طوال أيام، قام شبان خشنون في موسكو بمحاصرة السفارة الاستونية وذلك لمضايقة السفيرة مارينا كالجوراند. وقد اضطر حراسها الشخصيون إلى استخدام مواد رش لصد رجال العصابات هؤلاء الذين وصفوا استونيا بأنها «بلد فاشي». وقد تم إخراج الدبلوماسيين الاستونيين من موسكو وإرسالهم إلى وطنهم.
والعلاقات بين البلدين توشك على أن تقطع، ما لم يسيطر الكريملين على هؤلاء المتنمرين. يكمن وراء هذا النزاع البغيض القرار الذي اتخذته استونيا بنقل النصب العملاق لجندي من الجيش الأحمر، ورفات الجنود السوفييت، من قلب عاصمتها تالين، إلى مقبرة عسكرية. وفي تالين، تصادم الوطنيون والمغالون في وطنيتهم مع مواطنين من أصول روسية بشأن الإهانة المتصورة الموجهة لروسيا الأم و(محرري) استونيا من النازيين. ووجهتا النظر كلاهما في هذا النزاع يمكن تفهمها. بالنسبة للروس، الذين فقدوا الملايين من أجدادهم، وآبائهم وأعمامهم في الحرب الوطنية العظمى، فإن الجيش الأحمر حرر أوروبا من النازية، ولابد من احترام تضحيات رجاله. ويعد الاستونيون في ضوء هذا الفهم مجموعة من العاقين.
أما بالنسبة للاستونيين، فإن الجيش الأحمر لم يحرر أحداً. فبعد حصولهم على الاستقلال من الإمبراطورية الروسية في الحرب العالمية الأولى، اغتصبتهم روسيا، التي تم التخلي عنهم لها كجزء من تحالف هتلر- ستالين. وفي يونيو 1940، اقتحم الجيش الأحمر جمهوريات البلطيق الثلاث، وقتل النخب وأرسل عشرات الألوف إلى مخيمات العمل التابعة لستالين ولم يرهم أحد مرة أخرى على الإطلاق.
في حين تم طرد السوفييت من جمهوريات البلطيق من قبل الألمان عام 1941، فإنهم عادوا عام 1944 وأسروا شعوب البلطيق إلى أن انهارت إمبراطورية الشر. ولم تستعد استونيا استقلالها وحريتها إلاّ في ذلك الوقت.
لماذا ينبغي على الاستونيين تكريم الجيش الأحمر الذي عاملهم بوحشية، بعد طرد الألمان، واستعبدهم مجدداً طوال نصف قرن؟
لماذا يجب أن تثير هذه القضية اهتمام أميركا؟
إذا قرر الرئيس فلاديمير بوتين أن الاستونيين بحاجة إلى أن يلقنوا درساً، وأرسل الجنود لتعليمهم إياه، فإن الولايات المتحدة، تحت قيادة الناتو، سيتعين عليها التعامل مع التدخل الروسي في استونيا باعتباره هجوماً عليها، وإعلان الحرب باسم استونيا.
هكذا فإننا نصبح وجهاً لوجه أمام حماقة نقل الناتو إلى الشرفة الأمامية لروسيا، بعد تقديم ضمانات حرب إلى ثلاث دول صغيرة تكن عداء تاريخياً لقوة نووية لديها القدرة على إحداث ألف ضعف الدمار الذي يمكن أن تجلبه علينا إيران.
وتعد لاتفيا، كذلك، عضواً في الناتو. كما أن لديها نزاعاً مع موسكو بشأن معاملتها للمنحدرين من أصلاب الروس الذين نقلهم ستالين إلى لاتفيا لتغيير طابعها العرقي. وقد نشأ أبناؤهم وأحفادهم في لاتفيا، ولا يعرفون لأنفسهم موطناً آخر غيرها، على الرغم من أنهم ليسوا موضع ترحيب من اللاتفيين الأصليين.
تسوية هذه النزاعات أمر مهم لتحقيق السلام في أوروبا. ولكن الفكرة القائلة إن التدخل الروسي في جمهوريات البلطيق يجب أن يُواجه بإعلان أميركي للحرب، أو أي هجوم على أمة لديها الألوف من الأسلحة الذرية، هي الحماقة بعينها.
وهذه ليست النزاعات الوحيدة مع روسيا برئاسة بوتين التي يمكن أن تنفجر إلى أزمة كاملة. فقد قامت واشنطن بإقناع جهورية التشيك وبولندا، وهما عضوان سابقان في حلف وارسو ، بقبول نصب الرادارات والصواريخ من أجل إقامة درع أميركي مضاد للصواريخ.
إننا نقول إن نظام الدفاع الصاروخي موجهٌ لإيران. وينظر إليه الروس مرادفاً لخطوة من الناتو شرقاً تستهدفهم. هل بإمكاننا توجيه اللوم إليهم على تفكيرهم هذا، بينما قمنا بالرد على انسحاب جنودهم من أوروبا الوسطى وشرق أوروبا عن طريق جلب أوروبا الوسطى وشرق أوروبا إلى تحالفٍ بقيادة الولايات المتحدة؟
إذا مضى من يلقون بالطعم لروسيا في واشنطن فيما عزموا عليه قدماً، فإن أوكرانيا وجورجيا سيتم ضمهما إلى الناتو. وسيحملنا هذا الأمر على الذهاب إلى الحرب مع روسيا حول السيطرة على شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس الناطقة باللغة الروسية الواقعة في شرق أوكرانيا، وحول مسقط رأس ستالين ومن ينبغي أن يسيطر على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
يجيء الرد: «موسكو لن تجرؤ على التدخل في شؤون جمهوريات البلطيق». ربما لا. ولكن الروس الآن مغالون في وطنيتهم ومناهضون للأميركيين بصورة شديدة. ومن الخطأ بمكان دائماً أن تتخلى قوة عظمى لقوة صغيرة عن القدرة على جرها إلى حرب عظمى. تماماً كما هي الحال عندما يكون من الخطأ دائماً تسليم ضمانات حرب إلى شخص لا يستحقها.
في مارس 1939، قدمت بريطانيا ضمان حرب لقادة عسكريين بولنديين لم يطلبوه، وهو ضمان لم يكن هناك مجال أمام بريطانيا للوفاء به. والحرب التي جاءت بعد ذلك كبدت بريطانيا إمبراطوريتها وكبدت بولندا خمسين عاماً من الحرية.
وفي أغسطس عام 1914، أخبر الملك ألبرت الثاني ملك بلجيكا الملك البريطاني جورج الخامس أن قوات القيصر قد عبرت حدوده. واستعان في هذا الصدد بمعاهدة تضمن حياد بلجيكا والتي كان البريطانيون قد وقعوها عام 1839.
هكذا، أعلنت بريطانيا الحرب، وقضى 700 ألف بريطاني في الحرب العظمى التي دفعت الغرب إلى طريقه الحالي للانتحار.
وتتواصل مسيرة الحماقة.
ترجمة: كوثر علي ــ عن«أنتي وور»

