التوتر الذي يخيم على العالم حاليا بسبب انتشار ظاهرة الإرهاب وأعمال الجريمة المنظمة، ناهيك عن شبح الحروب النووية التي تلوح في الأفق من آن لآخر وفقا لمجريات السياسة العالمية وبحسب علاقات القوى العظمى في العالم مع بعضها البعض من ناحية ومع بقية البلدان من ناحية أخرى -هذا التوتر لم يسلم منه البحر كما لا يسلم منه البر، وأصبح الرهان الآن على بحار العالم لتستقبل الحروب المقبلة التي يتوقع نشوبها في أي لحظة.
ولا شك أن المساحة الشاسعة لبحار ومحيطات العالم وعدم تمتعها بالحماية نفسها التي تتمتع بها اليابسة تشجع على استهدافها لكون الأمر ينطوي على سهولة أكبر. فأي غواص لديه قدر مناسب من المهارة يمكنه إغراق سفينة أو تفجير خطوط نفط أو غاز تحت أي مسطح مائي.
والخطورة في الأمر تكمن في صعوبة العثور على الجاني. ومع تفاقم خطر الإرهاب في العالم بات الأمر ينطوي على خطورة أكبر. ومن هذا المنطلق انخرط العلماء في جهود مكثفة من أجل الوصول إلى تقنية من شأنها المساعدة على حماية سواحل العالم من شبح حروب ساحلية مستقبلية.
وفي عددها الأخير أفردت مجلة (نيوساينتست) العلمية تغطية مميزة لما أطلقت عليه وصف «خفر السواحل الجدد» في إشارة منها إلى أنظمة حماية جديدة توصل إليها علماء أميركيون لحماية سواحل العالم لمواجهة التقدم الرهيب الذي تحقق في أساليب وتقنيات هجمات الإرهابيين.
تشير المجلة إلى أن الصعوبة التي تكمن في حماية الموانئ والسفن ظهرت بوضوح أثناء الحرب العالمية الثانية عندما ألحق غواصون إيطاليون ضررا بالغا بأسطول سفن بريطانية في مياه البحر الأبيض المتوسط. الدفاعات البحرية لا تزال ضعيفة حتى وقتنا هذا؛ فبخلاف التطور الذي طرأ على تقنيات استخدام السونار بما يصدره من موجات صوتية لحماية بعض السواحل فإن أساليب الدفاع البحري لم تتطور بالشكل الذي يواكب الطفرة التي تحققت في أساليب الهجوم وذلك على الرغم من الجهود التي بذلتها بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية في هذا الصدد.
ففي 2005، بدأ مخططون أميركيون مشروعا لحماية الموانئ جرى خلاله تدريب خفر السواحل والغواصين الأميركيين على أساليب كتلك التي ظهرت بشكل أقرب إلى الخيال العلمي في أفلام جيمس بوند الشهيرة. كما تم استدعاء مصنعي الأسلحة من أجل تطوير نماذج متطورة من المسدسات التي تطلق تحت الماء واللجوء إلى الدلافين وأسود البحر لحماية السواحل. كما بُذلت جهود من أجل تطوير أنواع من الأسلحة الصوتية التي يمكن التحكم فيها من سطح البحر إلى جانب تصنيع غواصات يمكنها مراقبة الموانئ والتنصت على أي طرف يحاول التسلل إليها، بل ويمكنها أيضا إطلاق النار على أي مهاجمين.
غير أن مثل تلك الأفكار، كما تشير المجلة، أثارت حالة واسعة من الجدل. فالأسلحة الموجودة تحت الأمواج قد تلحق ضررا يمتد إلى ما هو أبعد من الإرهابيين الذين تستهدفهم. كما أن الأسلحة الصوتية لها تأثير مدمر على البيئة البحرية والدلافين والحيتان.
كما أن هناك سؤالا يفرض نفسه في هذا الصدد: كيف يمكن منع غواصة آلية من الهجوم على رياضي أو غواص عادي ضلت به الطريق ودفعته المياه إلى نطاق عمل هذه الغواصة؟
ومن ثم فإن الهوس الكبير بقضية الإرهاب دفع دول العالم الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية إلى إعادة التفكير في الأمر. فالأساليب التقليدية المتمثلة في إحاطة خطوط الأنابيب والمحطات النووية ومعامل التكرير وحتى المنتجعات السياحية في العالم - إحاطتها بسياج من الشبكات يمنع التسلل إليها من تحت سطح البحر هو أمر غير عملي ومستحيل حتى في الجانب النظري. فعلى سبيل المثال هناك 40 ألف كيلومتر من خطوط الأنابيب في الولايات المتحدة الأميركية وحدها.
وتشير التقارير إلى أن الحل الأكثر تطورا حتى الآن يتمثل في استخدام موجات صوتية مثل تلك التي تصدر عن السونار. فأحدث أنظمة السونار المتاحة تجاريا تصدر نبضات بترددات تتراوح بين 10 إلى 300 كيلوهيرتز، وهي دقيقة لدرجة أنه يمكنها رصد وجود أي غواص على بعد كيلومتر واحد منها مهما كانت درجة وضوح المياه. الأمر الذي فكر فيه المهندسون الأميركيون هو أنه في حال التمكن من إصدار تلك النبضات الصادرة من السونار بترددات أقوى فإنه سيكون بالإمكان استخدامها كأسلحة فعالة.
وقد أوحت هذه الفكرة، وفقا لمجلة نيوسايتنست، لفريق علمي يعمل في البرنامج البحري الأميركي لمكافحة الإرهاب بتطوير نظام يمكنه استخدام تلك الموجات الصوتية في رصد المتسللين وإيقافهم في الوقت نفسه. هدف هؤلاء الباحثين يتمثل في إنتاج تقنية رخيصة الثمن و صغيرة الحجم يمكن استخدامها من خلال قوارب المراقبة أو وضعها في قاع البحر والتحكم فيها عن بعد.
فقد تبين لهذا الفريق العلمي أن أنظمة السونار التقليدية التي تُحمل على متن السفن تستهلك الوقود بشراسة شديدة كما أن استخدامها ينطوي على تعقيدات عديدة. ومن ثم فإن هؤلاء الباحثين فكروا في استعارة بعض أفكار علماء الجيولوجيا الذين يستخدمون مولدات صوت أثناء ما يجرونه من دراسات مسحية تحت المياه لقياس حركة القشرة الأرضية.
أحد الأنظمة التي يتم تجربتها وتقييمها حاليا من جانب هذا الفريق العلمي تستخدم أعيرة ذات فولت عال للغاية تطلق بين قضبان كهربائية وذلك من أجل إنتاج فقاعات بلازما تتمتع بقدر عال من الضغط. وفي الوقت الذي يحدث فيه انهيار لتلك الفقاعات، فإنه تصدر منها موجات صوتية صادمة تصيب الهدف بحالة من الشلل.
السلاح الثاني الذي يجري اختباره يطلق عليه اسم (المدفع الهوائي) والذي يقوم على فكرة إصدار موجات تصيب الهدف بصدمة عصبية وذلك من خلال هواء مضغوط يخرج منه بشكل مفاجئ. ويمكن استخدام مولد البلازما لإنتاج شريط متواصل من النبضات في حين يُصدر النظام الهوائي البسيط الصنع قدرا هائلاً من الضوضاء.
أحد التحديات التي يواجهها الخبراء في هذا الصدد هو كيفية السيطرة على تأثير مثل تلك الأسلحة على الغواص المستهدف. النتيجة المُثلى تتمثل في أن يصدر السلاح المختار تحذيرا مسموعا منخفض القوة عندما يتم رصد متسلل ما غير أن السلاح يجب في الوقت نفسه أن يكون قادرا على إصدار ضوضاء أكبر في حال إصرار هذا المتسلل على الاستمرار في مهمته.
غير أن خبراء المجال أبدوا تخوفهم بشدة من الآثار الجانبية لمثل تلك الأجهزة التي يمكن أن يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد من المتسلل ليطول غواصين آخرين ليست لهم أي علاقة بما يجري ويتصادف وجودهم في نطاق تأثير الجهاز أثناء تشغيله. يقول المتحفظون على هذه التكنولوجيا إن طبيعة قاع البحر والاختلافات الحاصلة في مكونات مياه البحر يمكن أن تذهب بتأثير تلك الأصوات إلى ما لا تحمد عقباه.
في حال الأسلحة الصوتية الثابتة، يمكن للشخص المتحكم فيها أن يسيطر على مداها حتى لا يكون تأثيرها على الغواصين مميتا. أما في حال الأسلحة الصوتية المتحركة، فإن الأمر ينطوي على صعوبة كبيرة لا يمكن معها التحكم في قوة السلاح وتأثيره المميت في الغواصين وفي الحياة البحرية المحيطة.
تقول المجلة إنه حدث مؤخرا أن قامت مجموعة تضم اللجنة البحرية لكاليفورنيا وجهات فيدرالية أخرى في الولايات المتحدة برفع دعوى قضائية على البحرية الأميركية بسبب عزم الأخيرة على استخدام السونار في المياه الموجودة حول إحدى المحميات البحرية الواقعة قبالة ساحل كاليفورنيا. وتشير المجلة إلى أنه هذه هي أول دعوى قضائية من نوعها ترفعها جهة حكومية. ومهما كانت نتيجة هذه الدعوى فإن الثابت في الأمر هو أن الصراع حول انتشار الأسلحة تحت مياه المحيط قد بدأ بالفعل.
إعداد: حاتم حسين
