اعترف القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا بصعوبة مهمة الحلف في أفغانستان، مؤكدا أنه لا يستطيع الوعد بتحقيق نصر هناك. وفي حوار له مؤخرا مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية، قال الجنرال جون كرادوك إن الجيش الأفغاني بأمس الحاجة إلى قيادة وطنية، مؤكدا أن الدول الأعضاء في الحلف يتعين عليها التنسيق من أجل إنجاح أهم مهمة في تاريخ التحالف. وفيما يلي نص الحوار:

* هل تخشى عودة جديدة إلى الحرب الباردة؟

ـ لا مطلقا. الظروف الآن مختلفة كل الاختلاف عن الماضي. الآن لا توجد مثل تلك التحالفات المباشرة الكبيرة والتجمعات العسكرية على حدود دولة ما. ولا تجد العالم متورطا في علاقات مع قطبين يسيطران على العالم. تلك الأيام قد ولت. أنا لا أرى أي إمكانية لنشوب أي حرب باردة.

* ألا ترى أنه أمر يحمل مغزى كبيرا أن يتعامل الأميركيون الآن مع حلفاء جدد في أوروبا الشرقية، فيما يبقى صراع القوة منحصرا في معظمه على ما يطلق عليه «أوروبا القديمة»؟

ـ لا، لا مطلقا. عليك أن تتفهم طبيعة وآلية الموقف. ففي ضوء طبيعة وآلية الوضع تم اختيار هذين البلدين، وهما بولندا وجمهورية التشيك، من أجل المساعدة في مشروع الدرع الصاروخي. الأمر ليست له أي اعتبارات سياسية.

* إذا فمشروع الدفاع الصاروخي ليس مؤشرا جديدا على أن حلف الناتو قد فقد أهميته؟

ـ لا

* لقد عملت بشكل وثيق مع وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد الذي اشتهر بتكوين تحالفات وقتية تخدم أغراضا معينة بدلا من العمل من خلال الناتو. الآن وقد رحل رامسفيلد، فهل انتهى العمل بسياسته؟

ـ في الواقع كان يجري اللجوء للوسيلتين في آن واحد إبان عهد رامسفيلد. فالناتو موجود في العراق من أجل تدريب القوات هناك. وموجود الآن أيضا في أفغانستان. ومن ثم فإن هذا دليل على أن العالم قد تغير وأنه ستكون هناك وسائل كثيرة لإقناع الدول على العمل معا في إطار متعدد الأطراف.

فالأمر يعتمد على طبيعة الموقف والظروف المحيطة عند تحديد ما إذا كان سيجري الاعتماد على الناتو، الذي هو أكثر التحالفات الأمنية في العالم نجاحا، أم على تحالف الراغبين، كما تم وصفه. وقد يكون عامل السرعة في تحديد الأمور هو الآخر أحد العوامل التي ستحدد الطرف الذي يمكن الاعتماد عليه.

* الناتو جاء إلى أفغانستان ليعمل كقوة لحفظ السلام، ولكنه الآن منخرط في قتال دموي. ما الذي جرى؟

ـ الآن 50% تقريبا من أفغانستان تعتبر مناطق آمنة نسبيا. في حين أن الوضع مختلف في الجنوب والشرق. فهناك قوات معارضة مسلحة تنتمي لحركة طالبان تريد أن تعود بأفغانستان مرة أخرى إلى فترة الحكم الاستبدادي الذي كانت ترزح تحته البلاد منذ سنوات قليلة.

فالناتو جاء أولا إلى الشمال ثم توسع في مختلف أنحاء البلاد. وقدم الحلف قوات في مناطق لم يكن بها أي وجود عسكري واشتبك مع قوات طالبان التي حاولت أن تعمل أي شيء من أجل تعويض خسائرها. وأنا لا أستطيع أن أصف هذا بأنه كان من قبيل المفاجأة ولكنني أصفه بأنه كان أمرا متوقعا.

* لقد فقد التحالف الغربي 567 جنديا حتى الآن. ما هو الحد الأقصى للضحايا الذي يمكن للناتو قبوله؟

ـ لا أعلم. أعتقد أن لكل دولة رأيها في هذا الصدد. سيأتي وقت سيعاني فيه أعضاء التحالف من مستوى ضحايا يمكن أن يوصف بأنه يتعدى حدود المقبول ولكن ستأتي أيضا أوقات ستعمل فيها الدول معا من أجل تجنب مزيد من الضحايا. أعتقد أن المفتاح في هذا الصدد سيكون إحراز تقدم. يجب أن يكون هناك اعتقاد بأن النجاح يجب أن يجري تحقيقه.

* أثناء قمة ريجا العام الماضي، دعا رؤساء الدول الأعضاء في الناتو إلى صياغة إستراتيجية شاملة، أو إلى ما يمكن وصفه بأنه تنسيق بين الإسهامات العسكرية والمدنية. هل تحقق شيء من هذا الأمر؟

ـ هناك تقدم. يتعين علينا أن نتخلص من الأشرار وقوة إيساف في أفغانستان قادرة على القيام بهذا. المرحلة التالية تتمثل في أن يكون لنا موطئ قدم ثابت هناك، فإما إيساف أو قوات الأمن الأفغاني يجب أن تكون موجودة. يجب تعزيز الموقف الأمني. وجود القوات هناك يعزز جهود التنمية وخلق الفرص الوظيفية على المدى البعيد، وهي أمور ستؤدي كلها إلى إحداث تغيير كبير في الوضع.

* تبدو خطة رائعة ولكن روح التفاؤل لا تسيطر على الجميع.

ـ المهمة الرئيسية للناتو في أفغانستان هي تحقيق الأمن. يجب تدريب الشرطة الأفغانية التي يتعين أن تكون قادرة على التعامل مع الوضع ويجب أن ينال أفرادها المقابل المادي المناسب الذي من شأنه منع ظهور أي فساد. ويجب تدريب الجيش الوطني الأفغاني وإعداده وتجهيزه حتى يتمكن من توفير الأمن القومي في الوقت الذي تتولى فيه قوات الشرطة الأمن الداخلي.

؟ هل أصابتك خيبة أمل من انعدام وجود قيادة أفغانية لهذه الحرب؟

ـ نعم أنا بالفعل محبط. أتصور أن الجيش يتقدم من حيث الأفراد المدربون الأكفاء. غير أن مفتاح الأمر هو القيادة. يتعين عليهم بناء قادة. القادة أحيانا يولدون ولكنهم في الغالب يجري إعدادهم. ولذا فإنني أرى أن هناك الآن معالجة شاملة لعملية التدريب. الأمر لا يجب أن يقتصر على تدريب الجنود وإلقائهم في قلب المعركة من دون الالتفات إلى ما سيحدث بعد ذلك. تلك الأيام قد ولت.

* مهمة تدريب الشرطة كانت مشروعا ألمانيا في الأساس. ألا تتملكك خيبة الأمل من هذا الأمر أيضا؟

ـ نعم. الدولة الرئيسية المختصة بشؤون الجيش في دول مجموعة الثماني هي أميركا. هناك ما هو أكثر من ألفي مدرب أميركي للجيش. في حين أن الدولة الرئيسية المختصة بشؤون الشرطة في مجموعة دول الثماني هي ألمانيا، وأعتقد أن هناك نحو 40 مدربا ألمانيا فقط للشرطة. نحن جميعا ندرك أن هذا العدد غير كاف. ومن ثم فإنني أعتقد أن هناك محاولات الآن بين تلك الدول لمساعدة ألمانيا في هذا الشأن.

* في العام الماضي طلب الناتو عددا أكبر من الجنود في أفغانستان. وحصلتم من ألمانيا على ست طائرات تورنادو؟ ما هي مهمة تلك الطائرات المقاتلة وكيف تؤدي مهامها؟

ـ تلك الطائرات تمثل إضافة قيمة لعمليات المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات التي نقوم بها. أنا لن أخوض بالتفصيل في هذا الصدد وذلك لاعتبارات متعلقة بأمن المهام التي تقوم بها تلك الطائرات.

هناك أنواع كثيرة مختلفة للأهداف التي نضعها في حسباننا، فهناك أهداف متعلقة بالقبض على أشخاص معينين وهناك أهداف مراقبة ورصد تحركات معينة. أساس الأمر هنا هو أن هناك دائما قصورا في معدات المراقبة، وتلك الطائرات تمثل إضافة قوية وجيدة بالنسبة لنا.

* إذا فشل الناتو في أفغانستان، أتكون هذه الحرب نهاية أقوى تحالف أمني في العالم؟

ـ أعتقد أن هذا الأمر إذا حدث سيضع التحالف في خطر. إنها أهم مهمة في تاريخ الناتو وأعتقد أنه من المهم للغاية أن تتضافر جهود أعضاء الناتو للعمل معا من أجل إنجاح وإنجاز تلك المهمة بشكل كامل.

* هل تعتقد أن الناتو قادر على إنجاز المهمة؟

ـ أنا واثق من النجاح ولكنني لا أستطيع أن أعد به. لا أستطيع ضمان أي أمر.

ترجمة: حاتم حسين عن «دير شبيغل»