شغل علي علاوي منصب وزير المالية العراقي بعد أن أسقط الأميركيون نظام صدام حسين، لكنه لم يقم بأي شيء سوى تلك الأعمال المكتبية الروتينية التي تقتضيها مثل تلك الوظائف في البلدان الأخرى. وبشكل مختلف عن معظم الوزراء والأجانب الموجودين في بغداد، رفض علاوي الإقامة في المنطقة الخضراء، وهي تلك المنطقة التي أحاطها الأميركيون بسياج من الحماية الشديدة وأمدوها بكل التجهيزات التي جعلتها تبدو مثل مدينة أميركية صغيرة. ذلك القرار الذي اتخذه بالعيش خارج المنطقة الخضراء كاد يكلفه حياته عندما تعرضت سيارته لكمين وأطلق عليها القناصة وابلاً من الرصاص من كل مكان، لم ينقذه منه إلا قيام حراسه الشخصيين في السيارة التي كانت تسير خلفه بإطلاق نيران ثقيلة من مدافعهم الرشاشة.
وتعليقاً على هذه التجربة، يقول علاوي ـ الذي يبلغ من العمر الآن 60 عاما: «لم يكن لدي وقت حتى كي أشعر بالخوف. لم أحص عدد الطلقات التي أصابت سيارتي. فقد كان دوي الرصاص والمدافع الرشاشة مرتفعا للغاية لدرجة أنه كان من المستحيل أن يفكر المرء بأي صورة في ظل تلك الأجواء».
و في مذكراته الحديثة، يروي علاوي كيف فشل احتلال العراق وكيف لم يؤد إسقاط صدام حسين إلى أي نجاح. فكتابه الأخير الذي أصدرته جامعة يال، ويحمل عنوان: «احتلال العراق: كسب الحرب وخسارة السلام» يعد أفضل كتاب صدر حتى الآن يصور قصة السقوط الكارثي من قمة النشوة التي صاحبت الأيام الأولى السعيدة لإسقاط صدام حسين إلى قاع الفساد والوحشية وعدم الكفاءة التي هي السمات الرئيسية للفترة التي تلت سقوط صدام.
ما لم يقله علاوي في مذكراته التي حاول فيها الابتعاد عن الحديث عن نفسه هو أنه بالفعل الشخص الذي يحتاجه العراقيون بشدة، فهو ذلك المسؤول المتعلم بشكل جيد للغاية ( فهو خريج معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا وحاصل على درجة الماجستير من جامعة هارفارد ) وهو الذي يتفهم أسلوب تفكير الغرب وفي الوقت نفسه لم يتخل عن جذوره العراقية.
بعد انتهاء فترة توليه الوزارة في 2005-2006، غادر علاوي العراق بعد أن تملكه اليأس. فقد سقطت بلاده في هوة من الجحيم الطائفي والحزبي.
وبسؤاله عن الخطوة الأولى التي يمكن أن يفعلها لتصحيح السقوط المروع للبلاد، قال علاوي إنه سيقوم، في حال أن يكون في وضع يسمح له بذلك، بإلغاء المنطقة الخضراء وإخراج الحكومة العراقية من خلف جدرانها الخرسانية المتفجرة. يمكن أن تكون وصفته هذه خطيرة للغاية، ولكن علاوي يضع أصابعه على أكثر رموز الاحتلال إثارة لحنق البغداديين. فالمنطقة الخضراء تشغل حيزا ضخما من مركز المدينة وتمتد على أجمل مناطق النهر وتمنع العراقيين تماما مما كان يمنعهم منه صدام حسين، عندما كان يحيط قصوره ومبانيه الإدارية بسياج وأسوار. فالسفارة الأميركية الآن واقعة داخل قصر صدام القديم وتحيطها البارات ومطاعم البيتزا.
سكان المنطقة الخضراء يصفون كل شيء خارج البوابات الأمنية، أي عمليا كل البلد، بالمنطقة الحمراء.
و الأسوأ من ذلك، كما يرى علاوي، هو أن معظم أعضاء الحكومة العراقية يعيشون ويعملون وراء أسوار هذه المنطقة. يقول علاوي في هذا الصدد: «كل من يعيش داخل هذه المدينة منفصل عن معاناة البلد بأكمله وما يعانيه من انقطاع في الكهرباء ومن شوارع قذرة ومن أعمال اختطاف وقتل وتفجير».
عندما عاد علاوي إلى العراق في 2003( حيث إنه غادر بلده وهو في سنوات الطفولة بعد وقت قصير من قيام الثورة) كان على دراية بالفعل بحجم العمل الإنشائي الذي يحتاجه البلد. يقول علاوي: « لقد تحركت بالسيارة من الكويت وصولا إلى نهر الفرات وكان المنظر العام غير مألوف بالمرة. شاهدت حجم الدمار والقاذورات في الشارع وما آل إليه الوضع داخل المباني الحكومية. الشعب كان يبدو في حالة انهيار».
وكان علاوي قد قضى عقودا يعمل يوما بيوم في القطاع المصرفي وفي كتابة شكاوى المعارضة ليلا، وذلك لأنه كما قال «يؤمن بالعدالة. لا أريد أن أرى الناس يتعرضون للظلم. حزب البعث كان حزبا وحشيا فاشيا». ثم قضى بعد ذلك ثلاثة أعوام في قلب السلطة في بغداد، تاركا عائلته في بريطانيا. ويصف علاوي تطور مشاعره كالتالي: «أولا كنت مرتبكا ثم قلقا ثم غاضبا». غير أن الأمر الذي كان له أثر مدمر في نفسيته هو أن الأميركيين بعد إسقاط صدام لم تكن لديهم خطة. الأمر الأسوأ، على حد تعبيره، كان يتمثل في أن الغرب «قام بالغزو من دون قتال حزب البعث، تاركا لأتباع الطاغية السابقين كل الموارد التي يحتاجونها للقيام بحركة تمرد كاملة الأركان».
ويحمل كتاب علاوي نقدا صريحا وواضحا، يتضمن نصا يشرح فيه الوزير السابق ما لا ينبغي فعله في بيئة شهدت حربا. يقول علاوي في الكتاب: «أحدٌ في سلطة التحالف المؤقتة ( الحكومة العراقية التي تقودها أميركا) لم يرد تقويض التفكير الأميركي نحو العراق ورفضه، وهو التفكير الذي اتسم بالسطحية وتبسيط الأمور بشكل ينطوي على خطورة بالغة».
و أضاف: «هذا التفكير تمثل في التالي: غزو العراق يعني التحرير؛ الغالبية العظمى من العراقيين سيرحبون بقوات التحالف؛ العراقيون الذين يتمردون يقفون ضد قوى الحرية؛ إعادة الإعمار والرخاء قريبان للغاية».
لقد أبلى بول بريمر الذي كان يتولى زمام الأمور عند ولادة حركة المقاومة التي تقطع الآن أوصال العراق ـ أبلى بلاء حسنا في الإدارة الجزئية للوضع ولكنه افتقد وجود إستراتيجية. يقول عنه علاوي: «بريمر كان يعرف كيف يقود السيارة ولكنه لم يكن يعرف أين يتجه».
لقد بدا أن بريمر لا يعلم شيئا عما كان يدركه علاوي بشدة. فالأخير كان يدرك أن 30 عاما من الحكم الدكتاتوري المتوحش وعسكرة المجتمع هي أمور من شأنها تأجيج المشاعر المدفونة وإجهاض الطموحات القومية للمجتمعات الرئيسية المختلفة المكونة للعراق، وهي السنة والشيعة والأكراد.
و في كتابه، لا يتوجه علاوي باللوم للأميركيين والغربيين فحسب، وإنما يلوم أيضا العراقيين في المنفى الذين سنحت لهم فرصة العودة إلى الوطن وبنائه من جديد. لقد أيد علاوي غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين ولكنه وجد أنه من الصعوبة التمسك بمبرره الأخلاقي عندما تجلت حقيقة الوضع. ويشير في هذا الصدد إلى أعضاء الحكومة التي كان يعمل فيها. فبعد أن تم انتخابهم، انخرط أعضاء الحكومة، بدلا من الانشغال بكتابة دستور للبلاد، طوال ثلاثة أشهر كاملة في خلافات شخصية حول الحصول على أبرز المناصب. وطغت التسويات والحلول الوسط والاتفاقيات على نوعية الوزراء، واتسم المعينون باللامبالاة، على حد تعبيره.
ويقول علاوي إن الأميركيين حاولوا ولكنهم فشلوا في إيجاد ما أرادوا له أن يكون نظاما أمنيا موازيا يكون مسؤولا أمام واشنطن عما يجري في العراق، حيث كانوا يفضلون أن يقود هذا النظام شخصية تستجيب لمجرد الهمسة المرسلة من قبل البيت الأبيض، على حد تعبيره. ويرى علاوي أن هذا الفشل من جانب الأميركيين كان شيئا جيدا، وعلى الرغم من كونه شيعيا إلا أنه ينتقد وزير الداخلية بيان جبر الذي سمح للمليشيات الشيعية وحتى فرق الموت بالتغلغل داخل صفوف الوزارة.
و بالرغم من حالة التشاؤم التي تسيطر عليه إلا أن علاوي لم يفقد الأمل حتى الآن، حيث يقول: « أؤمن بأن الفرصة يمكن أن تتاح لشعب متعلم بشكل جيد كي يطالب بتغييرات ضرورية في السياسة والاتجاه العام من أجل تصحيح الأوضاع».
بأسلوبه الهادئ يمثل علاوي صورة للمواطن العراقي العادي الذي يجلس بعيدا عن الأحداث ويتمنى، عكس مجريات الأمور، أن يتوقف انقطاع التيار الكهربائي وتختفي طوابير الحصول على وقود السيارات ويتوقف النقص في المياه وتنتهي حالة الغياب الأمني والعنف التي تشكل ملامح الحياة اليومية في العراق.
ترجمة: حاتم حسين ــ عن: «صنداي تايمز»