الاعتماد على الذات ليس مجرد تربية وتمارين بل هي تجربة حقيقية يجب أن يعيشها الطالب أو الطالبة ليشعر بالتحدي الحقيقي، وهذه الأجواء بصعوباتها ومتعتها عاشتها مجموعة من طالبات كلية أبوظبي التقنية للطالبات اللواتي توجهن في رحلات تدريب عملي خارج الدولة لمدة شهرين.

حيث تعايشت كل واحدة منهن مع مجتمع وتجارب مختلفة وقد سافرن وحدهن دون اعتماد على مشرفين أو أسرهن فكان العمل والتنقلات اليومية والتسوق والطبخ والتعامل مع الثقافات المختلفة هي مكونات الحياة التي عاشوها في تجربتهن بل ان التحدي بدأ من اليوم الأول للفكرة عندما قررن إقناع أسرهن بسفرهن وحدهن للتعلم خارج الدولة.... الطالبة فاطمة الواحدي تخصص إدارة أعمال الكترونية توجهت إلى ألمانيا وكما تقول انها مهدت للسفر وإقناع أهلها قبلها بعام كامل وذكرت لهم أمثلة من بنات العائلة اللواتي سافرن للخارج قبلها فكان لها ما أرادت رغم أن صعوبة الإقناع زادت بعد انسحاب طالبات لرفض أسرهن سفرهن. وأشارت فاطمة إلى تخوفها وقلقها الأولي من التجربة لما سمعته عن الشعب الألماني من تحيزهم لعرقهم ولغتهم اللذين لا تعرفهما ولكن فكرتها تغيرت عندما خاضت التجربة في مدينة شتودجارد الألمانية وشعرت بالسكينة عندما وجدت في المطار الألماني غرفة للصلاة كما وجدت مساجد في المدينة التي أقامت بها وكان سماعها لصوت الأذان أكبر أسباب إحساسها بالهدوء والاطمئنان.

خبيرة قطارات ... لمست فاطمة مودة وحب للمساعدة من الشعب الألماني ولديهم احترام للإنسان وتسامح مع الأديان الأخرى ولم تتعرض لنقد لملابسها المحتشمة بل الحرية مكفولة للجميع، وأكثر ما أعجبها رحلاتها اليومية مع القطارات وسيلة التنقل الممتعة التي اعتمدت عليها حتى أصبحت خبيرة في الطرق هناك وكانت تقيم في سكن للطلبة وتطهو وحدها أو تطلب طعاما جاهزا في أيام العمل المرهقة وكان طهيها يجتذب جيرانها الألمان لرائحة البهارات الهندية الشهية وقامت بتعليمهم طريقة عمل الكبسة الإماراتية بينما تعلمت هي من أحد الطلاب طريقة إعداد الباستا. ومن أكثر المظاهر التي أعجبتها تلك النظافة التي تتمتع بها البلاد حيث يتم وضع سلات مهملات متنوعة بألوان مختلفة ولكل لون نوع معين من المخلفات التي تلقى فيه لأن بعضها يجمع ويعاد تصنيعه بل إن سلة المهملات الخاصة بجمع المواد البلاستيكية تمنح كل من يستخدمها حق الحصول على ورقة بقيمة 25 سنتا ليقوم بشراء زجاجة مشروب أخرى، مشيرة إلى أن الناس يقومون بإعطاء الزجاجات البلاستيكية الفاغرة للفقراء لأن بإمكانهم استبدالها بنقود وهذا يخلق جوا من التعاون والمساعدة بين الناس.

اللغة التركية... أما شرينا مبارك المويجعي تخصص تجارة الكترونية فقد سافرت وحدها إلى تركيا فترة شهري التدريب وكان اختيارها من بين خمسين طالبة ضمن برنامج قيادة للسفر خارج الدولة سببا في إقناع أسرتها، وقد أقامت شرينا في مدينة بورصا بتركيا وتدربت في إحدى كبريات شركات المنسوجات في مجال التسويق عبر الانترنت وتمكنت من جلب زبائن وعملاء للشركة في دبي. وأكثر ما أشعرها بالراحة في تركيا أنها بلد إسلامي وان لم يكن عربيا فسماعها للأذان كان يشعرها بالراحة وأنها ليست في غربة، ولكن كان يتطلب الأمر منها مجهودا في محاولة التعامل باللغة التركية لأن قلة من يعرفون تحدث الانجليزية فكانت تعرف بعض الكلمات وأحضرت قاموسا تركيا وتعاملت مع برامج لغوية عبر الانترنت لتتمكن من الحديث إلى الناس هناك، مشيرة إلى أنها في إحدى المرات أضاعت الطريق إلى بيتها ولولا قدرتها على الحديث بالتركية لما تمكنت من العودة للمكان إقامتها.

وبالطبع الرحلة لم تكن دراسية فقط بل كان هناك جانب مرتبط بالتعرف إلى ثقافة مختلفة وشعب جديد والأماكن السياحية والأثرية ورأت مناطق ثلجية وأخرى تعود إلى 700 سنة وتعرفت إلى الأكلات التركية وأشهرها «اسكندر كباب»، مؤكدة أنها تتمنى السفر لأكثر من دولة لأنها رأت متعة في الاعتماد على ذات وأن الأمر لا يوجد به أي مشكلة مادامت الفتاه لديها تقاليدها وعاداتها الراسخة والتي لا تتأثر سلبيا.

تشجيع الزوج

فهيمة محمد تدربت في الجهاز المركزي للمعلومات وكان لزوجها وتشجيعه فضلا في سفرها للتدريب في ظل معارضة أسرتها وقدرته على إقناعهم وقد كانت فهيمه متخوفة من السفر ولكن بعد التجربة أعجبتها الفكرة، فالسفر تطلب منها الاعتماد على ذاتها في البحث عن أماكن شراء كافة احتياجاتهم والطهي وتنظيف الملابس والتنقل وقد كان الاعتماد الأكبر في قيادة السيارة على زميلتهم ليالي، وتشير فهيمه إلى مشكلة يومية لطيفة كانت تواجههن فكلما طهين طعاما كان مذاقه النهائي حارا ولم يعرفن السبب في ذلك ولكن لم يكن أمامهن إلا خيار أكله لأنه لا مجال للدلال فلسن في بيت الأسرة.

العباءة البحرينية

أما الطالبة ليالي أبو العينين تخصص موارد بشرية وكانت ضمن مجموعة البحرين فهي تعد البحرين أول بلد تسافر له وحدها وترى أن الأهالي يعارضون سفر بناتهن وحدهن لخوفهم عليهن ولأن السيئة تعم فهناك نماذج تسيء التصرف وتعطي انطباعا غير جيد عن الحرية بينما الحقيقة أن الدور يقع على الفتاه ذاتها التي تمنح أهلها الثقة بسلوكها وأخلاقها والدليل أننا نجد أسرا توافق على سفر إحدى بناتهم دون الأخرى، وأشارت إلى امتنانها الكبير لأستاذهم في الكلية خليفة العامر الذي تولى عملية التنسيق وتسهيل إقامتهم في البحرين.

الانفتاح على العالم

الطالبة منيرة المرزوقي تخصص إدارة أعمال توجهت هي وزميلتيها للتدريب الخارجي في دولة البحرين الشقيقة وكانت تجربتهن أسهل كونها دولة عربية وخليجية وتدربن في الجهاز المركزي للمعلومات، وترى منيرة أن الحياة اليوم تختلف عن الأمس فالفتاة اليوم أكثر انفتاحا وثقافة ولديها كافة الإمكانات خاصة اللغوية التي تساعدها على التفاعل مع مختلف الشعوب والأهالي لديهم وعي أكثر.

وظائف وطنية

ولم تكن منيرة تعرف أي شيء عن البحرين ولكنها وجدت أن أسلوب الحياة فيها مختلف عن الإمارات رغم أنهما دولتان خليجيتان ولكن لكل منهما طابعها الخاص، وقد أعجبها أشياء كثيرة هناك منها العباءة البحرينية التي تنفذ بتصاميم بنات بحرينيات وهي جذابة إضافة الى أن جميع الأماكن والوظائف بمختلف مستوياتها يشغلها بحرينيون، فالأولوية لهم في كل المهن إلا تلك التي تكون تحتاج لخبرات خاصة وغير موجودة لديهم يحضرونها من الخارج.

أما عن الأكلات البحرينية فكان للسمبوسة الحلوة بالمكسرات نكهة خاصة لديها إضافة إلى الكبسة البحرينية بتوابلها الخاصة، وتتمنى منيرة أن تتمكن من السفر إلى دول أخرى ذات ثقافات مختلفة لأن السفر فوائده عديدة.

أقوى السبل لكسب الخبرة

الدكتور برادلي كوك مدير كلية أبوظبي التقنية للطالبات أشار إلى أهمية التدريب العملي خارج الدولة وأنه أحد أقوى السبل لإكساب الطالب خبرات متنوعة من خلال الاحتكاك بالدراسة والعمل في دول أخرى، موضحا أن السفر يساعد الطالبات في التعرف على مستواهن وقدراتهن مقارنة بغيرهن وكسب مزيد من الثقة في النفس والتعامل مع المتغيرات في سوق العمل وقد لمس التميز في شخصياتهن بعد عودتهن من التدريب ومدى سعادتهن بما ممرن به من مشكلات تمكن من مواجهتها، معبرا عن تقديره للدعم الذي تلقته الكلية من مؤسسة آيساك التعليمية العالمية التي تهدف إلى مساعدة الطلبة في مختلف دول العالم ومنها الإمارات على إيجاد فرص عمل وتدريب في شركات ومؤسسات خارجية مما يساعد في تبادل الخبرات والثقافات.

قدرة على تحمل المسؤولية

الطالبة ليالي أبو العينين تتحمل مسؤولية قيادة السيارة بزميلاتها في معظم تنقلاتهن الأمر الذي كان يشعرها بالخوف من هذه المسؤولية الكبيرة ورغم ذلك ترى ان تجربتهن في التدريب كانت أسهل من زميلاتهن اللواتي سافرن إلى دول أجنبية ولكن التجربة غيرت شخصيتها بدرجة كبيرة من ناحية اتخاذ القرار فقد كانت تتأثر بآراء الآخرين بينما هي الآن تثق في قدرتها على إدارة شؤونها واتخاذ القرار الذي يناسبها دون تبعية لأحد وان تفكر وتدرس كل شيء لأن الطالبة في الكلية مهما تعاملت مع جهات مجتمعية يبقى محيطها محدودا والبناء الحقيقي للشخصية يكون في الخروج عن الإطار اليومي إلى أفق ومجتمعات مختلفة.

الحياة ليست سهلة

تقول فهيمة محمد انها سافرت مع طالبتين لم تكن تعرفهما وبدأ حديثهن بسطحية وانتهى بعلاقة صداقة وطيدة، وان الحياة لم تكن سهلة فالتنقل بدون سيارة خاصة والاضطرار للاعتماد على المواصلات أمر غير سهل، إضافة إلى تعرضهن للمضايقات لأنهن كن يظهرن مختلفات عن البحرينيات فبالرغم من أنها دولة خليجية إلا أن العباءة تختلف في شكلها وتصاميمها بين البلدين كذلك طريقة وضع الشيلة فالعباءة البحرينية مفتوحة وواسعة جدا، وهناك فروق أخرى في الحياة فهناك تجد أن الحياة في النهار كلها عمل بينما الخروج والتسلية يبدأ من التاسعة مساء وفي هذه الفترة تكون الطالبات قد عدن أدراجهن للاستعداد ليوم عمل آخر.

أبوظبي ـ لبنى أنور