تختتم المؤلفة كتابها بالحديث عن الأعوام الثلاثة الماضية من مسيرة ساركوزي التي توجها أخيراً بوصوله إلى قصر الإليزية بصفته الرئيس السادس للجمهورية الفرنسية، وتشير إلى أنها كانت سنوات صعبة على ساركوزي الطموح، فقد شهدت امتحانات عسيرة أبرزها تخلي زوجته سيسيليا عنه ورحيلها مع رجل آخر أعجبت به ومواجهته في عام 2005 لأحداث الشغب التي اندلعت في ضواحي المدن الفرنسية احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة والتمييز بحق هذه الأحياء

بالاضافة إلى شنه حرباً على قصر الإليزيه ومواجهته لمنافسة العنيد دومينيك دوفيلبان الذي شاءت الأقدار أن يقوض حظوظ خوضه الانتخابات الرئاسية بنفسه من خلال طرح مشروع «عقد الاستخدام الأول» الذي وجد معارضة كبيرة واحتجاجات من قبل طلبة الجامعات الفرنسية. وهكذا خلت الساحة لساركوزي لكي يحقق حلم حياته بالوصول إلى قمة هرم السلطة في باريس. في 28 نوفمبر 2004 أصبح نيكولا ساركوزي رئيساً لحزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» حصل ذلك بعد ثلاثين عاماً من دخوله للمرة الأولى إلى مكتب حزب «التجمع من أجل الجمهورية» الديغولي، ذات يوم من عام 1972 في بلدة «نويي» من أجل عرض خدماته «ثلاثون عاماً عرف فيها الكثير من النجاحات والانكفاءات»، تصفه مؤلفة هذا الكتاب بأنه «حالة استثنائية في عالم السياسة. كان نيكولا ساركوزي قد انطلق من أدنى المناصب وصولاً إلى القمة. عمل أميناً لحي ثم أميناً للصندوق فأمين دائرة ثم مفوّضاً للشباب. قبل كل المهمات التي أوكلت لها.

وقام فيها بكل نشاط مثل لصق الدعايات الانتخابية والسياسية على الجدران وتوزيع المنشورات الحزبية في الشوارع. لكنه كان دائماً ينظر إلى أعلى يقول: «أريد أن أذكّر أولئك الذين يتحدثون من دون أية معرفة عن مسيرتي السهلة والمرفهة، أذكر أولئك الذين تحدثوا عنّي وكأنني موزارت السياسة، أذكرهم جميعاً أنني في الواقع قد عملت سنوات طويلة بجد ونشاط قبل أن أكسب مكانتي في عداد أفضل العاملين في فرنسا». بالفعل لم يكن ساركوزي، على خلاف أغلبية منافسيه الذين كانوا ينظرون إلى أعلى أيضاً، من طلاب المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة ـ الاينا ـ التي تخرّج منها العديد من القادة السياسيين الفرنسيين ومن بينهم جاك شيراك وليونيل جوسبان والان جوبيه وعديدون غيرهم ممن بدأوا سيرتهم المهنية في مكتب إحدى الوزارات. فجاك شيراك مثلاً دخل بعد تخرجه مباشرة إلى مكتب جورج بومبيدو ليصبح بعد خمس سنوات نائباً ومباشرة بعد ذلك «سكرتير دولة».

أما نيكولا ساركوزي فقد أصبح رئيساً لبدية «نويي» بعد ثماني سنوات من النضال في صفوف الديغوليين، ولم يصبح نائباً إلا بعد 14 سنة من العمل الدؤوب و19 سنة كي يصبح وزيراً و30 سنة كي يصبح رئيس حزب وكان قد شارك أثناءها في جميع حملاته وعلى جميع المستويات. - فضيحة سيسيليا: قبل أيام قليلة من تاريخ استفتاء الفرنسيين على الدستور الأوروبي يوم 29 مايو 2005، سرت شائعة قوية تناقلها المحيطان الإعلامي والسياسي همساً، ومفادها أن سيسيليا زوجة نيكولا ساركوزي، قد حزمت حقائبها ورحلت، حيث شاهدوها في مدينة البتراء بالأردن وبرفقة شخص اسمه «ريشارد التياس». بدت صحة الشائعة عندما اعتذر نيكولا ساركوزي، رئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية عن حضور النشرة الاخبارية التلفزيونية للساعة الثامنة مساءً، بعد أن كان قد أعطى موافقته على حضورها. هذا فضلاً عن أنه لم تكن من عادته أبداً أن يترك مثل تلك الفرصة تفوته، لاسيما وأن عدد مشاهدي النشرة الإخبارية تلك كان ما بين ثمانية وتسعة ملايين. كان التفسير الذي قدمه المدير الإعلامي لمكتب نيكولا ساركوزي تبريراً لتغيبه عن البرنامج التلفزيوني هو قوله: «ليس هناك أي شيء خطير، إنما مجرد تعب عابر.. ولا أستطيع أن أقول لكم أكثر من ذلك».

فهم الجميع أن الحقيقة شيء آخر.. الحقيقة كانت هي أن نيكولا ساركوزي يواجه امتحاناً قاسياً جداً.. وكان متعباً بالفعل لكن ليس من كثرة أشغاله.. وإنما من واقع أن سيسيليا كانت قد تركته فـ «دونها يبدو وكأنه قد فقد نصفه» ـ كما تعبر مؤلفة هذا الكتاب ـ وكان زائروه لا يستطيعون التعرف عليه تقريباً إذ كان قد انزوى في المنزل وفقد عدة كيلوغرامات خلال أيام قليلة.. لقد كان يحاول بكل الطرق إنقاذ ماء وجهه بعد الهزة الكبيرة التي أصابته على صعيدي الكبرياء الشخصي والحالة الانفعالية.

كانت سيسيليا قد بدأت بتغيير عاداتها منذ مطلع تلك السنة.. إذ كانت قد توقفت عن مرافقته إلى جميع اللقاءات الشعبية، وفي أسفاره إلى المحافظات.. بل بدت وكأنها لا تهتم، كما كانت في العادة، بعملها كمدير مكتب في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية. وحيث كانت تتلقى للمرة الأولى في حياتها مرتباً. وكان يبدو وبوضوح أن وجودها غير مستحب من قبل العاملين الآخرين إذ كانت تعيق عملهم وتشوش عاداتهم من موقع السلطة التي كانت تتمتع بها بفعل كونها زوجة رئيس الحزب.

ولم تكن سيسيليا تحب أيضاً عمل المكاتب، بل كان يشدها تنظيم الاحتفالات والمهرجانات وما يترتب على ذلك من استعراضات. هكذا كانت قد اهتمت بتنظيم الاحتفال الخاص بتكريس زوجها رئيساً لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية يوم 28 نوفمبر 2004.. وفي إطار تحضير ذلك الاحتفال عملت إلى جانب المدعو ريتشارد اتياس الأخصائي بتنظيم الاحتفالات وكان رئيس فرع شركة «بوبليسيس» الشهيرة في ميدان تنظيم المهرجانات. وهو الذي ينظم مثلاً قمة «دافوس» الاقتصادية في سويسرا. وهو أيضاً الذي أشرف على تنظيم منتدى السلام في البتراء عام 2005 حيث تعرف على بيل كلينتون وايلي فيزل، الحائز على جائزة نوبل للآداب، والملك الأردني عبدالله الثاني.

أعجبت سيسيليا كثيراً بمعرفة ريتشارد اتياس الواسعة وفرضته كمنظم لاحتفالات ومهرجانات حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، الكبيرة منها والصغيرة بنفس الوقت كان انجذاب سيسيليا لريتشارد يزيد ويتعاظم.. وكان هو قد بدأ يبادلها الإعجاب. وكان لابد من أن يلاحظ المحيطون بهما ذلك، أي بنفس الوقت المحيطون بنيكولا ساركوزي. ولم تتردد آنذاك في أن تكرر قولها: «لم تعد السياسة هي أولوية بالنسبة لي».. بل صرّحت لمجلة «تلفزيون ستار» أنها «لا ترى نفسها في دور السيدة الأولى التقليدي».. هذا ما تعلق عليه المؤلفة بالقول: «هل كانت تعني أنها ستجدد في قصر الإليزيه أم أن مثل ذلك الدور لم يكن يثير اهتمامها بعد».

وبتاريخ 12 مايو 2005 نظّم حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية مهرجاناً جماهيرياً كبيراً في باريس تحت شعار «نعم لأوروبا». وعندما حضرت جميع الشخصيات الكبيرة في الدولة وأخذوا أمكنتهم في الصف الأول، رفضت سيسيليا أن تلتحق بهم وتجلس على الكرسي المحجوز لها إلى جانب زوجة رئيس الوزراء.. وقالت انها تفضّل مراقبة ما يجري في الكواليس.. ليس بعيداً عن «ريتشارد أتياس».

ويوم 19 مايو 2005 مثّل أحد أسوأ ذكريات نيكولا ساركوزي، إذ في ذلك اليوم قررت زوجته سيسيليا أنها سوف تذهب إلى البتراء في الأردن.. ولم تنفع جميع محاولات الزوج في ثنيها عن عزمها. وفي اليوم نفسه كان لينكولا ساكوزي لقاء مع شبيبة حزبه وهناك التقى بصحفية يعرفها تعمل في جريدة «الفيغارو» فقال لها: «كيف الحال، آن؟ أتمنى لو تأتين وتشربين الشاي في مقر الحزب».

كان نيكولا ساركوزي قد استخدم كثيراً صورة «الثنائي الجميل» الذي يشكله مع سيسيليا وكانت مجلات عديدة قد نشرت على صفحات غلافها الأول صورتها يداً بيد في هذا المكان أو ذاك. باختصار تحدث عنها دائماً وكأنها «امرأة حياته» والتي يريد أن يصل إلى مقر الإليزيه معها، بل بدا وكأنه مثل «الضائع» بدونها، لذلك كان يحرص على أن ترافقه إلى جميع الندوات واللقاءات الجماهيرية. أمّا هي فلم تكن بنفس الدرجة من الحماس وتنقل عنها المؤلفة قولها: «عندما لا أكون إلى جانبه يطلب مني أن أبدي الأسباب، لذلك كنت أرافقه كي أتجنّب أسئلته».

كان الزوجان لا تعكر حياتهما شائبة، كما يبدو كالآخرين، حتى بدايات شهر مايو 2005. وكان جميع الذين يحيطون بهما يجدون أن رحيل سيسيليا أمر «مستحيل». لكن عندما تردد أن تبتعد عن زوجها نيكولا ساركوزي، تعددت التفسيرات عن سبب ذلك. وكان من بينها القول إنها بعد سنوات من الحياة وتحت ظل «نيكولا أرادت أن تثبت أنها قادرة على أن يكون لها دور شخصي.. وكانت قد أرادت في عام 2004 الترشيح لانتخابات محلية.. لكن زوجها ردعها.. وأعلن هو نفسه في صحيفة «كوفيندو» أنها «لن تكون مرشّحة لأنها تريد أن تحمي حياتها الأسرية». وذات مرة سئل عن إمكانية أن تخطط سيسيليا مسيرتها السياسية بنفسها، فأجاب: «عندما يصبح ابننا لويس كبيراً، لماذا لا». ويتم التأكيد أن سيسيليا قد حلمت لفترة بأن تصبح رئيسة بلدية «نويي» بل وأن يكون لها مكان متقدم في قائمة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية لخوض معركة الانتخابات الأوروبية. هكذا وأثناء اجتماع عائلي قالت: «لم يساعدني أحد».

كان شهر مايو 2005 رهيبا بالنسبة لنيكولا ساركوزي ذلك ان فرنسا كلها اصبحت بقصة سيسيليا اذ انت المرة الاولى في التاريخ الفرنسي المعاصر التي تكون فيها المعنية هي زوجة المرشح الاوفر حظا بالفوز برئاسة الجمهورية الفرنسية كان للجميع تعليقاتهم وفي شتى الاتجاهات.

حفار القبور

بتاريخ 29 مايو 2005 قال الفرنسيون «لا» للدستور الاوروبي بنسبة 55% تقريبا وكان جاك شيراك هو الخاسر الاكبر اذ بدا وكأنه حفار قبر ذلك الدستور كما تضاءلت مصداقيته في البلاد وحتى داخل معسكره كان المطلوب اذن البحث عن كبش فداء وكان كبش الفداء هو رئيس الوزراء جان بيير رافاران الذي شرع الرئيس بالبحث عن بديل له وكان دومينيك دوفيلبان. بالطبع كان نيكولا ساركوزي يطمح ان يكون رئيس الوزراء الجديد ولم يتردد في القول آنذاك: لقد قلت للرئيس انني على استعداد لشغل منصب رئيس الحكومة عام 2002 ثم عام 2004 وايضا في الاسبوع الماضي فماذا تريدونني ان افعل اكثر من ذلك؟

لم يصبح نيكولا ساركوزي رئيسا للوزراء لكنه عاد الى الحكومة كوزير للداخلية كانت عودة ظافرة اذا اصبح عمليا الرجل الثاني في الحكومة الجديدة. هذا على الرغم من ان العديد من اصدقائه المقربين ومن بينهم ادوار بالادور وفرانسوا فيون كانوا قد نصحوه بعدم الدخول الى الحكومة وتكريس كل جهوده من اجل الانتخابات الرئاسية في عام 2007 وكان ساركوزي قد قال لهم انه سوف يقرر دخوله او عدم دخوله الى الحكومة بعد الاستماع الى ما سيقوله الرئيس شيراك عشية تشكيلها وفي ذلك المساء قال الرئيس شيراك: في اطار السعي الى تجميع الجهود طلبت من نيكولا ساركوزي ان ينضم الى الحكومة كوزير دولة وقد قبل ذلك هكذا اذن اعلن رئيس الجمهورية نفسه عودته الى الحكومة لم يعنيه رئيسا للوزراء وانما جعل منه عمليا رئيس وزراء رقم 2.

في صباح اليوم الثاني قال نيكولا ساركوزي اثناء لقائه بعدد من القيادات في حزبه ان ما حظي به من تكريم من قبل رئيس الجمهورية لم يعرفه احد قبله طيلة تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة بنفس الوقت احتفظ نيكولا ساركوزي برئاسة مجلس محافظة هوت دوسين كما احتفظ برئاسة حزب الاتحاد ومن اجل حركة شعبية هذا على الرغم من ان الرئيس جاك شيراك نفسه كان قد صرح قبل عدة اشهر بقوله: اذا جرى انتخاب ـ وزير كان ساركوزي حينذاك وزيرا للاقتصاد رئيسا لحزب الاتحاد من اجل حركة شعبية ـ فإنه سوف يستقيل او سوف اقيله من جميع وظائفه.

كان الرئيس شيراك قد طلب من ساركوزي عدة مرات ان يستقيل من رئاسة مجلس محافظة هوت دوسين وكان يجيب باستمرار ان شيراكي ومثلك اجمع عدة وظائف هكذا وبعد مضي اقل من عام وتحديدا يوم 14 يوليو 2004 اثناء الاحتفال بالعيد الوطني كان شيراك قد قال في خطابه للأمة جملته الشهيرة انا أقرر وهو ساركوزي ينفذ وهذا ما اصبح بمقدور ساركوزي ان يرد عليه بالقول: وأنا أقرر الدخول إلى الحكومة، وعليه ـ أي شيراك ـ ان ينفذ ذلك، وربما أن ساركوزي كان يريد أيضا من خلال عودته إلى وزارة الداخلية إعادة نفس الأجواء التي كان قد عاشها في فترة التوزير الأولى مع زوجته سيسيليا.

كانت الحركة الأولى التي قام بها نيكولا ساركوزي بعد عودته إلى وزارة الداخلية هي تعزيز السيطرة على مختلف أجهزة الاستخبارات. لماذا؟ قال بوضوح: سوف أصبح من جديد سيد أولئك الذين يقومون بتحقيقات حول حياتي. وهناك من يفترض أن يكون النوم قد غادر عيونهم منذ أن عرفوا أنني عائد.

شبح الانفصال

واجه نيكولا ساركوزي العديد من الامتحانات الصعبة عندما أصبح وزيراً للداخلية مرة ثانية.. ومن بين أهم تلك الامتحانات شبح «انفصاله» من جديد عن سيسيليا ونشرت الصحافة بالخط العريض على صدر صفحاتها الأولى «أخبارها» و «وأخباره» لكن تلك العاصفة «الأسرية» مرت أيضا بسلام.

الامتحان الصعب الآخر كان اندلاع أحداث العنف في العديد من ضواحي المدن الفرنسية الكبرى في شهر نوفمبر من عام 2005، وذلك بعد وفاة شابين مهاجرين في محول كهربائي كانا قد لجآ إليه هرباً من الشرطة. في ذلك اليوم كان نيكولا ساركوزي في إحدى الضواحي عندما واجهته مجموعة من الشباب من أصول مهاجرة بهتافات معادية بل وبالحجارة وبالقوارير الفارغة.. فواجههم بالقول موجها حديثه لأهل الحي «سوف نخلصكم من هؤلاء الرعاع»..

اعتبر أبناء الضواحي الشباب كلهم تقريبا أن صفة «الرعاع» تعنيهم هم أيضا. هكذا بدأت عمليات عنف استمرت ثلاثة أسابيع وعرفت حرق ما يزيد على عشرة آلاف سيارة بالإضافة إلى عدد من المؤسسات العامة. من بينها مدارس وكان المستهدف الأول في العداء هو وزير الداخلية نيكولا ساركوزي. لكنه خرج في الوقت نفسه رجل نظام قادر على مواجهة حالة القلق الأمني بل والسيطرة عليها في نظر الملايين من الفرنسيين.

ومن الامتحانات الصعبة التي واجهها نيكولا ساركوزي كان ذلك الذي عرفه صيف عام 2005 أي بعد عام من جملة شيراك الشهيرة التي قال بها «أنا أقرر وهو ينفذ»، إذ صرح وزير الداخلية: «لماذا الاستمرار بممارسة هذا التقليد، الذي لم يعد راهنا؟ وهو غير مفيد» كان يقصد بالتقليد مداخلة رئيس الجمهورية أثناء كل احتفال بالعيد الوطني، بل ولم يكتف بذلك وإنما أطلق على قصر الاليزيه صاروخ سكود». بصيغة جملة قاسية قالها بنفس يوم الاحتفال من وزارة الداخلية وجاء فيها: «منذ 20 سنة وبسبب الجمود واستخدام لغة خشبية وتجنب مواجهة الوقائع والهروب من التحديات، لا تتم رؤية أن فرنسا محتقنة».

هذا التصريح دعا رئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان إلى القول إن ساركوزي «ليس ناضجاً وعصبي جداً ولا يأخذ مسافة مطلوبة من الأحداث». وتعالت جوقة الشيراكيين بانتقاده، بل وقال شيراك لزوجته برناديت: «كما ترين جيداً، إنه لا يفكر سوى بقتلي»، ورد ساركوزي أنه «احترم دائما شخص ووظيفة رئيس الدولة» مع تأكيده على حريته في التعبير.

وامتحان صعب آخر واجهه نيكولا ساركوزي يوم 14 أغسطس 2004، كان يومها في الطائرة عندما قال له معاونوه إن مجلة «باري ماتش» سوف تنشر على صدر غلافها الأول صورة لزوجته سيسيليا برفقة ريتشارد اتياس في نيويورك..

لم يقل كلمة واحدة طيلة الرحلة.. وكان وجهه مكفهراً حزيناً.. ومنذ أن وطأت قدماه أرض المطار سلّموه ظرفاً مغلقاً يحتوي على نسخة من المجّلة. لم يفتحه ابداً.. وكان ألمه هائلاً. لكن كان لابد أن يرى في النهاية الصورة، صورة سيسيليا وصديقها ريتشارد ايتاس وهما يتفحّصان معاً مخططاً لإحدى الشقق.. مع عنوان يقول: «إنها ساعة الاختيار بالنسبة لسيسيليا ساركوزي»، ثم تعليق جاء فيه: «لقد أمضت الصين مع ريتشارد ايتاس بين باريس ونيويورك».

كانت تلك هي المرّة الأولى التي تتحدث فيها الصحافة بمثل تلك التفاصيل.. وكان مدير مجلة «باري ماتش» قد دفع منصبه بعد عدة اشهر، ثمناً لنشره ذلك التحقيق. وفي تلك الأثناء نشرت صحيفة «فرانس سوار» بتاريخ 11 أكتوبر 2005 مقالاً تحت عنوان: «السر المعروف: ساركوزي وجد الحب من جديد». كانت المقصودة التي نشرت الصحيفة اسمها هي صحفية في جريدة لوفيغارو. هذا ما واجهه نيكول ساركوزي بالقول أثناء بث تلفزيوني يوم 21 أكتوبر انه لن يتحدث ابداً بعد ذلك عن حياته الخاصة. المهم عادت سيسيليا في شهر ديسمبر التالي.. هذا ما عّلق عليه نيكولا ساركوزي بالقول: «لقد التقينا ـ سيسيليا وأنا من جديد (...) وهذه المرّة إلى الأبد دون شك».

السنة الصعبة

يوم 28 يناير 2005، وبمناسبة عيد ميلاده الخمسين، قال نيكولا ساركوزي: «ينبغي ان يكون عام 2005 هو عام البناء بالنسبة لفرنسا وبالنسبة لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية وربما بالنسبة لي أنا أيضا». ان جميع الناس يخطئون بمن فيهم نيكولا ساركوزي. ذلك إن عام 2005 كان زاخراً بالأشواك.. وهذا العام الذي شهد بروز منافس قوي له هو دومينيك دوفيلبان الذي كان قد دخل الحياة السياسية من الباب العريض كوزير للخارجية.. والذي كان قد نال شهرة عالمية عندما ألقى خطابه المعروف يوم 4 فبراير 2003 أمام منظمة الأمم المتحدة لإعلان موقف بلاده المعارض للحرب الأميركية الانجليزية ضد العراق.

وتؤكد مؤلفة الكتاب ان ساركوزي قد اكتشف في ذلك اليوم تحديداً منافساً محتملاً له على رئاسة الجمهورية.. لاسيما وأنه يعرف كيف يتحدث على طريقة الجنرال ديغول. كان دوفيلبان قد أصبح رئيساً للوزراء عام 2005، وتنقل المؤلفة عن برناديت شيراك قولها لزوجها بخصوص ساركوزي: «سوف لن يكون لكم معه سوى الإزعاجات» وكان ساركوزي يردد: «دوفيلبان هو مجرّد هاو في السياسية، ولا وزن له مثل الهواء».

ومنذ البداية بدأت «المبارزة» بالفعل. وقد كانت قاسية.. وكان مشروع دوفيلبان هو «الانتهاء من ساركوزي».. اذ كما كان يقول المقرّبون منه: «إذ نجح كرئيس للوزراء سوف يسبق ساركوزي في الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى كما تفوّق شيراك على بالادور». وكان جواب ساركوزي: «أنا لست من طبيعة غيورة. وأنا رجل تعشش روح المنافسة في عروقي، وسوف أقوم بما أستطع من جهتي، والموعد قد تحدد.. انه سيكون في الانتخابات الرئاسية لعام 2007».

وتنقل المؤلفة عن دوفيلبان في السياق نفسه قوله في مجالسه الخاصة»، وان رجلاً لا يستطيع المحافظة على زوجته لا يمكن المحافظة على فرنسا». وقع ساركوزي في شعار «القطيعة» مع إرث الماضي.. وأراد أن يكون حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية هو أداة هذه القطيعة. اذ إن «حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ليس وراء الحكومة وإنما أمامها». حسب تعبيره.

لكن أسهم دومنيك دوفيلبان أخذت بالارتفاع وبدا منافساً قوياً ذا مصداقية.. ذلك إلى أن طرح مشروعه المعروف حول «عقد الاستخدام الأول» الذي واجهه الطلبة بمظاهرات عارمة أسقطته وأسقطت حظوظ دوفيلبان بالوصول إلى قصر الاليزيه. هكذا خلت الطريق أمام نيكولا ساركوزي، وكان «على الموعد» مع الفرنسيين يوم 6 مايو 2007 حين انتخبوه رئيساً للجمهورية الفرنسية السادسة التي أسسها الجنرال ديغول عام 1985.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف