يروي المؤلف في هذه الحلقة من عرض الكتاب قصة البدايات في مسيرة شركة بلاكووتر الأميركية المتخصصة في تدريب قوات المرتزقة، التي تأسست في منتصف عقد التسعينيات ولكنها أصبحت قانونية بعد أربعة أشهر ونصف تقريباً من وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001.
وعلى الرغم من أنها كانت شركة حديثة التأسيس، إلا أنها استطاعت من خلال صلات مالكيها مع المحافظين الجدد ودعمها لهم أن تؤمن لنفسها عقوداً مغرية مع قوات الجيش والشرطة الأميركية داخل الولايات المتحدة ثم في أفغانستان، ولكن الانطلاقة الحقيقية لأعمال الشركة حدثت مع صدور قرار بوش بغزو العراق، حيث اضطلعت بدور كبير في تأمين الحماية للشخصيات الأميركية البارزة وأركان سلطة التحالف في العراق وعلى رأسهم بول بريمر. وحققت الشركة مكاسب مالية هائلة وبات ينطبق عليها المثل القائل : مصائب قوم عند قوم فوائد. ما أبعد المسافة حقا بين هولاندا، البلدة الصغيرة في ولاية متشغن الأميركية، وبين الفلوجة، المدينة المتمردة الرافضة في أرض العراق، ولكن ثمة رابطة تصل بين الموقعين، وهي رابطة مضمخة بالدم المسفوك. كانت نشأة إريك برنس في الموقع الأول، وفي الموقع الثاني كانت أنشطة المرتزقة الذين عمل إريك برنس على تكوين جيش شرير من عناصرهم ثم قذف بهم من أميركا إلى العراق.
هكذا نشأ «إريك برنس» في هذه المنطقة الوادعة من الغرب الأميركي الأوسط الذي يطل على بحيرة متشغن، حيث ما زالت عائلته تمتلك دارا كبيرة وفاخرة أيضا وما زال للأسرة صيتها الذي ذاع في أرجاء المكان بوصفها عائلة تجمع بين سعة الثراء وعمق النفوذ. لكن إيريك برنس نقل ممتلكاته من متشغن إلى ولاية أخرى ما زالت بدورها تحتفظ بطابع الأرياف والبراري حيث أن الأرض ممتدة والمزارع شاسعة والسكان قليلون. إنها «نورث كارولينا» التي تضم مزرعة برنس البالغ حجمها 7 آلاف فدان. وهي تعكس غنى الأسرة فيما تعبر أيضا عن مكانة عميد الأسرة والد إريك برنس الذي رحل عن الحياة فجأة في عام 1995 فما كان من أهل الولاية إلا أن صنعوا له تمثالا من البرونز تخليدا لذكراه كما يتصورون.
عندما تغيب السكينة... لكن مزرعة نورث كارولينا ليست ككل المزارع التي يلفها عادة طائف الهدوء وتنزل على ربوعها في كل لحظة ستور من السكينة والوداعة وراحة البال. العكس هو الصحيح: المزرعة لا تكاد تعرف الهدوء إذ لا ينقطع منها أصوات للقصف مدوية وغير مألوفة، إنها أصوات الرشاشات التي تزأر رصاصاتها فتعكر باستمرار صفو المكان. ولم يكن صدفة أن شباب الأسرة نشأوا وترعرعوا في بقعة تحمل اسم هولاندا. هذا الاسم جاء به الجدود عندما عبروا الأطلسي في زمان مضى مهاجرين من هولندا إلى أميركا ـ أرض الأحلام الجديدة حاملين معهم أقل المتاع في سفنهم ولكن حاملين في أفئدتهم عقائدهم الدينية التي تنتمي إلى الكنيسة الإصلاحية الهولندية بكل تعاليمها المتشددة المستمدة من مذاهب البروتستانت. من هنا استطاع المهاجرون إنشاء إمبراطورية صناعية، تخصصت في صناعة الحديد والألمنيوم ثم ترجمت عقائدها لتصبح من غلاة المحافظين في السياسة ومن أشد أنصار الحزب الجمهوري في الحياة العامة ومن صنوف اليمين الديني المتطرف بل والمتعصب للعقيدة، والمذهب كل هذا استنادا إلى ثروة كان حجمها يقدر بمئات الملايين من الدولارات مما سلط الأضواء على الأسرة وأفرادها بفضل التبرعات الخيرية التي قدمتها إلى عشرات من المؤسسات التي حازت لديها بركات الرضا والقبول.
ويلفت النظر أن مبلغا سخيا من هذه التبرعات (نصف مليون دولار) قدمته العائلة لأغراض حملت لافتة إصلاح أحوال السجون ولكنها في الحقيقة استهدفت ما وصفوه بأنه «السجون ذات الأساس الديني» بمعنى بذل الجهود الرامية إلى تعميق ـ بل تأجيج المشاعر الدينية في نفوس السجناء لتحويلهم إلى عناصر تناصر اتجاهات اليمين الديني المتطرف والمتعصب في الحياة الأميركية.
وقد بلغت هذه الأنشطة التبشيرية ـ كما يسميها مؤلف الكتاب ـ ذروتها مع اقتراب السنة الأولى من القرن الحادي والعشرين حيث أصدر عمداء أسرة «برنس» وثيقة تدعو إلى جعل الدين ـ حسب رؤيتهم المتطرفة ـ هو العنصر المحوري في السياسة والمجتمع والتفكير وفي الحياة بشكل عام.
فتش عن السجون
عند هذا المنعطف من التحليل نصادف سؤالا جوهريا يكاد يطرح نفسه:
ـ لماذا السجون بالذات؟
ـ لأن القوم في أميركا اكتشفوا ـ من خلال بحوث ودراسات أجروها ـ أن كثيرا من نزلاء سجونهم كانوا من فقراء السود والهسبان (المنحدرين من أصول في أميركا اللاتينية) وأن جمهرة من هؤلاء النزلاء كانت تتخرج من السجن إلى الحرية وقد تحول أفرادها إلى عقيدة الإسلام (يشهد بهذا على سبيل المثال تاريخ أقوى جماعة إسلامية بين الملونين الأميركيين المعروفة باسم «أمة الإسلام»). وفي هذا السياق أصدرت جماعة المحافظين الجدد التي انتمى إليها إريك برنس وثيقة خطيرة جاء بين سطورها ما يلي:
«إن السجون ذات الأساس العقائدي (التي نتبرع لها) هي العقار الوحيد المضاد والناجح ضد الانتشار الواسع والنافذ للإسلام الراديكالي الذي تشهده كل بقعة في سجوننا، وبعدها تمضي الوثيقة لتضيف بالحرف:
«ولو حدث ـ لا قدر الله ـ أن تعرضت الأرض الأميركية لهجوم على يد الإسلاميين المتشددين الذين نشأوا بين ظهرانينا، فإن كثيرا من هؤلاء الجناة ـ إن لم يكن معظمهم ـ سيكونون من بين الذين تحولوا إلى الإسلام فيما كانوا نزلاء في السجون».
لكن الأخطر هو أن هذه النظرة المتعصبة من جانب هذا اليمين الديني المتطرف في أميركا ـ ما لبث أن اتسع إطارها فإذا بها تتطلع إلى النشاط خارج الحدود.
أنشطة التبشير
في هذا الصدد يحدثنا مؤلف الكتاب عن التبرعات التي قدمها برنس إلى «معهد هجّاي» في ولاية أطلانطا، ثم يفيدنا بأن المعهد المذكور هو مؤسسة تبشيرية تمارس أنشطتها في طول العالم وعرضه، وإنها تتفاخر بأن لديها أكثر من 60 ألف من «القادة الإيفانجيليين المدربين» الذين يعملون على المستوى الدولي مع التركيز على الدول الفقيرة أو النامية. ثم يضيف المؤلف قائلا:
إن السيد برنس شخصيا كان متبرعا سخيا ومن ثم كعضو في مجلس إدارة مؤسسة أخرى من هذا النمط اسمها «كريستيان فريدوم انترناشيونال» وهي جماعة تمارس نشاطا صليبيا في مجال التبشير وتعمل في بقاع شتى من الخارطة ما بين الصومال إلى السودان وما بين أفغانستان إلى العراق (تأمل أسماء هذه الأقطار التي ما زالت تشكل بقع الاحتراق والدمار حتى الآن).
يوضح المؤلف أيضا أن عددا من قادة هذه الأنشطة التبشيرية كانوا من نجوم إدارة نيكسون (ومنهم من حوكم في قضية ووترغيت) وأيضا من نجوم إدارة الرئيس ريغان (حيث الجذور الأولى لطغمة المحافظين الجدد).
والمهم أن المسألة تطورت من التبرعات إلى التبشير، ومن تعميق العقيدة المسيحية إلى إعلان العداء لما وصفوه بأنه «الإسلام الراديكالي» ثم اكتسى هذا التطور خطورة أفدح مع تحول هذا كله إلى المضمار العسكري، وجاء ذلك بناء على فكرة تبنوها وتقضي بإنشاء شركة خاصة تتولى القيام بأنشطة عسكرية وفي مقدمتها ساحات التدريب على الأسلحة الحديثة وفنون الحرب وأساليب القتال، كان ذلك في منتصف عقد التسعينات، وهي الفترة التي شهدت مولد «شركة بلاكووتر» وبعدها اتسعت شهرتها وحظيت بعقود سخية لتدريب أفراد الشرطة والجيش داخل الولايات المتحدة بعد أن حازت تقدير قادة تلك القطاعات بفضل جودة مرافقها وكفاءة موظفيها.
جنود الحظ
مع هذا كله، ظلت سمعة الشركة محدودة في هذا الإطار من نشاطها بوصفها مؤسسة لخدمات الإعداد والتدريب وتخريج كوادر الشرطة أو كوادر الجيش المؤهلة للعمل، صحيح أنها حصلت على مزايا وأرباح طائلة إلا أنها كانت تنتظر لحظة الشهرة العالمية التي واتتها عندما اتسع نشاطها ليشمل خطا مستجدا، لا على الساحة الأميركية وحدها بل ربما على ساحة العالم والعصر في آن معا.
إنه نشاط تجنيد المرتزقة، الرجال الذين يؤجرون سواعدهم وخبراتهم العسكرية لقاء ثمن طائل ومعلوم، يطلقون عليهم في أدبيات السياسة وصفا مميزا وهو «جنود الحظ، أو عساكر الصدفة أو عساكر الثروة» شباب ورجال ناضجون يشكلون وحدات عسكرية خصوصية ويخوضون غمرات الحرب بغير قضية ويقاتلون بغير مبدأ، ويمارسون القتل والتدمير بغير ضمير ويحترفون من ثم أبشع وأحط أنواع المهن التي عرفها الإنسان.
هكذا دخلت بلاكووتر إلى ساحة الأحداث وحملت لافتة تعريفية تقول بأنها «شركة خاصة لاستشارات الأمن». منذ تأسيسها قانونا في ولاية ديلاوير يوم 22 يناير عام 2002 (بعد 133 يوما فقط من حادثة الحادي عشر من سبتمبر).
وبعدها أيضا بدأت الشركة نشاطها في تجنيد المرتزقة وسرعان ما أرسلتهم إلى أفغانستان وهم الذين تولوا حماية مطار العاصمة كابول وقد كانت فرصة العمر بالنسبة للشركة المذكورة.
وكما يؤكد مؤلف الكتاب (ص 47) عندما تقدمت القوات الأميركية في زحفها صوب العاصمة العراقية بغداد في شهر مارس من عام 2003، وقّع رئيس الشركة برنس عقدا بالغ السخاء مع إدارة الرئيس بوش وبمقتضاه عمل رجاله من جيش المرتزقة حراسا خصوصيين (بودي غارد) لأكبر مسؤول أميركي في بغداد وهو السفير بول بريمر الذي كانوا يشيرون إليه بوصف «نائب الملك» أو القنصل العام» والذي يصفه مؤلفنا من جانبه بعبارات تقول بالحرف:
بريمر كان من دعاة ترويج أو تسويق الحرية وكان يماثل برنس عندما أصبح من غلاة مؤيدي أجندة المحافظين الجدد التي كانت تدعو إلى استخدام الجبروت العسكري الأميركي من أجل إعادة صياغة العالم وفقا لمصالح الولايات المتحدة، على أن يتم هذا كله باسم الديمقراطية. وكان التعاقد بين بريمر وبرنس يضع هذا الأخير على رأس قوة حربية من القطاع الخاص ينتشر أفرادها على طول خطوط الحرب وقد بلغت سرية هذه التعاقدات إلى الحد الذي تعذر في ظله مساءلة شركة المرتزقة أمام أي وكالة أو هيئة فيدرالية داخل الولايات المتحدة ثم يقول المؤلف أيضا:
هكذا كان العراق هو العلامة الفاصلة في تجسيد ظاهرة المرتزقة وسرعان ما ذاعت شهرة بلاكووتر بوصفها المورد الأساسي لتلك الجيوش القائمة على الارتزاق ولكن يشاء القدر أن تأتي لحظة أخرى قبل مرور أقل من سنة على انتشار هؤلاء المرتزقة وهي اللحظة التي دخل فيها أربعة من مرتزقة بلاكووتر إلى المثلث السُني الشهير في العراق فإذا بهم يلقون حتفهم، وإذا باسم بلاكووتر يذاع مجللا بالعار، وإذا بحادثة مقتل وانكشاف المرتزقة يغير من مسار الاحتلال الأميركي للعراق وأيضا من مسار المقاومة، حدث هذا كله في مدينة اسمها الفلوجة، نفس المدينة التي سبق وأن شهدت مذبحة نجمت عما أسموه يومها بخطأ في قصف المواقع، وكان ذلك خلال حرب الخليج عام 1991.
بريمر في بغداد
بعد 12 سنة من حرب الخليج، أصبحت الفلوجة بل والعراق تحت حكم المبعوث - السوبر بريمر الذي وصفته «الواشنطن بوست» بأنه «صقر صلب المراس معقوف الأنف، وأقرب ما يكون إلى جماعة المحافظين الجدد في دوائر البنتاغون العسكرية» ، وقد تأكدت هذه الحقيقة عندما أوفد تشيني، نائب رئيس الجمهورية مساعده الخاص بريان ماكورماك ليعمل مساعدا لحاكم العراق الجديد ويسهب المؤلف عند هذه النقطة قائلا:
يقال إن بريمر كان يعّول كثيرا على أحمد الجلبي، العراقي العائد من المنفى محوطا بالعار لكي يسدي إليه المشورة في أمور السياسة الداخلية، وكان بريمر يصدر أوامره وكأنه إمبراطور جديد الأمر الذي أحبط آمال العراقيين في أن يحكموا بلادهم بل كان لا يفتأ يردد على مسامع الآخرين قائلا: الاحتلال كلمة سيئة، لكنها حقيقة واقعة وكثيرا ما كانت زوجة بريمر تردد من جانبها قولها:
إن زوجي ينظر إلى عمله في العراق على أنه فرصة واتته من الرب لكي يشيع نور الحرية على أهل العراق بعد عشرات السنين عاشوها في دياجير الظلمات.
بيد أن المشكلة ـ كما يوضح مؤلف كتابنا ـ هي أن سلوك بول بريمر كان على العكس تماما من حكاية فرصة الرب الممنوحة أو حكاية النور بعد الظلمات.
يتابع المؤلف كيف أن بريمر أعلن فور وصوله إلى بغداد قائلا: أصبح العراق مفتوحا أمام البيزنس. وكان محور اهتمامه هو خصخصة صناعة البترول العراقية (ص 68)، وأصدر مجموعة أساسية من القوانين التي لا سابق لها من حيث سخائها (بمعنى محاباتها) بالنسبة للشركات (الأجنبية) المتعددة الجنسيات ومنها 37 مرسوما تقضي بخفض ضريبة الشركات في العراق من 40 في المئة إلى 15 في المئة فقط لا غير.
في مثل هذه الأجواء من التصرفات غير المسؤولة كان لا بد وأن تنتعش تجارة الأمن ومهنة الارتزاق في مجالات الحرب والقتال، هنا من جديد تطل شركة بلاكووتر. ويعبر المؤلف عن هذه الحقيقة ـ الظاهرة قائلا:
كانت الفوضى التي عاناها العراق تترجم نفسها إلى نجاحات مالية تجنيها بلاكووتر.
تحول عن المبدأ
وفي كل حال كان استخدام شركة المرتزقة العسكريين لحراسة بريمر في بغداد يشكل تحولا جذريا، بالغ الخطورة عن المبدأ الراسخ في أدبيات وأعراف السياسة الأميركية. ويقضي هذا المبدأ بعدم إسناد المهام الدقيقة الخاصة إلى أي طرف بمثل القطاع الخاص، ويقضي كذلك بأن لا تسند إلى القطاع الخاص أي عملية تقتضي من أفراده أن يحملوا السلاح.
وفي ظل هذه التحولات الخطيرة، هذا التنازل والتخلي عن المبادئ المستقرة في أعراف العسكرية الأميركية انفتحت سوق المرتزقة على مصراعيها وكان على القوم أن يدّبروا مبالغ طائلة لدفع المرتبات غير الطبيعية التي تقاضاها حراس المرتزقة الذين شكلوا قوة الحماية الخاصة للسيد بريمر وقد أصبح ـ كما أسلفنا - الحاكم المطلق في ارض العراق.
كيف كانت هذه المرتبات؟ يقول الكاتب إن المبلغ المدفوع للفرد المرتزق وصل إلى 600 دولار في اليوم الواحد، ومن هنا فقد أعلنت شركة بلاكووتر أن عملية الحراسة والأمن لحكم العراق الأميركي كانت عبارة عن «حزمة متكاملة من تسليم المفتاح» وقد ساعدت هذه المرتبات الطائلة على تطوير أعمال الشركة فإذا بعدد المرتزقة من المنخرطين في سلكها يزداد إلى حد الانفجار كما يعبر المؤلف، وإذا بأنشطتها تتسع في التنوع ما بين بلاد الرافدين إلى المركز الرئيسي في ولاية نورث كارولينا.
وإذا بالشركة تقدم المزيد من الخدمات في حماية الأقسام الدبلوماسية بالخارجية الأميركية، وإذا بأفراد بلاكووتر تظهر صورهم في كل اللقطات التي تابعت زيارة كبار المسؤولين الأميركيين وغير الأميركيين إلى العراق، يستوي في ذلك كولن باول وزير الخارجية السابق، وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا.
وغيرهم ممن كانت أطقم الحراسة المرتزقة تحف بمواكبهم تحت شعار المشاركة في الحرب المعلنة على الإرهاب، مع ذلك فقد اعتاد الناس على مشهد هذا الحارس أو ذاك يكاد يظهر في خلفية المشهد بيد على زناد مدفع رشاش ويد أخرى تمتد لتقبض على الكاميرا وتحجز عدستها عن التصوير ولسان حاله يردد: لا أريد أن يظهر وجهي على شاشة التلفزيون. والغريب أن كان هؤلاء المرتزقة يدركون مدى كراهية أبناء الشعب العراقي التي يضمرونها بحق لبول بريمر، (ألم يكن رمزا للفقر الذي حاق بالبلاد وتجسيدا لإرادة الاحتلال؟). ولذلك ينقل الكتاب عن رأي رؤسائهم الذين ظلوا يرددون عبارات ظاهرها شعور الخيلاء المغرور، يقولون!
إذا كنا قد نجحنا في الحفاظ على حياة أبغض شخصية في أرض العراق، فمعنى ذلك أننا سنصادف كل النجاح في حماية أي شخصية في أي بقعة في العالم.
نموذج الغرب الأميركي
هكذا دارت عجلة التوسع في أنشطة قوات المرتزقة، وعندما غادر بريمر العراق في يونيو من عام 2004 كان هناك أكثر من 20 ألف جندي مرتزقة من قوات القطاع الخاص يمارسون نشاطا لا يخضع لرقابة أو سيطرة، ولا لحساب أو عقاب، لا عجب إن ذاعت بين صفوف الأميركيين العالمين ببواطن الأمور المقولة التالية:
لقد أصبح العراق أقرب إلى الغرب (الأميركي) المنفلت عقاله (على نحو ما كانت تصوره أفلام الوسترن ورعاة البقر) ولكن بغير شخصية الشريف (الشرطي الأميركي) الذي كان يحاول وقتها ضبط الأمور.
وسط هذه الفوضى التي ضربت أطنابها في ربوع ذلك البلد العربي عملت ونشطت وكسبت جيوش المرتزقة التي ضمت عناصر من شتى المهن والتخصصات ذات الصلة بعمليات الحرب والأمن والقتال، عناصر جاءت ـ كما يوضح المؤلف ـ من صفوف قوات الكوماندوز الأميركية المعروفة باسم «دلتا فورس» وعناصر من المرتزقة الشهيرة باسم ذوي القلنسوات الخضراء، ومنهم مجرمون فارون وقتلة محترفون وعناصر من كوماندوز الصرب ومن قوات المارينز ومن مغاوير استراليا فضلا عن قوات خاصة من نيبال، انجلترا، وأيرلندا، وكلها عناصر امتدت أياديها لتقبض مرتبات لم يكن يحلم بجزء يسير منها أفراد القوات الرسمية أو النظامية الذين كانوا ينظرون إلى فلول المرتزقة بقدر لا يخفى من الغيرة أو الحقد أو بمزيج بينهما.
مع ذلك فقد كان المسؤولون في واشنطن يتعاملون مع هؤلاء المرتزقة ـ وخاصة جماعة بلاكووتر ـ بقدر لم يكن يخفى بدوره من الارتياح والتقدير، كانوا يطلقون على جيش المرتزقة في العراق وصفا دقيقا وغريبا أيضا وهو، الشريك الصامت.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



