أجرت مجلة «تينا» الإلكترونية الإسبانية، مؤخرا، حوارا مع المؤرخ والكاتب من أوروغواي إدواردو غاليانو تناول فيه عدة محاور حيوية تتعلق بالمستجدات التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة، بما فيها ما يدور من أحداث في منطقة الشرق الاوسط، الذي اعتبره الكاتب المكان الذي يتم فيه تشكيل مستقبل العالم بأسره. وفيما يلي جانب من الحوار:
* من الواضح أن الشرق الأوسط يترنح تحت وطأة ما يجري في أفغانستان والعراق المدمرين وفلسطين المنسية ولبنان الملتهب وإيران وسوريا المترقبتين، هل يمكن للشرق الأوسط أن ينجو من كافة هذه المطبات؟
ـ في الشرق الأوسط يتم التلاعب بمصير العالم بأسره والسيدة غوندوليزا رايس تتكلم عن خارطة جديدة، هي لا تقول ذلك صراحة، لكنها تريد أن تقول أنه يتعين على البلدان المعتدلة الانضمام كنجوم صغيرة إلى علم الولايات المتحدة حتى يتمكن أعز فرد من أفراد العائلة من أن يستمر في كونه ذلك الشخص الذي ينام في المرآب.
في هذه الحرب التي تخاض من أجل السيطرة على النفط تلعب إسرائيل دورا بائسا، ذلك أن حكوماتها المتعاقبة تفعل منذ سنوات كل ما بوسعها حتى يعتقد العالم بأن إسرائيل ليست سوى قاعدة عسكرية للولايات المتحدة. أنا لا أعتقد ذلك.
* فيما يركز العالم انتباهه على الشرق الأوسط، يبدو أنه يتم مرة أخرى نسيان القارة الأفريقية المحتضرة دوما.؟
ـ لا يوجد أرض في العالم عوملت على نحو سيء واضطهدت واستنزف دمها مثل أفريقيا وذلك ما يسمونه غربا يتعين عليه الشروع في تقديم الاعتذار لها.
* تمر أوقات مليئة بشتى الأمراض التي لا علاج لها والأعراض الخطيرة التي لا سابق لها، كيف تعيش زمن الحروب والهجرات هذا؟
ـ أسياد العالم يحولونه إلى مسلخ وإلى مستشفى مجانين وهم يقولون أن الظرف الإنساني هو في الأصل على هذا النحو. قد يكون كذلك، لست أدري. لكنهم لا يقنعوني. فلو كان أجداد أجدادنا كما نحن عليه الآن، لما بقي على وجه الأرض ولا حتى فأر صغير. أولئك ظلوا على قيد الحياة لأنهم عرفوا كيف يتقاسمون الطعام ويدافعون عن أنفسهم معا. ولم يعملوا على تصفية بعضهم البعض وكذلك فعل النمل، لكن نحن فعلنا كل ذلك وفقدنا الذاكرة التضامنية.
* بسبب الأزمات الاقتصادية، وجد الكثير من سكان أميركا اللاتينية أنفسهم مجبرين على الهجرة نحو أوروبا والولايات المتحدة. هل يتعلق الأمر هنا باختيار فردي بصورة كلية أم أنه يجب الأخذ في الاعتبار الإكراه الذي يمارسه السياق العام على هؤلاء الأشخاص؟
ـ هم لا يذهبون لأنهم يريدون، بل يذهبون لأن هناك من يطردهم، فهؤلاء المهاجرون يائسون، أناس تعبوا من الانتظار الطويل وصاروا يهربون بلا أمل ولا طموح. بعضهم تسير أموره على نحو جيد وآخرون، ليس جيداً تماماً، لكنهم جميعا يعيشون معلقين ببلدانهم الأصلية.
* شكلت كوبا نموذجا معياريا على صعيد السياسة الاجتماعية خلال خمسينات القرن الماضي. دولة أبقت اليوتوبيا الرومانسية لنموذج اجتماعي أكثر عدلا حية. لكن يبدو أن الجزيرة الكاريبية تمر في زمن التغيير الآن. على ماذا ستصبح هذه البقعة من العالم بعد رحيل فيديل كاسترو؟
ـ أول ما يجب عليهم فعله هو الوفاء بما تعهدوا القيام به. وهذا أكثر ما يقلقني. واستطلاعات الرأي الجدية تظهر أن غالبية الشباب لا تؤمن بالديمقراطية في أميركا اللاتينية وليس فقط استطلاعات الرأي. فخلال الانتخابات التشيلية الأخيرة، لم يصوت اثنان من كل ثلاثة شبان، لا بل إنهم حتى لم يسجلوا أنفسهم وذلك لسبب بسيط يتمثل بأنهم لا يؤمنون بذلك. وهنا تكمن في اعتقادي المسؤولية الكبرى للسياسيين في أميركا اللاتينية. إذ أن الأولاد لا يريدون سيركا وهم على حق.
عن «تينا»