دور النشر لا تكف عن العمل. وحين نتابع الإصدارات التي تظهر إلى النور بغير حصر، لا بد وأن نتوقف عند نوعية بعينها من الكتب التي تصدر لكي تؤدي مهمة تثقيف الجمهور أو توعية الرأي العام أو إماطة اللثام عن حقائق كانت مخبوءة أو مسكوتا عنها أو إثبات حقائق وطرح معارف وكشف معلومات تنير الطريق أمام الناس.. يستوي في ذلك المواطن العادي أو عضو النخبة المثقفة أو صانع القرار.

يستمد هذا الكتاب أهميته من أهمية الموضوع الذي يتناوله وهو قضية خصخصة الحروب الأميركية وبالأخص الحرب في العراق واستخدام قوات المرتزقة لتقوم بمهام قذرة نيابة عن الجيش الرسمي. وعلى الرغم من أن مسألة استخدام المرتزقة في الحروب ليست جديدة إلا أنها المرة الأولى في التاريخ التي يستخدم فيها عدد كبير من تلك القوات كما هو حاصل في العراق. مؤلف الكتاب شاب أميركي يمتهن العمل الصحافي، وقد خاض غماره في ساحات صراع ملتهبة في العراق ونيجيريا والبلقان.نطلق على مثل هذه النوعية من الكتب الصادرة وصف: الكتاب المهم أو الكتاب التأسيسي. لكن الكتاب الذي نعرض له في هذه السطور له شأن خاص وفريد من حيث الأهمية الفكرية والدور التنويري ونوعية المعلومات، لدرجة أن نجازف فنطلق عليه وصفا مستجدا يتألف من كلمتين هما: الكتاب الوثيقة.

العنوان الرئيسي للكتاب هو: بلاكووتر، وهو يعني حرفيا «الماء الأسود» وبعيدا عن الترجمة الحرفية نلاحظ بداية أن عنوان الكتاب هو بالضبط اسم شركة أميركية لا يكاد يعرفها الكثير من أبناء الولايات المتحدة، بل إنها ـ كما يضيف مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا ـ بعيدة في غالب الأحيان عن رادار أو عيون أجهزة المتابعة والاستكشاف في الكونغرس الأميركي بمعنى أنها بمنأى لا تزال عن آليات الرقابة التشريعية.. لماذا؟ لأنها أقرب إلى المؤسسة ـ الشبح، أو هي جيش الظل على وزن حكومة الظل، أو القوة المسلحة التي تحفها الغيوم أو الشكوك، وهذه الحقائق يفسرها العنوان الفرعي الأكثر تفصيلا لهذا الكتاب والعنوان يقول بالحرف: صعود أقوى جيش للمرتزقة في العالم.في نفس السياق يحرص مؤلف الكتاب على أن ينشر مقالا إضافيا ومفصلا عن نفس الموضوع في مجلة «ذي نيشن» الأميركية ذات التوجه التقدمي (عدد 2 أبريل الماضي) تحت عنوان «جيش الظل التابع لبوش».

شاهد من أهلها من ناحية أخرى يحرص الناشر على تصدير غلاف الكتاب بتوصيف موجز بالجهد الذي بذله المؤلف «جيرمي سكاهيل» وهو التوصيف أو التعريف الذي جاء على لسان دبلوماسي أميركي كبير هو السفير جوزيف ويلسون وقال فيه:إن هذا العرض الذي يكشف فيه المؤلف «جيرمي سكاهيل» عن دخائل شركة بلاكووتر للمرتزقة يدلل بعمق وجلاء على فداحة الأخطار التي ينطوي عليها احتكار الحكومة لعملية استعمال القوة من خلال مبدأ استخدام المصادر الخارجية (غير الرسمية أو غير الحكومية).

وعندنا أن هذا التوصيف الناقد لسلوك الإدارة الأميركية يكتسب وجاهته، فيما يكتسب كتابنا مصداقيته، من حقيقة أن كاتب هذه العبارات كان سفيرا لواشنطن في العراق، هذا فضلا عن أن المؤلف الشاب الذي نصاحب كتابه عبر هذه الحلقات ـ وهو بالمناسبة باكورة إصداراته ـ مشهود له بالبراعة في فن التحقيق الصحفي المتعمق والميداني بالذات، خاصة وقد خاض غمار العمل الصحفي على صعيد ساحات ملتهبة بالصراع وحافلة بالأحداث ما بين العراق في آسيا إلى نيجيريا في أفريقيا إلى البلقان في وسط أوروبا.

إهداء ملفت

يقع الكتاب في 19 فصلا تمتد على 462 صفحة، ويلفت نظر المحلل منذ الوهلة أو الصفحة الأولى سطور الإهداء الذي يقول فيها مؤلف الكتاب: إلى الصحفيين الأحرار المستقلين.. ولا سيما الإعلاميين العرب.. الذين ما برحوا يخاطرون بحياتهم ومنهم من فقد حياته بالفعل لكي يكونوا بمثابة أسماع العالم وعيونه، فبغير ما اتصفوا به من شجاعة.

وبغير ما قدموه من تضحيات، لرأينا التاريخ وقد كتبه مدعو النصر الذين امتلكوا المال من ناحية والنفوذ والسلطة من ناحية أخرى. في كل حال يبدأ الكتاب بلحظة يراها فارقة في تطور الأحداث ـ على أرض العراق بالذات ـ تاريخ اللحظة هو 31 مارس عام 2004 ـ الساعة التاسعة والنصف صباحا على وجه التحديد- ومكان الأحداث هو مدينة الفلوجة العراقية. دارت عجلة الأحداث كما يلي:

أربعة أميركيين شقوا طريقهم في سيارتين من طراز باجيرو، ولكن كان بانتظارهم عناصر المقاومة في المدينة العراقية. قامت مجموعة من الرجال المستترين بالأقنعة بعدة تفجيرات أدت إلى إغلاق الحوانيت وإخلاء الشوارع. وحين وصلت السيارتان إلى نقطة معينة انفجرت كل منهما واشتعلت فيها النيران.

وحين وصلت القوات الأميركية إلى موقع الحادث شاهدوا الأميركيين الأربعة وقد تدلت جثثهم المحروقة من سور الجسر الذي يعبر نهر الفرات وسط المدينة. ورغم اتساع عمليات الثأر والعقاب التي تعرضت لها الفلوجة، إلا أن ساعد المقاومة اشتد، في حين شرع الناس يتساءلون عن هوية الضحايا الأربعة بين صفوف الأميركيين وبعدها ترددت الأنباء تقول أنهم لا كانوا جنودا ولا كانوا مدنيين.

من كانوا إذن.. وما الذي كانوا يفعلونه في العراق؟

يجيب مؤلف الكتاب: كانوا عناصر مدربة تدريبا قتاليا على مستوى عال، وكانوا يتبعون القطاع الخاص، وقد أرسلتهم إلى العراق شركة سرية التشغيل المرتزقة.. تتخذ مقرها الرئيسي في براري ولاية نورث كارولينا. وقد جاء هذا الحادث ليكشف الستار عن نشاطها وأصلها وفصلها.. وطبعا عن اسمها وهو: بلاكووتر.

هي اللافتة.. والشركة.. والأنشطة.. والعمليات التي سوف نصادفها على مدار الحلقات الست من تحليلنا النقدي لهذا الكتاب الذي يفاجئنا مؤلفه بافتتاحية بالغة الأهمية حين يحكي ـ والعهدة عليه بالطبع ـ عن اجتماع التأم شمله في بهو البنتاغون ـ وزارة الدفاع الأميركية ـ واكتسب هذا الاجتماع الخطير أهميته الفائقة من واقع عناصر شتى:

أولا، الحضور وقد ضموا مندوبين عن شركات كبرى مثل هالبيرتون (مديرها السابق ـ تشيني أصبح نائبا لرئيس الدولة) ودنكورب وبكتل وانرون وجنرال دايناميك وآيروسبيس.. ومعظمها شركات تجمع بين أنشطة الصناعات العسكرية والطيران أو صناعات الطاقة وما يتصل بها.

ثانيا، الخطاب الذي ألقاه رامسفيلد وزير الدفاع وحذر فيه الحاضرين من أن خطرا وشيكا محدقا وداهما يتربص بأمن الولايات المتحدة، وكانت لهجة الوزير ـ كما يضيف المؤلف بالحرف ـ أقرب إلى قصف الرعد بل أضاف إليها وزير الدفاع توجيهات إلى كبار مساعديه بأن يتخلوا عن الأسلوب البيروقراطي العتيق الذي كان متبعا في البنتاغون، ولصالح أتباع «نموذج جديد» يقوم على أساس القطاع الخاص.

ثالثا، تاريخ هذا الاجتماع ـ وهذا هو الأهم كما قد نتصور. لقد عقد الاجتماع يوم العاشر من شهر سبتمبر عام 2001. التأم الاجتماع وتكلم وزير الدفاع، والباقي أصبح تاريخا كما يقول التعبير الأميركي. فبعد ساعات من الاجتماع المشهود في قاعة الاجتماعات الكبرى في المبنى المثمن الأضلاع بالبنتاغون كان المبنى نفسه يتعرض لهجوم طائرة بوينج 757 في واشنطن وكان مبنى المركز التجاري في نيويورك كتلة من اللهب.

وكان العالم يعاني صدمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها فيما تبلورت في عرف وزير الدفاع رامسفيلد فكرته عن الاستعانة بمصادر خارجية بخلاف المؤسسة العسكرية الرسمية التابعة لحكومة بلاده والواقعة دستوريا تحت سيطرتها. وتم ذلك كله لصالح سياسة جديدة بشر بها الرجل واقتنع بها ويصفها مؤلفنا في العبارات التالية:

عمدت سياسة البنتاغون الجديدة إلى التأكيد على الأنشطة السرية وعلى نظم الأسلحة المعقدة والمتقدمة فضلا عن زيادة الاعتماد على المتعاقدين من القطاع الخاص. وأصبحت هذه السياسة مفروضة على صعيد الدوائر المعنية باسمها الجديد: مبدأ (أو مذهب) رامسفيلد.

كيف لا وقد وجد وزير الدفاع وسط حمى أحداث سبتمبر ـ وقتا لديه لكي يكتب وينشر مقاله في مجلة «الشؤون الخارجية» (فورين أفيرز عدد صيف 2002) تحت عنوان شهير هو: «تحويل المؤسسة العسكرية» وجاء في سطور مقالة وزير الدفاع الأميركي ما يلي: علينا أن نروّج للأخذ بنهج مشاريع المقاولات والتعاقدات، وهو نهج يشجع الأفراد على الفعل والمبادرة وليس رد الفعل أو مجرد الاستجابة، وبهذا لا يتصرفون بوصفهم موظفين في سلك بيروقراطي بل يتصرفون بوصفهم رأسماليين أصحاب مشاريع.

خصخصة العمل العسكري

هنالك يرى المؤلف أن البنتاغون وجه ما يشبه الدعوة إلى خصخصة العمل العسكري، أو كأنما فتحوا مزادا يتقدم فيه القطاع الخاص بعطاءات توصل الشركة الفائزة أو المقاول ـ المتعهد المحظوظ للفوز بعقود طائلة السخاء يقدم في مقابلها خدمات الحرب كالقتال والتدمير والاغتيال. وعندما فتحوا المزاد ـ يضيف المؤلف ـ كان من الذين لبوا الدعوة إلى تقديم العطاءات شركة شبه مجهولة أبدت رغبتها في الانضمام ـ مشكورة بالطبع ـ إلى «الحرب العالمية ضد الإرهاب» كانت شركة تدير معسكرا للتدريب الحربي على مقربة من منطقة البراري الشاسعة في ولاية نورث كارولينا وكان اسمها مشتقا من معنى الماء الأسود.. «بلاكووتر».

وفيما كانت أحداث 11 سبتمبر وبالا على الضحايا بل وعلى استقرار العالم وسلامته، فإن العجيب هو أن كارثة نيويورك كانت بردا وسلاما وشهرة «وملايين على شركة بلاكووتر». وبما أن القناة المتلفزة الخامسة في نيويورك ـ قناة فوكس هي صوت المحافظين الجدد وبوق دعاياتهم الإعلامية، فقد كان طبيعيا أن تبادر إلى استضافة صاحب الشركة الذي أصبح اسمه ملء الأسماع بعد ذلك التاريخ ـ هكذا جلس السيد «إريك برنس» أمام الكاميرات يقول:

أربع سنوات وأنا اشتغل في عمليات التدريب (الأمني) ولا يكاد يسمع بنا أحد لدرجة أن بدأت أشك في أن لم يعد أحد يأخذ مسألة الأمن على محمل الجد. لكن باسم الله ما شاء الله تغيرت الأمور (بعد كارثة سبتمبر) وأصبح هاتفنا لا يكف لحظة عن الرنين.

البداية مع التسعينيات

مع هذا كله، ليس لنا ـ كقارئين أو محللين ـ أن نتصور أن حكاية شركة التدريب أو الارتزاق العسكري بدأت مع فاجعة المركز التجاري في نيويورك، فها هو مؤلف الكتاب يصحح المعلومات أو فلنقل يضع سجل الحقائق في موقعه الصحيح، حيث يقول: خلال حرب الخليج (تحرير الكويت) عام 1991، كان ديك تشيني ـ أقرب حلفاء رامسفيلد ـ وزيرا للدفاع وكان بين كل عشرة عسكريين منتشرين في منطقة تلك الحرب يوجد فرد واحد جرى استخدامه بوصفه متعاقدا من القطاع الخاص. ومع ذلك كان تشيني عاقدا العزم على زيادة هذا الواحد من عشرة ـ أو هذه العشرة في المئة إلى نسب أعلى بكثير. وهكذا أصدر تشيني أوامره بإجراء دراسة تجيب على سؤال محدد هو:

كيف السبيل إلى خصخصة البيروقراطية العسكرية؟

وقد أفادت شركة هالبيرتون التي ترأسها تشيني فيما بعد من هذا الاتجاه، وسرعان ما خلقت نشاطا أو فلنقل صناعة تجعلها تخدم الجيش الأميركي خارج حدود الولايات المتحدة كي تقوم بعمليات عسكرية، فيما وراء البحار مقابل أرباح أكثر من طائلة. وهكذا فكلما كانت واشنطن تتوسع في أنشطتها العسكرية في الخارج، كانت أرباح الشركة المذكورة تزيد وتتراكم، وكان ذلك خلال ولاية الرئيس بيل كلينتون .

حيث جنت هالبيرتون أرباحا طائلة بفضل العقود التي مارست بموجبها أنشطتها العسكرية في عمليات صراع البلقان خلال سنوات التسعينات. وفي إطار هذا الاتجاه إلى الخصخصة، ازدهرت شركات خاصة أخرى كان يديرها كبار العسكريين المتقاعدين من خدمة الجيش الأميركي، ومنها شركة تعاقدت على تدريب الجيش الكرواتي خلال حرب الانفصال عن يوغسلافيا السابقة .

وهذا العقد العسكري «الخصوصي» هو الذي قلَب الميزان لصالح الانفصال في نهاية المطاف، وهو أيضا نفس العقد ـ يضيف مؤلف كتابنا ـ الذي أصبح أقرب إلى النموذج الذي نسجوا على منواله فكرة استخدام القطاع العسكري الخاص في خوض ما وصفوه بأنه «الحرب الشاملة على الإرهاب» وهو الوصف الذي اعتمدته جماعة المحافظين الجدد في أواخر حقبة كلينتون وكان على قمتها الفرسان الثلاثة:

تشيني ورامسفيلد وكريستوفل، الكاتب الناطق باسمهم وخاصة في إطار المشروع الذي رفعوا عليه لافتة «قرن أميركي جديد» وهو نفس المشروع الذي مارسوا بواسطته الضغط على الرئيس كلينتون شخصيا لكي يرفع في آخر ولايته شعار تغيير النظام في العراق ولكي يساير المبدأ الذي بشّر به المحافظون الجدد مع نهاية القرن العشرين وتجسده عبارة «سياسة تجمع بين القوة العسكرية وبين الوضوح الأخلاقي». وقبيل أن تسيطر جماعة المحافظين الجدد على المراكز المحورية في إدارة بوش الابن أصدروا في سبتمبر عام 2000 تقريرا يحمل العنوان التالي:إعادة بناء دفاعات أميركا: الاستراتيجية: القوات والموارد من أجل قرن جديد.

وبعد أن دخل بوش إلى المكتب الرئاسي، دخلت إلى غرف البنتاغون ثلّة من غلاة المحافظين ما بين رامسفيلد إلى وولفويتز إلى زلماي خليل زاد أو غيرهم من الأسماء التي حرص المؤلف على الربط بينها وبين المراكز التي كانت تشغلها في كبرى الشركات الأميركية المنخرطة في صناعات الأسلحة والطيران وما إليها. وهنا يعلق المؤلف ليضيف ما يلي: هذه القيادة المدنية الجديدة في البنتاغون جاءت إلى مواقع السلطة وفي جعبتها هدفان رئيسيان:

تغيير النظم الحاكمة في الدول ذات الأهمية الإستراتيجية (بالنسبة لأميركا طبعا) وتنفيذ أخطر عمليات الخصخصة واستخدام الأطراف الخارجة عن المؤسسة العسكرية الرسمية على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ العسكري للولايات المتحدة، وهو ما يعادل «ثورة» حدثت في الشؤون العسكرية. وبعد الحادي عشر من سبتمبر مضت هذه الحملة في طريقها بغير توقف على الإطلاق.

من كابول إلى بغداد

كانت البداية ـ كما هو معروف ـ هي الحملة على أفغانستان. وقد جاءت الهزيمة السريعة لقوات طالبان لتشجع رامسفيلد ومؤيديه على بدء التخطيط لمحور الحملة (الصليبية كما يصفها كتابنا) في مفهوم المحافظين الجدد، وهذا المحور كان يحمل اسما واحدا وهو: العراق.

ومنذ بداية الحشد العسكري تمهيدا لحرب العراق شرع البنتاغون في تجهيز وإبرام العقود مع دوائر ومؤسسات وأفراد القطاع الخاص ليصبحوا جزءا لا يتجزأ من عملية العراق. وحتى عندما كانت واشنطن تعطي الانطباع الظاهري بفسح المجال للدبلوماسية، كانت شركة هالبيرتون تواصل استعداداتها للمشاركة العسكرية «خلف أبواب مغلقة».

ومرة أخرى نحيل إلى مؤلف كتابنا حين يقول بالحرف: وعندما دارت عجلات الدبابات الأميركية صوب العاصمة بغداد في مارس عام 2003 كانت تضم في ركابها أكبر جيش من المتعاقدين الخاصّين على نحو لم تشهده أي حرب سبقت في التاريخ. ومع نهاية رامسفيلد في منصب وزير الدفاع كان عدد هؤلاء المتعاقدين يقدر في العراق بنحو 100 ألف فرد أو ما يكاد يضاهي حجم القوات العسكرية الرسمية من جنود جيش الولايات المتحدة هناك.

وربما قدم رامسفيلد خدمة العمر قبيل تخليه عن منصبه الخطير حين أصدر ما وصفه بأنه «خارطة الطريق من أجل التغيير» وبمقتضاها صنف قوام الجيش الأميركي بأنه يجمع بين أفراد الجيش العامل والاحتياطي والعاملين المدنيين والمتعاقدين ومنهم جميعا تتشكل القوة الإجمالية التي يكلف أفرادها بالعمل في آلاف من المواقع في طول العالم وعرضه، حيث ينفذون تشكيلة متنوعة من الواجبات من أجل تحقيق المهام الجوهرية الدقيقة.

كل هذه الخلفية الثرية والمثيرة من المعلومات يعمد المؤلف إلى طرحها مع الصفحات الأولى من الكتاب، وفي سطور تتلاحق كلماتها في تتابع لاهث وكأنما ليدفع القارئ إلى أن يلتقط أنفاسه وعلى طرف لسانه مطلب جوهري واحد وهو: حسنا.. فلنبدأ القصة من أولها.

عرض ومناقشة: محمد الخولي