات بين كل 100 ألف شخص كل أسبوع».

من جانب آخر، فإن الباحثون أكدوا على ضرورة أن يصار إلى إجراء أبحاث ودراسات مبكرة ووقفوا عند هذه النقطة طويلا لما لها من أهمية في الوقاية من المخاطر المستقبلة على صعيد إمكانية ظهور آفات في أي مكان في العالم، ولقد قال كينيث بهذا الصدد إن «الوقاية خير وأرخص من أي علاج». وأضاف أن عمليات التدخل الوقائية توفر، في نهاية المطاف، الأموال لأنها تحول دون الاضطرار إلى دفع تكلفة صحية باهظة تفترضها الأمراض وإدخال الناس إلى المستشفيات للعلاج. وبالتالي، فإن «المراقبة المبكرة تقلص من الخسائر الاقتصادية والوفيات بين الناس».

وأوضح هذا الطبيب الإفريقي قائلا :«قبل سنوات خلت، عندما شرعنا في الحديث عن المناخ والصحة البشرية كان يقال إن هذا لا يؤثر على البلدان المتطورة، بيد أن موجة ارتفاع درجات الحرارة أودت، مع ذلك، بحياة 35 ألف شخص في أوروبا وحدها. علما بأن الجهات المعنية كانت تملك الوسائل الوقائية لكنها لم توظفها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن موجات الحرارة هذه آخذة بالتكرار بصورة متزايدة مع مرور الوقت، فبعد أن كانت تظهر في السابق كل ثماني سنوات، أصبحت تظهر الآن بشكل سنوي».

وألحت ماريا نيرا على الحاجة إلى محاربة المعتقدات الزائفة على غرار الخرافة التي تقول إن الحفاظ على الوسط البيئي إنما يقوم فقط على حماية الأجناس التي في طريقها إلى الانقراض، أو الفكرة القائلة بأنه من الترف التفكير في التدخل في هذه الأمور قبل أن يصار إلى حل مشكلات أخرى على جانب أكبر من الأهمية.

وخلصت هذه العضو في المنظمة العالمية للأوزان والمقاييس إلى القول إن «القطاع الصحي يجب أن يكون مجهزا على خير وجه للتعاون مع قطاعات أخرى، مثل قطاع علم الأوزان والمقاييس، لأنه سيتعين عليه أن يشكل الحاجز الأول أمام التغير المناخي، بحيث أن من الضرورة بمكان العمل على توفير إمكانية الرد على الكوارث الطبيعية وعلى توفير فرصة الحصول على المياه الصالحة للشرب وعلى أنظمة علم الأوبئة وذلك للتحرك على جناح السرعة في حال الضرورة».

ترجمة: باسل أبو حمدة ــ عن «الموندو»