اختلفت المسميات وبقيت الأفكار متقاربة، رغم تفاوت حدتها من مدرسة إلى أخرى، فمع برودة الطقس في كل عام تخرج العديد من مدارس الدولة عن روتينها التقليدي في يوم مرح تربوي يشارك فيه الطلبة والمعلمون والإدارة المدرسية وأولياء الأمور والفعاليات المجتمعية، وصولاً إلى أفكار سامية تزيد من حماس الطلبة وتحفز المجتمعين لحب المدرسة والإخلاص لها، قبل أن يغادر الجميع المكان في هيئة رابحة لا تقبل الخسارة لطرف أي كان، فالجميع يترك الصدى رابحاً تواقاً إلى لقاء آخر، ربما تبدأ المدرسة في الاستعداد له منذ اليوم الختامي لفعاليات ذلك اليوم.
اليوم المفتوح أو اليوم العالمي أو احتفالية العام أو حتى يوم الأنشطة، جميعها مسميات لذلك اليوم الذي تفرح وتتفاعل فيه المدارس والعائلات، فيترك الطلبة والمعلمون ضيق الفصول إلى رحابة المجتمع، ويتخلى أولياء الأمور عن تقاليد البيت إلى احتفالات البراءة والطفولة المتناثرة في ساحات المدرسة، والمتشبثة بجدران ومقاعد الدراسة. ذلك الوصف على ضيق أفقه كان لمهرجان الأنشطة الختامية في مدرسة دبي الوطنية فرع الطوار، التي احتفلت هي الأخرى الأسبوع الماضي وعلى مدار يومين في مناسبة تقليدية تشارك فيها مئات الطلبة مع ذويهم ومؤسسات المجتمع الخارجي في أجواء مفعمة بالانتماء والمرح والترفيه والفائدة التربوية التي لم تغادر المكان، فكانت الصورة أكثر تشعباً وتعبيراً طالما ظلت ساحات المدرسة تعج بالزائرين وبالمحتفلين لأوقات متأخرة من الليل.
يومان من المرح... يوما دبي الوطنية الاحتفاليان شهدا العديد من البرامج والفعاليات المجتمعية الهادفة والممتعة في آن معاً، فسرقا الطلبة من بيوتهم واستقطبا أولياء أمورهم إلى حيث يسرح ويمرح أبناؤهم الصغار، ولم تبخل إدارة المدرسة على ضيوفها في توفير أكبر وأفصح ما يمكن من أسباب المتعة والتسلية التي تتوافق والأعمار المتباينة، إذ تراحمت أجنحة المرح في كل اتجاه، ولم تبقَ مساحة صغيرة من باحات أو ممرات أو ملاعب أو حتى فصول المدرسة دون متعة أو فائدة تقدمها للزائرين، وتناثرت أبواب الفصول الدراسية مرحبة بالموجودين فرقصت المقاعد على أنغام مفاجآت لا تنتهي في يومي دبي الوطنية الاحتفاليين. الصغار يجوبون المكان دون كلل أو ملل، والكبار يرقبون الموقف عن بعد ودونما يشعرون ينسجمون في فعاليات الاحتفال على اختلاف أجناسهم ومراتبهم، والساحات تعج بالبهجة محتضنة الجميع، فيما الفعاليات المجتمعية الممثلة بالأركان المشاركة لا تفوت فرصة لمنح الجميع كل ما هو مفيد وممتع، هكذا بقي المشهد في دبي الوطنية طوال ساعات يومين لا يمكن لطالب أو معلم أو ولي أمر أن يتركهما من ذاكرته بعيدة المدى.
شرطة دبي... عشرات الأركان ببرامجها الهادفة أضافت إلى طلبة المدرسة متعة لا تنسى، فمن شرطة دبي حضر ممثلون عن برنامج محمد بن راشد للرياضة، وعن مكافحة المخدرات، وخدمة الأمين، وجميعهم التحموا في فكرة واحدة مفادها تقديم كل جديد ومفيد للطلبة وللمجتمع.... إضافة إلى ما سبق شارك في الاحتفال منطاد الإمارات (زايد الخير)، وجمعية الإمارات للثلاسيميا، ومنظمة الأسرة العربية، وجمعية الهلال الأحمر التي أتاحت بدورها الفرصة للأسر المنتجة بالمشاركة وتقديم ما لديها من خبرات وإمكانيات... وقبل ذلك كله تكفلت مؤسسة الواحة الوطن بتنظيم وتقديم العديد من الفعاليات الترفيهية والوطنية الهادفة في كل بقعة من ساحات المدرسة المترامية، وأتيحت الفرصة للطلبة أنفسهم في فتح أكشاك ومحلات صغيرة تعرض مختلف الأدوات والأصناف للبيع، والتي لاقت إقبالاً غير محدود من أولياء الأمور والزائرين، لا سيما وأن ريع هذه المحلات على صغر أفقها سيذهب للجهات الخيرية في الدولة، حتى يستفيد منها من لا يملك المقدرة على العيش الكريم.
طاقم التدريس
غير ذلك تبرع طاقم التدريس الهائل العدد في المدرسة بالإشراف على مختلف الفعاليات والألعاب التي يمرح في أجوائها الصغار، حيث خصصت مجموعة من ملاعب المدرسة لاحتضان بعض الألعاب المطاطية الآمنة التي طمست بلون الطفولة المتناثر من أعلى إلى أسفل، وليس بعيداً عن المكان استقرت مجموعة من الخيول العربية الأصيلة والجمال لتنقل الأطفال الراغبين في متعة احتفالية لا تترك للخيال مجالاً للحسرة على فعالية لم تطلها أيدي المنظمين، وتلك الفقرات لم تكتمل دون لمسات المعلمين المشرفين الذين حرصوا على إبقاء المتعة في كل شبر من المدرسة.
وفي فناء رملي لصيق بساحات المدرسة المستضيفة للطلبة وللعائلات، انسلخت مجموعات من الأطفال لتعيش مغامرات أكثر تشويقاً وإثارة مع عدد من الدراجات النارية، التي لم تقفل محركاتها لأوقات متأخرة من الليل، حيث واصل الصغار رحلاتهم البهلوانية الدائرية في انسجام بدا وكأنه ألغى من ذاكرتهم سنوات طويلة من الخمول أو الروتين.
احتفالات في القاعات
خارجياً كانت الصورة على أقل تقدير بهذا الوصف، أما داخلياً فلم تكن بأقل حماس أو إثارة، إذ أن حرارة الجو المرتفعة نسبياً منحت الاحتفال خصوصية أخرى، وتركت الجموع تتأرجح بين الساحات والقاعات الدراسية والممرات، إذ لم تخلُ قاعة دراسية واحدة من فقرات مرح وترفيه لا تنتهي، ففي بعضها تركت شاشات إلكترونية كبيرة يتمتع بها الطلبة مع ألعاب رياضية وتعليمية شيقة، وأخرى أزيحت عناوينها لتلعب دور كهف للرعب أثار فضول الجميع للعيش في أجوائه.
فيما احتضنت الممرات بين الفصول عشرات الأكشاك الإضافية التي تعرض مختلف أنواع الحيوانات الصغيرة والغريبة والطيور على اختلاف ألوانها وأشكالها، والهدف التعريف بها أو بيعها لمن يرغب، إذ أن القائمين عليها أطفال صغار من طلبة المدرسة، وقد أوجدوها بجهود ذاتية بحكم علاقتهم مع المجتمع الخارجي.
أعمار مختلفة
كل مساحة صغيرة في المدرسة لم تترك لنفسها الراحة، ولو لبعض الوقت، فالجموع التي زحفت إلى المكان كانت أكبر مما توقع الجميع، فمثلما غزت المدرسة خلال يوميها الاحتفاليين أعمار متفاوتة من الزوار، ازداد بريقها التربوي بالفعاليات الهادفة التي أرضت فضول الجميع، حتى تعبت الأقدام من المسير، فتلاقت القلوب والأيادي لتستظل بشجرة أو تستريح في ركن ما تاركة النظرات تجوب المكان في كل اتجاه، حتى لا تفوت الفرصة في الاستمتاع بكل ما تقع عليه العين.
وفي خضم هذه الأجواء ظلت الروائح الزكية للمأكولات والمشروبات المتباينة الشكل والانتماء تتزاحم وصولاً إلى أنوف الزائرين، ولم يرضَ الكثيرون الابتعاد عن مصدر هذه الروائح دونما يتذوقون، فتحول المكان إلى ما أشبه بشارع تاريخي معروف بمطاعمه ومأكولاته الشعبية، كيف لا وقطرات العرق المتشبعة بنكهات عالمية تلامس جميع الأذواق لم تغادر أنوف الباعة القائمين على هذه المطاعم.
نلتقي ونرتقي بالعطاء
زينب محمد مسؤولة الأنشطة في مدرسة دبي الوطنية، أوضحت أن هدف إقامة مثل هذه الفعاليات هو توطيد علاقة المدرسة بالمجتمع الخارجي، وتدريب الطلبة على التعامل والتكيف مع مصطلحات المجتمع الخارجي، وتشجيعهم على الاستثمار والبحث عن مصادر تواصل مع المحيط، ثم تنمية جانب الخير في نفوسهم، حيث سيقدم الطلبة المبالغ التي جنوها من الاحتفال تبرعاً لجهات خارجية، لافتة إلى أن شعار الاحتفال كان بحجم المقصد من ورائه، وهو «نلتقي ونرتقي بالعطاء».
وتوجهت مسؤولة الأنشطة بالشكر والامتنان إلى شرطة دبي على ما قدموه من دعم لبرامج المدرسة الثقافية والرياضية والترفيهية، معتبرة أن شرطة دبي صاحبة البصمة في كل اتجاه، فهي أكبر من كونها القلب النابض في المجتمع التربوي.
أخف الضررين
خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية كان من بين الزائرين أو المدعوين للاحتفال بيومي أنشطة دبي الوطنية، فهو أحد أولياء الأمور الذين تمتعوا إلى حد كبير مع الأجواء المتباينة للاحتفال، والذي عَلِقَ في مشهد براءة لا يخلو من المتعة.
ابنه الصغير عبدالله وبينما كان يتجول معه بين الأكشاك الصغيرة المحتضنة لشتى أنواع الحيوانات والطيور، أصر على اصطحاب فأر معه إلى البيت، وهو ما لم يرق للأب، الذي حاول كثيراً إقناع صغيره بسلعة أخرى، ولكنه عجز عن الوقوف أمام البراءة، فاستسلم لإرادة الصغير واكتفى بشراء أرنب معتبراً إياه أخف الضررين.
أفكار بريئة
مجموعة من الأطفال تعاقدوا في براءة للمرح مع الزائرين، فحملوا معهم عدداً من الحيوانات والديدان الصغيرة الحية، وانتشروا في ساحات المدرسة ليفاجئوا بها كل من يعترض طريقهم، فأضافوا للاحتفال بهجة أخرى لا تخلو من المتعة والخوف أحياناً، أما الجمهور فتقبل الموقف برحابة صدر، كيف لا وهو من تأليف وسيناريو وإخراج أفكار بريئة لأطفال أصروا على العيش في أجواء أخرى على طبيعتهم العفوية.
عنان كتانة



