تتناول المؤلفة في هذه الحلقة علاقة الشد والجذب بين ساركوزي وشيراك، حيث حاول الأخير إعادة المياه إلى مجاريها مع نيكولا بعد فوزه في انتخابات حزب التجمع من أجل الجمهورية وشغله منصب أمين عام الحزب ومن ثم رئيسه بالوكالة، ولكن ساركوزي تمنّع في البداية واشترط أن يتصل به الرئيس الفرنسي ويطلب منه لقاءه بنفسه.

وتمضي المؤلفة في سرد تفاصيل ما جرى مع ساركوزي بعد ذلك وصولاً إلى تعيينه في الحكومة التي ترأسها رافاران عام 2002 في منصب وزير الداخلية، حيث بدأ يرتب أوراقه لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2007. عندما يهزم جيش تنشب الصراعات بين قادته، هذه هي القاعدة الأولى، هناك دائماً بعض الأذكياء والطموحين الذين يعرفون كيف يجنون الفوائد من الهزيمة كي يتسلموا القيادة، وهذه هي القاعدة الثانية. فبعد الهزيمة الساحقة التي مني بها حزب «التجمع من أجل الجمهورية» الديغولي في المعركة الانتخابية التشريعية لعام 1997، بدأت المنافسة على قيادة الحركة، كانت هناك ثلاثة مواقع تدور فيها المعركة وهي «قصر الإليزية» مقر رئاسة الجمهورية و«قصر ماتينيون» مقر رئاسة الوزراء و«قصر لاساي» مقر رئيس الجمعية الوطنية.

كان الوضع متوتراً في قصر «الإليزية» وكانت السيدة شيراك تقول لكل من يريد أن يسمع لها: «قلت لهم أن لا يحلّوا الجمعية الوطنية» ثم تكيل أشكال النقد لدومينيك دوفيلبان الذي كان وراء فكرة الحل، وتشبهه بـ «نيرون» الذي حرق روما. لقد قدم دوفيلبان استقالته للرئيس من منصب الأمين العام للرئاسة لكن جاك شيراك رفضها. بالنسبة لرئاسة الحكومة كان «آلان جوبيه» قد فقد منصبه بالتأكيد بعد انتخاب أغلبية يسارية سيكون رئيس الوزراء الجديد منها حسبما تقضي الأعراف الجمهورية في فرنسا وهذا يعني أنه بقي أمامه منصب رئاسة حزب التجمع من أجل الجمهورية، وهنا أيضاً فهم أنه لن يستطيع الاحتفاظ برئاسة الحزب إلا إذا تحالف مع أنصار ادوارد بالادور، رئيس الوزراء الأسبق الذي خاض الانتخابات الرئاسية ضد صديقه جاك شيراك. يروي جوبيه: «جاء نيكولا ساركوزي لرؤيتي وقال لي: «فلنعمل كفريق أنت تبقى رئيساً ثم تكلفني بمنصب الأمين العام، هكذا تكون العائلة قد توصلت على الأقل إلى المصالحة فأجبته: إن شيراك يريدني في الواقع أن أحتفظ برئاسة الحزب وسوف أقترح عليه هذا الحل».

هكذا عاد ساركوزي إلى الهجوم، لكن الخطوة الأولى لاقت الفشل فجاك شيراك لا يريد أن يسمع باسمه، كما قال لجوبيه. استقبل جوبيه ساركوزي من جديد كي يبلغه الرفض القاطع لشيراك. فقال له ساركوزي: «حسناً، هكذا إذن لن تكون بعد الآن رئيساً لحزب التجمع من أجل الجمهورية. اقترح شيراك على فيليب سيجان، رئيس الجمعية الوطنية المنحلة، أن يترأس المجموعة البرلمانية الديغولية الجديدة، فغضب كثيراً إذ كان يتطلع لرئاسة الحزب، هكذا التقى بنيكولا ساركوزي وقال له: «أتمنى أن تصبح أميناً عاماً للحزب».. لقد تحالف سيجان إذن مع «الشيطان» الصغير» نيكولا الذي كان مستعداً يوم الاثنين للتحالف مع جوبيه وأعلن يوم الخميس تحالفه مع «سيجان» منافسه على رئاسة الحزب الديغولي. لم يكن شيراك يريد أن يترأس سيجان الحزب إلا أن يصبح نيكولا ساركوزي أميناً عاماً له، لكنه خسر المعركة وأصبحا رئيساً وأميناً عاماً. «ضربة مزدوجة» قال ساركوزي هذا على الرغم من ان اصواتاً عديدة قد هتفت اثناء اجتماع مناضلي الحزب لانتخابات رئيس جديد ضد ساركوزي: «ساركو، الوغد الصغير، ساركوزي الخائن». فلم تكن جراح تحالفه مع بالادور ضد شيراك عام 1995 قد التأمت.

حصل سيجان على نسبة 79% من الأصوات ثم أعلن مباشرة أسماء أعضاء «مكتبه المؤقت» لإدارة الحزب وطرحها للتصويت جاء اسم نيكولا ساركوزي الأخير في القائمة تبعاً للتسلسل الأبجدي، لكنه حصل على ثلثي الأصوات كـ «منسق» و«ناطق باسم الحركة» أي انه أصبح «الرجل الثاني» في الحزب ومن ذلك الموقع اقترب أكثر فأكثر من القواعد الحزبية.

كابوس الاليزيه

عودة ساركوزي إلى الساحة السياسية، كانت مثل «كابوس» في البداية بالنسبة لقصر الاليزية. لكن جاك شيراك لم يتفوه بكلمة إذ لم يعد يمتلك السلطة على إصدار الأوامر للقيادة الحزبية الجديدة. يقول جوبيه: «لم يقل شيئاً وترك الأمور تجري لأنه كان يخاف من سيجان».

كان مصدر خوفه منه انه، وبعد ان أصبح رئيسا للحزب، قد يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة عام 2002، يقول سيجان: «لقد قلت له باستمرار انني لن أكون مرشحاً للرئاسة عام 2002 وكررت ذلك مراراً لكنه لم يصدقني. لقد خانه بالادور ولم يعد يثق بأحد».

هكذا ساد جو من الحذر بين رئيس الجمهورية وبين رئيس الحزب الديغولي يروي شارل باسكوا: «في كل مرة كان فيليب سيجان يأتي فيها إلى قصر الاليزية، كان يجلب معه قائمة بالمواضيع التي يريد الحديث فيها مع الرئيس، لكن شيراك كان يتصرف بطريقة لا يدع الفرصة في أن يقول أي شيء إذ كان يتحدث دون توقف من أمور مثل كرة القدم او غيرها».

وللمفارقة صب ذلك الوضع المتوتر في مصلحة نيكولا ساركوزي، ذلك انه لم تكن له آنذاك أية طموحات رئاسية». وجد شيراك أنه من الأسهل عليه ان يطلب «خدمات» من نيكولا وليس من سيجان، لكن كان ينبغي أولا إعادة الصلات «المقطوعة» منذ سنوات.

لكن كيف؟

ذات يوم طلب جاك شيراك مدير مكتبه «برتران لاندريو» وقال له: «هل تعرف ساركوزي؟» وكانت اجابته «ليس حقا» فأردف شيراك: «سوف أكلفك بمهمة عليك ان تتصل به وتدعوه إلى الغداء كي تقول له إذا اتصل بي هاتفيا سوف ارد عليه». اثناء الغداء «مرر لاندريو» الرسالة فأظهر ساركوزي اهتمامه لكنه قال: «إذا كان الرئيس يريد رؤيتي فما عليه إلا ان يتصل بي».

كرر جان لويس دوبريه نفس المحاولة وكانت إجابة ساركوزي من جديد: «ليس لدي الرغبة في أن أخي رأسي وأطلب الغفران». ثم جاء دور دومينيك دوفيلبان كي يكون «مهندس» العملية لقد دعا ساركوزي الى طعام الافطار صباحاً. وبدأ حديثه معه بالقول: «إنني أكن لك الكثير من الاحترام».

فعلق ساركوزي: «إذا صدقت ما يقال لي، فالحقيقة ليست كذلك» فأردف دوفيلبان: «على عكس الكثيرين قلت مواقفك بوجه مكشوف».

ساركوزي: «لست حاقداً عليك أنك قلت الكثير من السوء عني، ذلك أنني قلت أن أشياء أسوأ مما قلته أنت».

حاول دوفيلبان أن يقنا ساركوزي بضرورة اللقاء مع الرئيس لكنه بقي عند موقفه وقال: «سوف أراه عندما يريد ذلك ، لكنني لن أقبل الدخول من الباب الخلفي للحديقة ويبنغي أن يطلب هو مني المجيء إليه». رضخ شيراك إذا كان بحاجة لمن يتحدث معه في رئاسة الحزب الديغولي.. وقد دخل ساركوزي من الباب العريض للإليزيه ليقابل شيراك الذي لم يكن قد تحدث معه كلمة واحدة منذ عام 1993.

يروي: «عندما وصلت إلى الإليزيه، لم يتقدم الرئيس نحوي بل ظل جالساً خلف مكتبه وقال لي: قيل لي إنك تريد رؤيتي، فأجبته: كلا أنت الذي دعوتني للمجيء، ثم وبّخني لمدة عشرة دقائق». فماذا قال له الرئيس؟ «أشياء ليست جميلة بالتأكيد، لكن المعنى لم يفصح عن محتواها أبداً» تقول المؤلفة ثم تنقل عن ساركوزي قوله: «بعد أن انتهت تلك الدقائق العشرة قاطعته كي أقول له: ما شرحوه لي إذن هو صحيح. فسأل: وماذا قالوا لك؟.

أجبته: إننا لن نستطيع أبداً تبادل الحديث عندها نادى شيراك موظف الاستقبال وقال له: «اصطحب الوزير إلى الباب».

يروي ساركوزي: «كانت لهجته جافة إلى درجة أنني اعتقدت أننا لن نلتقي بعد ذلك أبداً»، لكنب بعد شهر اتصال به دومنيك دوفيلبان كي يقول له: «يريد الرئيس رؤيتك هذا المساء».

كان ساركوزي يعاني في ذلك اليوم من آلام في ظهره.. ولكنه ذهب مع ذلك إلى قصر الإليزيه ليجد الرئيس في مزاج جيد.. كان بشوشاً وقال لساركوزي «يمكنك أن تتمدد على الأريكة». ويؤكد ساركوزي قوله: «لم نتحدث منذئذ أبداً عن الماضي».

لكن في الحقيقة لم يكن الصفاء والود قد عادوا، لكن شيراك كان قد وجد من يتحدث معه في رئاسة الحزب. في تلك الأثناء قام دومينيك دوفيلبان بدعوة نيكولا ساركوزي وزوجته سيسيليا إلى تناول الطعام بمنزله مما جعل ابنه «ارثور» يتساءل: «لماذا تدعوه وأنت لا تكف عن قول أشياء سيئة عنه؟». «إنها السياسة يا بني» كانت إجابة دوفيلبان لابنه.

رجل حر

عرفت فرنسا في يونيو 1999 انتخابات أوروبية بدع أن كان ساركوزي قد تسلم رئاسة حزب التجمع من أجل الجمهورية بـ «الوكالة» إثر تنحي فيليب سيجان. لكن تائج تلك الانتخابات كانت كارثة بالنسبة للحزب الديغولي إذ وصلت القائمة التي ترأسها «ساركوزي» في المرتبة الثالثة فقط، لقد كانت ضربة صاعقة بالنسبة له.

يوم الهزيمة قال له جاك شيراك: «عليك أن تذهب إلى التلفزيون ولا ينبغي أن تعطي الانطباع انك تهرب بل إنك تتحمل المسؤولية حتى النهاية». وتنقل المؤلفة عن مدير الإعلام في القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى أنه «عندما وصل إلى قاعة الاستقبال كان الجميع يبتعدون عنه وكأنه مصاب بمرض الطاعون» كانت أمسية حزينة.

في اليوم التالي ذهب إلى قصر الاليزيه لكنه دخل هذه المرة من الباب الخلفي للحديقة كان شيراك هو الذي استقبله وحاول ان يشد من عزيمته قائلا: لقد اظهرت هذه الانتخابات مدى شجاعتك وقدرتك على قيادة حملة انتخابية ثم نصحه الرذيس ان يحتفظ بالامانة العامة للحزب ويستقيل من الرئاسة بـ «الوكالة».

يقول ساركوزي: لقد اتفقنا على ان اعلن ان انتخابات جديدة لرئاسة الحزب سوف تجري في نهاية تلك السنة. ونصحني جاك شيراك دون ان اعطي انذاك اية اهمية لذلك، ان احدد القول بأنني لن اكون مرشحا فيها على اساس انني سأكون ذلك بمنجاة على اشكال النقد والهجومات من قبل اولذك الذين يريدون الاستفادة من الانتخابات الاوروبية وجعلي ادفع ثمن ذلك.

هكذا اصبح نيكولا رجلا حرا يقضي عطلات مع زوجته وابنه لويس ومع اقتراب الانتخابات على رئاسة الحزب عاد شيراك للتأكيد من جديد عليه بعدم الترشيح ملوحا في الأفق انه في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 لن يختار ابدا رئيس الحزب كي يشغل منصب رئيس الوزراء وقد كتب ساركوزي عن هذا فيما بعد قائلا: كانت سحنته في تلك اللحظة حادة وكلماته القاطعة تنم عن غضب داخلي عميق، مع كل قاله ساركوزي هو: سوف افكر بالأمر.

وذلك ان طبيعتي تجعلني أصاب بالرعب من فكرة خوض المعارك. وانتهى به تفكيره الى الاعلان عن عدم خوض المعركة وهذا ما عكف عليه شيراك بالقول: حسنا فعلت وسوف تكون أكثر قوة في المستقبل. وقال شيراك لم اتصور ابدا انك تملك قوة مقاومة اغراء خوض المعركة.

بل هذه هي المرة الاولى حسب علمي على الأقل، التي تتغلب فيها عقلاينتك الى هذه الدرجة على مزاجك. لكنني اقول لك الان انت اعتبارا من اليوم رجل حر ولست معاونا لاحد بما في ذلك انا لقد قمت عبر ما فعلته ببناء شيء مهم من اجل المستقبل. هذا ما أجاب عليه ساركوزي بالقول: جاء الان دورك سيادة الرئيس كي تقوم بمبادرات ستبين اذا كنت على حق أم لا. خلفت السيدة ميشيل اليوت ماري نيكولاساركوزي على رئاسة حزب التجمع من اجل الجمهورية الديغولي.

شيراك الشرير

ابدي انيكولا ساركوزي انه قد اعطى ثقته للرئيس جاك شيراك وعمل بمشورته عندما ابتعد عن المناصب الحزبية.. لكنه لم يكن يتردد في ان يقول بمحافلة الحاصة: يعتقدون انه محدود لكنه شديد الذكاء ويقال انه بسيط وهو شديد التعقيد.. ويتصورون انه مهذب ودود ولكنه شرير وتنقل المؤلفة عن جاك اتالي مستشار فرانسوا ميتران لسنوات طويلة وصديق ساركوزي بنفس الوقت ان هذا الاخير محرر على مسامعه مرات عديدة ان شيراك شرير جدا.

وكان نيكولا ساركوزي يردد سوف يحتاج شيراك لي وكان يقصد سيحتاج الى تعيين رئيسا للوزراء بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2002 بعد ان تحضير ذلك على نار هادئة، وبعيدا عن وسائل الإعلام على قاعدة الخبرة التي اكتسبها يقول: عند بداية حياتي السياسية، كنت مستعداً بغباء إلى التضحية ـ بالكثير فقط من أجل متعة رؤية اسمي مذكوراً «وقد ـ احتفظت بالمقاولات التي تمجد بي.

وقد حدث لي أكثر من مرة ليس فقط قراءتها ـ وإنما إعادة ـ ذلك إلا أن كي أتشرب منها. وعندما كانت مقالات جيدة كنت أتمنى ـ أن يقرأها الجميع وتصورت نفسي أكثر قوة بكثير مما كنته في الواقع، وعندما كانت مقالات سيئة كنت أتمنى أن لا ينظر إليها أحد وكنت دائما ـ أتصور أنني ضحية ظلم. لقد أحسست بتلك المقالات وكانها إهانات شخصية ـ لي دون أن أقوم ـ إلا في حالات نادرة ـ بأية عملية نقد ذاتي، ـ هكذا كنت أولي عناية كبيرة للصحافيين الذين يستحسنون ما أفعل ـ بينما أتجاهل الآخرين».

لقد حدد نيكولا ساركوزي لنفسه عدة أهداف جديدة أي مقدمتها إعادة أعطاء حزب التجمع من أجل الجمهورية هوية ايديولوجية ـ تقوم على أساس إحياء قيم اليمين الكبرى مثل السلطة والأمن ـ والعمل وحرية النشاط الاقتصادي. وبالتالي كان يطالب بالابتعاد عن المقولة التي كان اصدقاءه يرددونها في كل مؤتمر والمتمثلة في المطالبة بالعودة إلى «ينابيع ـ الديغولية» الهدف الثاني كان اللقاء بالناس وخلق المناسبات لذلك. وهدف آخر هو معالجة ـ مسألة الهجرة عبر تبني مقولة «اختيار المهاجرين» الذين تحتاجهم البلاد.. ومشكلة الأمن.

وفي شهر سبتمبر من عام 2001، أي قبل عدة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية لعام 2002، كان نيكولا ساركوزي يعتقد أنه سيكون رئيس الوزراء المقبل، لكن بدأت الأيام تمر دون أن يتلقى أية إشارة ـ توحي بذلك من قبل قصر الاليزية. لم يمنعه ذلك من أن يشارك في اللقاءات العامة ويتصرف كأنه ـ رئيس الوزراء القادم.

كان صبره قد نفد تقريبا من الصمت الطويل للرئيس جاك شيراك. كانت السيدة برناديت شيراك ترى في نيكولا ساركوزي الشخص الوحيد الذي يمكن لزوجها أن يعتمد عليه من أجل الفوز في انتخابات 2002، وكانت تقول عنه: «أن فعقال، ـ ولديه أفكار كثيرة. وإذا أردنا الفوز علينا جذبه إلينا». ثم كان تضيف: ثم يبنغي أن نطوي صفحة ـ الماضي.

في إبريل 2002، قبل الانتخابات الرئاسية بأيام، قبلت السيدة شيراك المشاركة في لقاء ـ جماهيري كان وراءه نيكولا ساركوزي في مدينة تولوز الفرنسية. لقد ـ التقيا وحدهما أولاً للمرة الأولى بعد سنوات ثم أمام الجماهير حيث قوبلا بعاصفة من التصفيق.

وعادا إلى باريس بنفس الطائرة ـ حيث تحدث لها بالتفاصيل عن خطبة ما بعد الفوز ـ مباشرة وبدقة كأنه رئيس الوزراء القادم. لكنه كان قلقاً من تصريح لجاك شيراك جاء فيها آنذاك: « جان بيير رافاران هو أحد أولئك المدعوين للعب دور هام».

كانت رغبة كبيرة وجامحة ـ في أن يصبح رئيساً للوزراء، وقد أسر ذات يوم لصديقه باتريك بالكاني قائلان: ـ «سوف أبقى رئيساً للوزراء ثلاث سنوات ثم أغادر المنصب كي أبدأ التحضير لترشيحي في الانتخابات الرئاسية ـ لعام 2007».

لقد كان متأكداً من تعيينه على رأس الحكومة.

لاسيما وأن جان لويس دوبريه، المقرب جداً من شيراك، قال له في آخر مهرجان خطابي قبل الانتخابات: « نيكولا سوف تكون قريباً في الصف الأول بين قادة فرنسا، ويمكنك الاعتماد على دعمنا». لكن مع ذلك كان جان بيير رافاران هو الذي أصبح رئيساً لوزراء فرنسا بعد إعادة انتخاب جاك شيراك رئيساً للجمهورية عام 2002.

لقد أكدّ جاك شيراك للمقرّبين منه إنه «لم يفكر ابداً» بتعيين نيكولا ساركوزي رئيساً للوزراء والذي تولّي في الحكومة الجديدة منصب وزير الداخلية والأمن والحرّيات المحلية. وتنقل المؤلفة عن جان لويس دوبريه ان الرئيس قد قال له ذات يوم: «اذا عيّنت نيكولا ساركوزي في منصب رئيس الوزراء فإن الناس سوف يتساءلون بعد ثلاثة أشهر من هو ذلك الرجل الطويل ـ أي شيراك نفسه ـ الذي يقف وراءه».

لقد تنافس الرئيس جاك شيراك الوعود الانتخابية «الضبابية» بتعيين ساركوزي رئيساً للوزراء لكنه اقترح عليه الاختيار بين وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد. فقال ساركوزي: «إذا لم تكن لديك الثقة بي للمنصب الأعلى الأول فلماذا تثق بي بالنسبة للثاني؟».

هذا ما أجاب عليه شيراك انه الوحيد الذي جرى اقتراح مثل ذلك الخيار عليه». وقال له رافاران، رئيس الوزراء الجديد: «عليك ان تعرف أن رئاسة الحكومة ليست منصباً ينبغي التطلع إليه إذا كانت هناك طموحات.. وتجربة جاك شابان دالماس وليونيل جوسبان وادوارد بالادور تثبت ذلك.

خطة العمل

حدد نيكولا ساركوزي خطته للعمل في وزارة الداخلية عبر عدة خطوات. كانت الأولى هي التعرّف على ميدان عمله ثم إعادة تجميع القوى بحيث يتم تنسيق العمل بين الشرطة والقضاء والجمارك ومصالح الضرائب.. ذلك في أفق محاولة السيطرة على «الاقتصاد الخفي» أي التجارة غير المشروعة المنتشرة في العديد من المناطق وخاصة في ضواحي المدن الكبرى. جاءت بعد ذلك خطوة تعزيز الرقابة على الحدود. باختصار لقد أبدى نشاطاً كبيراً مسترشداً بجملة له تقول: «انا يحبونني لما أفعل وليس من أجل شخصي».

وكان من بين الملفات المهمة على مكتب وزير الداخلية ملف «الإسلام في فرنسا» كان وزراء الداخلية الذين سبقوه فشلوا في هذا المجال فيما يتعلق بتجديد علاقة واضحة بين الإسلام في فرنسا وقيم الجمهورية. وجد ساركوزي أمامه تيارين يمثلان الإسلام في فرنسا احدهما رسمي يشرف عليه مسجد باريس، ومعتدل لكنه لا يحظى بتمثيل كبير بين المسلمين، الآخر شبه رسمي، يثير القلق، ويمثله اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.

وفي نهاية شهر ديسمبر 2002 جمع ممثلي مختلف التجمعات والمنظمات الإسلامية متهما كانت ولاءاتهم وتنافساتهم في ندوة لمدة يومين في قصر تابع لوزارة الداخلية. وأقيمت صالة لإدارة الصلاة في القصر.. وهذا ما كتب عنه فيما بعد قائلاً: «كانت تلك هي المرّة الأولى والوحيدة منذ عام 1905 ـ تاريخ فصل الدولة عن الكنائس في فرنسا ـ التي تقام فيها الصلاة رسمياً داخل وزارة الداخلية «انتهت تلك الندوة بتأسيس المجلس الفرنسي للدين الإسلامي».

ابتداء من عام 2003 بدأ نيكولا ساركوزي عملياً حملته الانتخابية الرئاسية عندما صرح انه لا يفكر بالرئاسة «عندما يحلق ذقنه فقط». لقد أصبح موجوداً في العديد من البرامج التلفزيونية ومختلف وسائل الإعلام الآخر حيث كانت مقابلاته مع الصحف والمجلات الكبرى تتوالى واحدة بعد الأخرى.. ذلك أن «تحديد المدة الرئاسية بخمس سنوات وليس سبع يسارع الزمن الرئاسي، كما قال في أحد تصريحاته.

ولم تتردد مجلة «لوبوان» الشهيرة ان تكرس ساركوزي في عام 2003 على انه «رجل العام».. وأجرت معه مجلة الاكسبريس لقاء طويلاً تحت عنوان: «ما أريده لفرنسا» باختصار احتل ساركوزي مساحة متزايدة من المسرح السياسي الفرنسي بالطبع كان جاك شيراك لا يزال موجوداً وقد قال في إحدى مقابلاته جملة شهيرة لاتزال تتردد كثيراً هي: «أنا أقرر، وهو ينفذ» أي نيكولا ساركوزي.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف