تتناول هذه الحلقة محاولات ساركوزي للوصول إلى قمة الهرم السياسي في فرنسا منذ عام 1993، عندما نجح في الوصول إلى الحكومة التي شكلها ادوارد بالادور حيث عين بمنصب وزير الخزانة ثم تولى حقيبة الاتصالات حتى عام 1995 موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي سقط فيها صديقه بالادور، وكان الفوز من نصيب شيراك الذي أعلن القطيعة مع ساركوزي.

كان نيكولا ساركوزي قريبا جدا من أسرة شيراك ما بين عام 1989 وعام 1993 من الأب والأم والابنة وكان شيراك قد قدمه إلى زوجته قائلا: هذا أفضل مناضلينا» ويقول شارل باسكوا إن الشاب نيكولا كان افضل صهر يحلم به شيراك وزوجته لكن برناديت شيراك أكدت بشكل قاطع: هذا ما لم أفكر به ابدا ذلك انها كانت تعرف وضع الشاب. وذات يوم قرأت في الصحافة أن آلان جوبيه كان الابن المفضل لدى زوجها جاك شيراك فقالت غاضبة: لكن كيف يمكن ان يتم مثل هذا الامر بالنسبة للأحوال المدنية فنحن لا نكبره سوى باثنتي عشرة وبثلاثة عشرة سنة، أما نيكولا ساركوزي فهذا ممكن كما أكدت قولها: كنا نتحدث عنه دائما.وفي ربيع عام 1993 عرفت فرنسا انتخابات تشريعية حصل فيها معسكر اليمن على 480 مقعدا في الجمعية الوطنية الجديدة وانخفض عدد النواب الاشتراكيين من 282 الى 67 نائبا. كان المنتصر آنذاك اسمه جاك شيراك. لكن فرانسوا ميتران لم يتأخر في تعيين ادوارد بالادور رئيسا للوزراء كذلك لم يتأخر بالادور المكلف في دعوة نيكولا ساركوزي لتناول طعام العشاء في مطعم «لوران» الشهير غير البعيد عن قصر الإليزيه.. إذ كان يريد أن يناقش معه كأحد المقربين التشكيلة الوزارية.. وتم الحديث عن الوزارات الكبرى بحيث يكون آلان جوبيه في وزارة الخارجية وشارل باسكوا في الداخلية وفرانسوا ليونارد في الدفاع وبيير لينيوروى في وزارة العدل وسيمون فيل في الصحة.. و«أنا؟» تساءل ساركوزي.

راوغ بالادور في البداية كي يتسلى قليلاً ثم قال: «نيكولا اقترح عليك وزارة التجهيزات فأجاب «لا أريدها»، فما رأيك إذن بوزارة العلاقة مع البرلمان؟ لا تهمني، إذن وزارة الثقافة؟ هذه أيضاً لا تهمني، ماذا تريد إذن؟ وكان جواب ساركوزي: وزارة الخزانة، وكوزير كامل العضوية وليس كوزير مفوض بالإضافة إلى منصب الناطق باسم الحكومة». كان كعادته يطلب الكثير دائماً كي يحصل على ما يريد وفي اليوم التالي استقبله ادوارد بالادور وأعلن له: «إنني أعينك وزيراً للخزانة» كانت فرحته كبيرة وقد خف لإخطار سيسيليا وعائلته. «أمي أنا وزير»، هكذا قال لأمه وعندما هم بالخروج من مكتب بالادور أمسك مدير مكتبه بكمه وقال له: «لقد نسي السيد بالادور أن يقول لك إنك أيضاً الناطق باسم الحكومة». كان عمره 38 سنة، وأصغر عضو في الحكومة سناً، كانت تلك قفزة نوعية مهمة في مسيرته السياسية.

آنذاك وكما لو أن الأمر مجرد صدفة، اتصل به جاك شيراك وطلب رؤيته بأسرع ما يمكن كي يعلن له أنه يفكر بتعيينه أميناً عاماً لحزب التجمع من أجل الجمهورية، فهل كان يريد التأكد ان نيكولا ساركوزي من أنصاره؟ بكل الأحوال كانت تلك هي المرة الأولى التي يقترح عليه فيها منصباً بهذه الأهمية. لكن العرض جاء متأخراً ولو كان شيراك قد فعله قبل أشهر فلا شك أن نيكولا ساركوزي كان «سيطير» فرحاً. لكنه يريد الآن أن يصبح وزيراً. وتنقل عنه المؤلفة قوله: «لقد شرحت لجاك شيراك أنني أريد أن أخوض تجربة جديدة ولا أحصر نشاطي بالحزب فقط وبالحملات الانتخابية وتنظيم النقاشات والأسفار». كان المقربون من جاك شيراك وفي مقدمتهم آلان جوبيه وشارل باسكوا يحذرونه باستمرار من الطموحات المحتملة لدى ادوارد بالادور، وقد قالوا له: «اذا تركت رئاسة الحكومة لبالادور فسيريد أن يصبح رئيساً للجمهورية». وهكذا قبل أيام من الدورة الانتخابية التشريعية الأولى قال شيراك لبالادور: «من الممكن أن تحظى بشعبية كبيرة. وسوف تبدو كرجل جديد ربما تتغير الصورة حيالك. وقد يفكرون بك للانتخابات الرئاسية».

فأجاب بالادور فوراً: «أرجوك جاك لا تكن جارحاً في كلامك، واسحب هذه الجملة الأخيرة» هذه هي على الأقل الرواية التي كررها جاك شيراك فيما بعد. أما رواية بالادور فتقول: «لقد سألني شيراك إذا كان بإمكانه أن يعتمد علي في الانتخابات الرئاسية، فأجبته أن دعمي له سيكون متناسباً مع الدعم الذي يقدمه لي إذا أصبحت رئيساً للوزراء. الروايتان تدلان على أن «الثقة» لم تكن بين الرجلين في عام 1993 كما كانت عام 1986 عندما كان شيراك رئيساً للوزراء وكان بالادور وزيراً للاقتصاد والمالية في حكومته وبمرتبة وزير دولة .. وحيث كان عملياً يقوم بمهام نائب رئيس الوزراء.

بدا واضحاً أن ادوارد بالادور، ومنذ تكليفه بتشكيل الحكومة عام 1993، أراد أن يتصرف بشكل مستقل عن جاك شيراك. بل إنه أبلغه بأسماء أعضاء حكومته وهو في طريقه إلى قصر الاليزية لتسليمها للرئيس فرانسوا ميتيران. وقد علقت برناديت شيراك فيما بعد عن «خيانة» ادوارد بالادور بالقول: «كم كنا ساذجين، إذ لم نر الذئب وهو يتقدم نحونا».

وكان بالادور قد بعث مع أسماء الوزراء رسالة إلى جاك شيراك أكد له فيها أنه ما كان له أن يستطيع فعل أي شيء دون دعمه، وختمها بالقول «صديقك المخلص ادوارد بالادور». حاول نيكولا ساركوزي أن يصلح الأمور، لكن قال لصديقه «بريس هورفونو» منذ غداة تشكيل الحكومة أنه يلمح وجود خلاف كبير بين الرجلين، أي شيراك وبالادور. كما أشار له أنه فيما يتعلق بموقفه، سوف ينتظر إلى آخر وقت ممكن.

وفي شهر يوليو 1994 عهد إلى نيكولا ساركوزي بوزارة الاتصالات بعد اضطرار وزيرها وصديقه الان كارينيون إلى الاستقالة للمثول أمام القضاء في مسألة «فساد» متعلقة ببلدية جرونوبل التي كان يرأسها. وكان ادوارد بالادور يسأل نيكولا ساركوزي في كل القضايا. لقد أثار تقربه منه كثيراً بقية زملائه الوزراء إلى درجة أن أحدهم قال عنه «لا يحتمل حقاً» لكنه استطاع أن يقيم علاقات قوية مع رجال الصحافة ووسائل الإعلام.

القطيعة مع شيراك

لاقت حكومة إدوارد بالادور في ربيع عام 1993 قبولاً شعبياً كبيراً إلى درجة أن صحيفة «لوموند» القريبة من اليسار تقربت من بالادور. ولم يتردد «جيروم جافري» مدير مؤسسة «سونرس» لاستطلاعات الرأي في القول أن لبالادور مستقبلاً رئاسياً. وكررت فرنسا كلها نفس الشيء تقريباً بحيث أن رئيس الوزراء نال نسبة 75% من نوايا الناخبين للاقتراع لصالحه.

بالمقابل كان هناك خطاب آخر داخل حزب القمع من أجل الجمهورية الديغولي، حزب شيراك. كان «فيليب سيجان» رئيس الجمعية الوطنية آنذاك هو الذي أخذ أولاً مسافة عن حكومة بالادور وسياساتها، خاصة الاقتصادية ووصفها أنها «فكر جاهز حزين وباهت».

لم يشجب جاك شيراك مثل ذلك القول مما دفع ببالادور إلى القول: «إن جاك شيراك يجعل عملي هشاً»، لكنه ربما كان مسروراً في أعماقه إذ إن ذلك حرره من التزاماته حيال رئيس بلدية باريس. واعتباراً من صيف عام 1993 تدهورت العلاقات بين الرجلين. وفي شهر سبتمبر نشرت مجلة «جلوب هبدو» استطلاع رأي أظهرت 67% من الفرنسيين يرون إدوارد بالادور رئيساً مقابل 20% فقط لصالح شيراك.

كان موقف نيكولا ساركوزي مرتبطاً أمام ذلك الوضع. فإذا كان عضواً فاعلاً ونشيطاً في حكومة بالادور فإن جاك شيراك تابع الاتصال به ويطلب منه خدمات أو نصائح أو معلومات وكان يعامله دائماً كصديق حميم. وكانت ابنته «كلود» تفعل الشيء نفسه، لكن ساركوزي كان قد توقف بعد ثلاثة أشهر من دخوله الحكومة عن التردد على «الخلية الرئاسية» التي شكلها جاك شيراك بحجة مشاغله، وكانت تلك هي في الواقع رغبة رئيس الوزراء إدوارد بالادور. لقد فهم نيكولا ساركوزي أن بالادور مصمم أكثر فأكثر على متابعة مسيرته نحو قصر الاليزيه.

حرب غير معلنة

في الوقت الذي كانت فيه الخلافات بين شيراك وبالادور أمراً معروفاً للكثيرين فإن شيراك أكد للصحافة أنه وبالادور لن يكونا ابداً متنافسين اثناء الانتخابات الرئاسية فهما «تربطهما صداقة قوية عمرها 30 عاماً. وفي تلك الحرب «غير المعلنة» اختار نيكولا ساركوزي معسكره وقرر مغادرة «العرين» الشيراكي. لقد وجد نفسه إلى هذه الدرجة أو تلك، مرغماً على أن يفعل ذلك فادوار بالادور قدّم له الكثير وأولاه ثقته، ثم وقبل كل شيء، كانت استطلاعات الرأي كلها ترجح فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 1995.

وعندما سأله آنذاك صحفيون عن سبب توقفه عن المشاركة في اجتماعات مستشاري شيراك كل يوم ثلاثاء في دار بلدية باريس أجاب: «أن رئيس الوزراء طلب من جميع اعضاء الحكومة الاهتمام بوزاراتهم وليس بالانتخابات الرئاسية وهذا ما فعلته».

وذات يوم قال له جاك شيراك صراحة: «انت ذكي جداً فانتبه. انك بدعم بالادور كما تفعل الآن انما تخاطر بوضع جميع البيض في سلّة واحدة. فكّر بالأمر وسوف يكون لنا حديث آخر لاحقا». فقال نيكولا ساركوزي: وانا الناطق الرسمي باسم ادوارد بالادور.

وقد طلب مني أن لا يكون لي أي التزام سياسي آخر. وأريد ان أبقى الناطق باسمه لم يذهب الحوار أبعد من ذلك. ولم يتبادل الرجلان الحديث ثانية إلا بعد مرور أربع سنوات. كان جاك شيراك واثقاً من فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة، كانت استطلاعات الرأي كلها تقول شيئاً آخر.. إذ أظهرت أن بالادورد سيكون الفائز وبفارق كبير.

ولم يكن شيراك يتحمل ان يقولوا له ان بالادور قد «خانة» ذلك انه لم يكن يريد تصديق ذلك. لذلك أسكت كل اولئك الذين كانوا حوله ينتقدون بالادور وزير خزانته نيكولا ساركوزي. وتنقل المؤلفة عن «فرانسوا بارون» المقرّب من شيراك قوله: «كان على قناعة ان نيكولا ساركوزي سوف يعود إليه في اللحظة الحاسمة، أي لحظة الحملة الانتخابية الرئاسية.

كذلك كانت ابنة شيراك، كلود، تأمل ذلك. لكن مفاجأتها كانت كبيرة، بل وصاعقة، عندما نقلوا لها أن نيكولا ساركوزي قد قال في تصريح صحفي ان انتخاب جاك شيراك سيمثل «خطراً كبيراً بالنسبة لفرنسا» لم تصدّق ولكن الصحافيين أكدوا لها ذلك. تقول: «ثم ذات يوم اتصلت بنيكولا هاتفياً، لكنه لم يرد ولم يتحدث معي بعد ذلك».

بقي شيراك هو الوحيد الذي لا يريد أن يصدق تخلّي ادوارد بالادور عنه رغم المؤشرات الواضحة التي كانت تدل على العكس.. ثم وبتاريخ 29 نوفمبر 1993 كانت تلك هي المرّة الأولى منذ سنوات طويلة لم يتصل به صديقة بالادور بمناسبة عيد ميلاده. وفي الشهر الثاني تحدث وزيران كبيران «من حكومة بالادور هما السيدة سيمون فيل وفرانسوا ليوتار صراحة عن ترشيح بالادور للرئاسة وانه «سيكون رئيساً جيداً للجمهورية» عندها فقط قبل جاك شيراك ان يفتح عينيه وقال: لقد بدأ ادوارد أذن حملته الرئاسية».

وبمناسبة عيد الميلاد بعد عدة أيام من تصريح الوزيرين اتصل جاك شيراك، كما كان يفعل دائماً، بأسرة بالادورد كي يتمنى لها سنة طيبة للزوجة ولـ «صديقه منذ ثلاثين سنة» اجابته السيدة بالادور ان ادوارد ذهب لحضور القداس في الكنيسة وانه سوف يتصل به عند عودته. لكنه لم يفعل.

«اعتباراً من ذلك اليوم لم يعد شيراك يتحدث عن ادوارد ـ باسمه الأول كحديث قريب ـ وانما عن بالادور.. ولا عن نيكولا بل عن ساركوزي»، كما تنتقل المؤلفة عن فرانسوا باروان المقرب دائما من شراك». لم يكن لدى نيكولا ساركوزي الوقت للاهتمام بما يقوله أو يفعله رئيس بلدية باريس ـ شيراك ـ طالما ان رئيس الوزراء بالادور يأخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة مما جعل زملاءه في الحكومة ينظرون إليه على أساس انه نائب رئيس الوزراء.

حتى نهاية عام 1994 لم يكن هناك من يراهن على فوز جاك شيراك بالانتخابات الرئاسية لعام 1995، وعندما أعلن آنذاك جاك دولور، الذي كانت استطلاعات الرأي تقدمه على أنه أفضل مرشح لمعسكر اليسار، انه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية اعتبر المحيطون برئيس الوزراء ادوارد بالادور ان آخر عقبة قد أزيلت. وقال نيكولا ساركوزي: «ها هو رجل يؤكد ان له قناعاته ويعلن انه من الملح وضع هذه القناعات موضع التنفيذ ثم يخلص من هذا كله بالنتيجة المدهشة القائلة انه ليس هناك ما هو أكثر الحاحاً من العودة إلى المنزل».

وفي نفس الفترة اتصل شارك باسكوا وزير الداخلية آنذاك عندما تجمعت لديه مختلف تقارير الأجهزة الأمنية، بجاك شيراك هاتفياً وقال له: «نصيحة صديق، لا ترشح نفسك للانتخابات الرئاسية».. كانت استطلاعات الرأي تنذر بكارثة بالنسبة له، اما نيكولا ساركوزي فقد جمع في نهاية عام 1994 النواب الموالين وشرح لهم ان ادوارد بالادور «قد يتم انتخابه رئيساً منذ الدورة الأولى، الانتخابات الفرنسية الرئاسية تجرى على دورتين يفصل بينهما أسبوعان». ثم أضاف: «ينبغي على جاك شيراك ان ينسحب ويترك مجال الترشح لادوارد بالادور وحده، وألان جوبيه سوف يلتحق بنا»، كان غضب برناديت شيراك كبيراً، بل أصيبت بصدمة كبيرة عندما سمعت ذلك التصريح.

كانت شعبية جاك شيراك في أدنى مستوى عندما أعلن ترشيح نفسه للرئاسة بتاريخ 4 نوفمبر 1994، إذ لم تكن استطلاعات الرأي تعطيه أكثر من 12% من أصوات الناخبين، ولم يتردد آنذاك نيكولا ساركوزي في القول: «لا يمكن لشيراك أن يفوز. وكما تعرفون كان حزب التجمع من أجل الجمهورية كله وراءه عام 1986 ولم يحصل سوى على 17% من الأصوات، ثم لم يحصل سوى على 19% عام 1988. انه لا يجمع الناس حوله مثل بالادور».

ويروي جان لويس دوبريه الذي بقي وفياً لجاك شيراك وتولى لاحقاً وزارة الداخلية ورئاسة الجمعية الوطنية الفرنسية ان نيكولا ساركوزي كان قد دعاه آنذاك عدة مرات لتناول طعام الافطار، وكان يردد على مسامعه كل مرة: «عليك ان تفكر بمستقبلك، فدعم شيراك لن يؤدي بك إلى أي شيء». ثم يضيف جان لويس دوبريه: «كنت أثير غضبهم الى درجة انهم عينوا أخي برنار كوزير للتعاون ـ بدلاً من الوزير المستقيل ـ بقصد ان يبينوا للجميع ان هناك واحداً من أسرة دوبريه من مؤيدي بالادور، أي دوبريه من الصنف الجيد».

دور دوفيلبان

برز آنذاك أيضا من بين المحيطين بجاك شيراك شاب فارع القامة ووسيم كاتب وشاعر، كان يعمل مديراً لمكتب وزير الخارجية، هو دومينيك دوفيلبان. أخذ دور هذا الشاب يتزايد وكان كلما أظهرت استطلاعات الرأي ان ادوار بالادور تتعاظم حظوظه في الفوز، يؤكد من جانبه أن الفوز سيكون لجاك شيراك الذي كان يجوب بدوره مناطق فرنسا ليؤكد لكل من يسأله عن بالادور أنه لن يرشح نفسه.. وذلك حتى تاريخ 18 يناير 1995، ففي ذلك اليوم أعلن رئيس الوزراء الفرنسي ادوارد بالادور ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

لم يكن هناك كثيرون من بين الساسة يرون ان لجاك شيراك أية فرصة في الفوز، بل وقال يومها سيجان، رئيس الجمعية الوطنية آنذاك ما يلي: «عليكم التوقف عن الاعتقاد ان هناك انتخابات رئاسية أو ستكون هناك حملة انتخابية ونقاشات، الفائز معين» كان يقصد بالطبع ادوارد بالادور، لكن ذلك لم يمنع دومينيك دوفيلبان من القول: «ان آلة شيراك تسير بسهولة أكبر وهي غنية بالرجال، وباستثناء نيكولا ساركوزي ونيكولا بازير ـ مدير مكتب بالادور ـ ماذا يوجد لدى بالادور؟ لا شيء سوى الصحراء».

في ذلك السياق لقي جاك شيراك دعماً لم يكن متوقعاً ابداً اذ كان مصدره هو فرانسوا ميتران رئيس الجمهورية الذي التقى بشيراك وحدهما يوم الاحتفال التقليدي بتحرير باريس من النازية. لم يعرف احد ما جرى بين الرجلين، لكن المقربين من شيراك يؤكدون انه أخطره بإمكانية ان يفوز، أي ما يعني انه كان يدعمه.

كانت برناديت شيراك تردد في كل مرة يذكر أحد أمامها اسم نيكولا ساركوزي: «لا تحدثونني عن هذا تحديداً». ثم وبعد عدة أشهر من الهجومات والهجومات المضادة بين «معسكري» شيراك وبالادور وفضح الكثير من الاسرار، خاصة ذات الطبيعة المادية جرت الدورة الانتخابية الأولى وجاءت النتائج كالتالي: 23% لصالح المرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان و84,20% لصالح جاك شيراك ثم 58,18% لادوارد بالادور الذي أقصي بذلك من السباق وتحطم حلمه الرئاسي.. ولم يكن أمامه سوى أن يدعو ناخبيه لإعطاء ثقتهم لجاك شيراك في الدورة الثانية.

نيكولا المنبوذ

في عام 1995 كان عمر نيكولا ساركوزي 40 سنة. كانت هزيمة ادوارد بالادور هي بالتأكيد هزيمة له هو أيضا. لقد طرح على نفسه آنذاك السؤال عما إذا كان ينبغي عليه ترك السياسة؟ ويتذكر أخوته أنه طرح عليهم السؤال اثناء مأدبة عشاء مشتركة. وعندما سأل زوجته سيسيليا قالت له: لا أريد أن أنصحك بترك السياسة لأنك ستعيب علي فيما بعد أنني قدمت لك تلك النصيحة.

انتهى به الأمر إلى أن «يعطي نفسه» مهلة عامين كي يعود إلى «الصف الأول» لكن المدة الرئاسية كانت سبع سنوات ولم يكن شيراك والمقربون منه على استعداد للغفران له. كانت كلود شيراك هي التي «تمتلك» قائمة الممنوعين من التقرب من قصد الاليزيه وكان اسم نيكولا ساركوزي على رأس تلك القائمة.

وتنقل المؤلفة عن برنار بونس الصديق المقرب من جاك شيراك أنه قد أسر له ذات يوم قائلا: «لن أغفر لهذا ابداً ما فعله» وقالت برناديت باحتقار عنه: هذا الرجل القصير الذي يستحق ضربة قدم على قفاه». باختصار أصبح نيكولا ساركوزي «منبوذاً» من جماعة الاليزية. وكان من أكثر القساة عليه، بالإضافة إلى أسرة الرئيس شيراك، دومينيك دوفيلبان.

ومما زاد في ألم نيكولاساركوزي هو إحساسه أنه قد أضاع فرصة أن يصبح رئيساً للوزراء في حالة فوز بالادور بالرئاسة كي يتقوقع على منصب رئيس بلدية نويي. لكن هل كان بالادور سيعين ساركوزي في منصب رئيس الوزراء؟ تتساءل مؤلفة الكتاب قبل أن تشير إلى أن أصدقاء شارل باسكوا أكدوا أنه كان قد تلقى وعوداً صارمة بذلك المنصب ثمناً لدعمه لبالادور. هذا الأخير سألوه فيما بعد عام 2006 عن الموضوع فقال: « ربما كنت سأعين آلان جوبيه» رئيسا للوزراء وأضاف: «ربما كنت سأفعل ذلك باعتباره رجلاً من الذين دعموا شيراك وبالتالي تتم المصالحة.

غداة هزيمة ادوار بالادور في الانتخابات الرئاسية بدأ نيكولا ساركوزي بكتابة مقال «بصورة رسالة» في صحيفة «ليزيكو» ـ أي «الصدى» وتحت اسم مستعار هو «مازاران» نشرت الصحيفة 25 رسالة هاجم كاتبها كل رجال السياسة، أصدقاء وخصوم، بما فيهم هو نفسه نيكولا ساركوزي. وكانت الرسالة الموجهة له تحمل توقيع «شيراك».

وكان مما جاء فيها: «هل تعرف ماذا كنت ستكسب معي؟ كان يمكنك أن تكون رئيساً للوزراء. نعم عزيزي نيكولا.. وقبل ان تعود المياه إلى مجاريها سيكون عليك أن تتألم أيضا وترى ما معنى أن يكون المرء وحيداً متروكاً من الجميع كما كنت أنا. لماذا خنتني؟ أريدك أن تعود من جديد نيكولا الذي عرفته وأحببته وكنت استطيع أن قول له كل شيء».

عارض جاك شيراك باستمرار عودة نيكولا ساركوزي إلى الحظيرة الديغولية الضيقة. وتنقل المؤلفة عن آلان جوبيه الذي لم يقطع الصلة ابداً معه بل كان يتصل به هاتفياً باستمرار ويتبادل معه الأفكار قوله: «لقد عارض جاك شيراك عودته دائما. لقد طلبت من ذلك مرة أولى أثناء التعديل الحكومي الأول في شهر نوفمبر 1995 فاصطدمت برفضه القاطع. وطلبت منه ذلك ثانية في العام التالي وكان الجواب سلبياً أيضا». كما تنقل عن جان لويس دوبريه قوله: « قال لي جاك شيراك: ماذا دهى جوبيه، أنه يحدثني دائما عن ساركوزي. لا يفهم أنني لم أعد أريد سماع اسمه».

وفي ربيع عام 1997 قرر رئيس الجمهورية جاك شيراك حل الجمعية الوطنية الفرنسية ذات الأغلبية اليمينية فانتخب الفرنسيون جمعية وطنية جديدة ذات أغلبية يسارية ووصل ليونيل جوسبان إلى رئاسة الحكومة.

كان نيكولا ساركوزي من بين الفائزين منذ الدورة الانتخابية الأولى. كانت تلك هي الخطوة الأولى في العودة من جديد إلى مقدمة المسرح السياسي الفرنسي.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف