تتحدث المؤلفة في هذه الحلقة من الكتاب عن زواج ساركوزي من زوجته الأولى ماري ومن ثم خيانته لها مع امرأة متزوجة كانت هي وزوجها صديقين لهما، والمفارقة هي أن هذه المرأة أصبحت فيما بعد زوجته الحالية سيسيليا.

وبالإضافة إلى الجانب الشخصي، تشير المؤلفة إلى حصول تطورات سياسية في مسيرة ساركوزي الشاب أهمها دخوله البرلمان وهو في عمر 33 عاماً وتوليه حقيبة وزير الخزانة في 1993 ومن ثم وزير الداخلية في 2002، وتؤكد على أن هذه النجاحات لم تأت من دون جهد وتعب، بل إن ساركوزي بذل كل ما في وسعه لارتقاء سلم السلطة درجة تلو الأخرى، ولم يكن يمانع في استخدام لباقته وكل وسيلة أخرى متاحة لتحقيق أهدافه. في عام 1969 طرح الجنرال شارل ديغول مشروع إصلاح دستوري للاستفتاء العام لم ينل ذلك المشروع موافقة الفرنسيين فقرر الجنرال مغادرة المنصب الرئاسي عشية إعلان النتيجة. مسألة هذا الاستفتاء ورفضه ورحيل الجنرال عن السلطة كانت موضوع أطروحة الطالب نيكولا ساركوزي في جامعة تانتير. كان جورج بومبيدو رئيسا للوزراء في ظل رئاسة الجنرال شارل ديغول الذي استبدله بعد أحداث مايو 1968 المعروفة باسم «ثورة الطلبة»، إذ كانا قد اختلفا حول تفسير أسبابها وسبل معالجتها، باختصار ظهر وجود شرخ بينهما.

وفي شهر يناير من عام 1969 صرح جورج بومبيدو في روما عندما كان يزورها برفقة زوجته جوابا على سؤال حول إمكانية ترشيحه في الانتخابات الرئاسية القادمة المرتقبة عام 1972 ما مفاده: «إذا كانت هناك انتخابات من المحتمل أن أكون مرشحاً لكن شريطة أن لا يكون الجنرال في قصر الاليزيه». أغضب ذلك التصريح الجنرال ديغول كثيراً وقال إنه «من واجبه وبنيته أن ينهي رئاسته حتى آخرها». وأدلى جورج بومبيدو بتصريح آخر في جنيف كرر فيه القول من جديد: «ربما سيكون لي إذا أرادت العناية الإلهية ذلك، مصير وطني» وكان يقول في مجالسه الخاصة: «أعرف أن الجنرال غيور من مكانتي المرموقة، وعليّ أن أتحرك الآن وحدي. لم يعد هناك مكان للعواطف، الخلافة على الرئاسة مفتوحة. والمهم هو معرفة من سينجح: الديغوليون أي أنا ـ أم الآخرون.. وما عدا ذلك هو مجرد تفكير رومانسي». استجدت آنذاك مسألة الاستفتاء الذي طرحه الجنرال وفشل فما كان منه إلا أن غادر السلطة.. جرت الانتخابات بعد ذلك مباشرة وفاز فيها جورج بومبيدو.

وبالمقارنة كان نيكولا ساركوزي قد أصبح وزيراً للداخلية. وأثناء برنامج تلفزيوني على القناة الفرنسية الثانية في شهر نوفمبر 2003 سأله الصحافي ألان دوهاميل عما إذا كان يفكر بالترشح في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد أربعة أعوام، أي في عام 2007، عندما يقوم صباحا بحلاقة ذقنه أمام المرآة وكانت إجابته: لا أفكر بها فقط أثناء الحلاقة. ومثل جورج بومبيدو قبله عاد وكرر القول من جديد بتاريخ 21 مارس 2005 في نفس البرنامج التلفزيوني بأنه سوف يرشح نفسه للرئاسة مهما حصل وحتى لو قرر رئيس الدولة أي جاك شيراك الترشح لفترة رئاسية ثالثة. بعد دراسة الحقوق التحق نيكولا ساركوزي بكلية العلوم السياسية حيث التقى بلورنس باريزو، رئيسة نقابة أرباب العمل الفرنسيين اليوم وعددا آخر من الطلبة الذين تسلموا مهمات عليا لاحقا، لكن نيكولا لم يحصل على دبلوم العلوم السياسية ذلك أنه لم يحصل على المعدل المطلوب باللغة الانجليزية. وكانت هذه المادة هي نقطة ضعفه التي لم يستطع التغلب عليها. وفي شهر سبتمبر من عام 1981 أصبح نيكولا ساركوزي محامياً مثل أمه. وقد ظل يعمل لدى مكتب «دانيه» للمحاماة وهو احد أصدقاء والدته حتى عام 1987. ثم عمل في المهنة إلى جانب مهماته في البلدية والحزب الديغولي مع زميلين له حتى عام 1993 تاريخ دخوله إلى حكومة ادوارد بالادور كوزير للخزانة

وعاد لممارسة المهنة عام 1995 عند انتخاب جاك شيراك رئيسيا للجمهورية وحتى عام 2002 عندما عاد إلى الحكومة من جديد ويقول عنه زميله ارنو كلود الذي عمل معه طويلا في نفس المكتب :نيكولا مثل قاطرة يدفع الآخرين دائما بصورة أسرع وإلى أبعد (...) وهو يعرف دائما كيف يصل إلى غاياته وبأية وسائل.

على صعيد الحياة الشخصية استجد حدث عائلي لم يكن متوقعا، إذ عاد الأب بال ساركوزي للظهور بعد غياب استمر أربع سنوات انقطعت أخباره فيها باستثناء بعض الإجابات المقتضبة على رسائل أبنائه له وذات صباح جلب ساعي البريد ظرفا كبيرا مرسلا للأم،

كان يحتوي على صور لنيكولا كان قد جرى التقاطها أثناء بث تلفزيوني قبل الانتخابات التشريعية لعام 1978. كان اسم المصور هو «بال» لقد فهمت أندريا «الأم» بسرعة أنه يريد استئناف الصلة معهم فرجت الأم ابنها نيكولا أن يشكر والده في الحال.

بقي نيكولا هو الأكثر ترددا في قبول إعادة الصلة بذلك الأب.. وكان جميع أصدقائه قد سمعوه وهو يصب جام غضبه طيلة سنوات غيابه على أولئك الآباء المطلقين الذين يتخلون عن أطفالهم ولا يدفعون نفقة لهم لكن الإخوة الثلاثة قبلوا فيما بعد بالمصالحة نزولا عند رغبة أمهم.

كان «بال» الأب قد تزوج للمرة الخامسة من امرأة شابة اسمها دينيس التي كانت تشتكي هي أيضا من عدم انضباط زوجها وكانت أندريا الزوجة الأولى هي التي تواسيها فهي تعرف بال أفضل من أي إنسان آخر. بكل الأحوال كانت الأم سعيدة في أعماقها باجتماع الأسرة من جديد

وكانت تغتنم أبسط مناسبة في تجمع العشيرة كلها أي أبنائها وأسرهم وإخوتهم من أبيهم بالإضافة إلى زوجات أبيهم السابقات، باختصار كانت تجمع حولها كل من يحمل اسم ساركوزي وكان أكثر ما أزعجها فيما بعد هو أن أبناءها الثلاثة قد طلقوا زوجاتهم الأوليات.

شهرة ساركوزي

بتاريخ 13 مايو 1993 كان نيكولا ساركوزي وزير الخزانة منذ ستة أسابيع في حكومة ادوارد بالادور يحضر اجتماعا عاديا للوزراء عندما تقدم منه أحد الموظفين وقال له أن يتصل فورا ودون إضاعة دقيقة واحدة بوزير الداخلية شارل باسكوا لأمر خطير. لقد أخبره باسكوا أن شخصا قد دخل إحدى المدارس في نويي واحتجز 21 طفلا صغيرا ومعلمتهم كرهائن.

يومها تقدم نيكولا ساركوزي وحده ودون أي سلاح نحو غرفة احتجاز الرهائن وقد اعترف بعد أربع سنوات أثناء بث تلفزيوني بقوله: أحسست بالعرق يتصبب في ظهري، والخوف من أن لا تسير الأمور كما ينبغي، ثم كان هناك خطر انفجار العبوات الناسفة التي كان محتجز الأطفال قد ربط خيوطها على امتداد الغرفة والذي كان يطالب بمئة مليون فرنك وبسيارة تقله إلى حيث يريد.

أعاد الوزير ساركوزي المفاوضات مع الرجل سبع مرات خلال 36 ساعة وكان كل مرة يخرج وهو يحمل ويصطحب بعض الأطفال وعندما قام رجال الشرطة الفرنسية بالهجوم وقتل محتجز الرهائن دون إصابة أي من الأطفال الستة الباقين معه انتهت تلك العملية التي جعلت فرنسا كلها تعيش على أعصابها

وكان الفرنسيون قد شاهدوا عبر شاشات التلفزة ذلك الوزير الشاب الذي يخرج مثل أبطال أفلام السينما وهو يحمل بين ذراعيه أطفالا كي ينقذهم من موت محتمل كانت تلك هي مناسبة كي يعرفه الجميع وكي يكتسب شعبية كبيرة كان نيكولا ساركوزي عندها رئيسا لبلدية نويي منذ عشر سنوات والقوانين الفرنسية النافذة آنذاك كانت تسمح بالجمع بين عدة مناصب.

لقد أقام نيكولا ساركوزي علاقات قريبة جدا مع أهل بلدته «نويي» كما فعل جاك شيراك عندما كان شابا ورئيسا لبلدية في إحدى مدن منطقة الكوريز ومثل شيراك أيضا كان دائما ودودا بشوشا ويصافح الجميع. لقد تعلم نيكولا الدرس جيدا ولم ينس أن يقدم الكثير من الخدمات لمدينته مثل بناء مستشفى ومسرح وسينما ومسبح.. الخ كما انه أولى أهمية خاصة لمسألة الأمن

حيث كان يقوم مرة كل شهر بمرافقة دوريات الشرطة في المدينة، كانت تجربة نويي ذات أهمية كبيرة لمعرفته كيف يكسب أصوات الناخبين. وكان من عادة نيكولا ساركوزي رئيس بلدية نويي أن يقوم هو شخصيا بعقد قران المشاهير وبالتالي ما كان ليفوته أن يعقد قران النجم التلفزيوني المعروف جاك مارتان 52 سنة على الآنسة سيسيليا سيجانير البينيز 25 سنة وكان ذلك يوم 10 أغسطس 1984.

سيسيليا هي ابنة مهاجر روماني وصل إلى فرنسا في مطلع عقد الأربعينات الماضي وتزوج من فتاة اسبانية، أصبح الأب تاجرا شهيرا للفراء بالقرب من جادة الشانزليزيه أولا ثم في ساحة بوفو مقر وزارة الداخلية الفرنسية، كانت الأسرة غنية جدا ثم عرفت بعض التدهور المادي عند اعتلال صحة الأب وتضاؤل حقوق التأليف التي كانت تتقاضاها الأم من إرث جدها الموسيقي الشهير اسحاق البينيز.

كانت سيسيليا قد أجرت عملية «قلب مفتوح» وهي في الثانية عشرة من عمرها. وبعد حصولها على الشهادة الثانوية لم تداوم طويلاً في كلية الحقوق التي تسجلت بها وإنما اتجهت لفترة قصيرة نحو مهنة عرض الأزياء وذات يوم عندما كانت تتناول طعام العشاء مع صديقة لها في مطعم يدعى «بيت الكافيار» بالقرب من منزلها شاءت الصدفة أن يكون جار الطاولة القريبة هو جاك مارتان الذي تعرفه الصديقة جيداً.

في اليوم التالي اتصل النجم التلفزيوني بالصديقة ودعاها للعشاء في بيته بـ «نويي» وطلب منها أن تصطحب معها صديقتها «سيسيليا». كانت بداية تعارف انتهى إلى قرار الزواج بعد عامين.. وكانت سيسيليا تنتظر «حدثاً سعيداً».

وتنقل مؤلفة الكتاب عن «اشيل بيريتي» رئيس بلدية «نويي» السابق انه لم يكن يحب إقامة مراسم عقود الزواج، يقول: «عندما أكون مضطراً إلى ذلك، كان الشيء الوحيد الذي يسليني هو أنني كنت أنظر إلى العروس وأتساءل عما إذا كنت أريد أن أكون مكان العريس في المساء»، ويوم 10 أغسطس 1984 هذا ما حدث مع رئيس البلدية الشاب نيكولا ساركوزي عندما عقد قران جاك مارتان وسيسيليا.

«لقد اجتاحته في ذلك اليوم نار داخلية لم تكن حرارة فصل الصيف تفسرها»، كما تقول المؤلفة ثم تضيف: «إنها ضربة الصاعقة». في ذلك اليوم قال نيكولا ساركوزي رئيس البلدية، لجاك مارتان العريس النجم: «جاك لدي رغبة أن أقدم لك هدية لا تكلفني كثيرا لكنها مع ذلك لا تضاهي بثمن بالنسبة لي..

وهي هدية لا استطيع تقديمها لك وأنت لن تقبلها بالتأكيد، لأنك لن تستطيع استخدامها: لدي رغبة أن أقدم لك وشاح رئيس البلدية» كان نيكولا ساركوزي يريد أن يكون جاك مارتان هو رئيس البلدية وأن يكون هو العريس في مكانه. تقول المؤلفة: «كانت بالتأكيد رسالة واضحة موجهة إلى سيسيليا مفادها: أريد أن أقدم لك مالا استطيع ولن تستطيعي أنت قبوله اليوم: أي الزواج».

كان نيكولا ساركوزي قد تزوج قبل ثلاث سنوات من ماري التي كان أولئك الذين يعرفونها يطلقون عليها لقب «الجوهرة». كان قد التقى بها في جامعة السوربون حيث كانت تدرس اللغة الايطالية. أراد نيكولا أن يؤسس أسرة مستقرة وينجب أطفالا كي يعيش الحياة التي حرمه منها أبوه.

سكن الزوجان الشابان في شقة من غرفة واحدة «ستوديو» كان هو نفسه قد أعاد دهنها وظلا فيها حتى إنجاب ابنهما الثاني يقول الأصدقاء: «كان نيكولا يحب ماري كثيرا» ثم يضيفون: «لكن ذلك لم يكن يمنعه من محاولة جذب الفتيات الجميلات، بل وأحياناً الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك» وذلك حتى «ضربة الصاعقة» عند رؤية سيسيليا يوم زفافها.

أنجبت سيسيليا بعد ثلاثة عشر يوماً من عقد القران ابنتها جوديث. أصبحت الأسرتان ساركوزي ومارتان من أقرب الأصدقاء، وكان ماري تقدم سيسيليا لأهل «نويي» بالقول: «أقرب صديقة لي». كانت تلك الصداقة مآلها الفشل.. فنيكولا ساركوزي لم يكن مجرد صديق وإنما كان عاشقاً مولها. «كان حبا لا يقاوم حيال زوجة صديقه» كما تقول المؤلفة لتضيف انه قاوم طويلاً ولكن رغبته قهرته وضعف امام عواطفه الجامحة،

وكان جاك مارتان مأخوذا بين التلفزيون والمسرح.. وقد منع على زوجته العمل والاكتفاء بتربية طفلتيهما إذ ولدت الثانية عام 1987 لكن نيكولا كان قريبا «يتحدث معها ويسليها ويسر لها بأحلامه المستقبلية. لقد وقعت هي أيضا بحبه وكما قالت نفسها: «من تستطيع مقاومة نيكولا؟».

خيانة الزوجة

اقترح نيكولا ساركوزي على سيسيليا ان تعمل كمديرة لصحيفة البلدية.. هكذا زادت لقاءاتهما وبدأ الحديث ينتشر عن علاقتهما، لكن لم يتصور أحد من الاصدقاء ان نيكولا لا يمكن ان يتخلى عن زوجته ماري لاسيما ان أمه، اندريا، كانت تحبها كثيراً.

عرفت ماري بعلاقة زوجها مع سيسيليا اثناء عطلة كانت أسرة نيكولا قد اصطحبت معها سيسيليا وحدها بسبب انشغال جاك مارتان، وذات يوم كانت ماري تقوم ببعض المشتريات ثم عادت فجأة إلى الفندق حيث كانوا ينزلون، لم تجد زوجها في الغرفة،

بحثت عنه في كل مكان دون جدوى انتهى بها الأمر ان دقت على باب غرفة سيسيليا فسمعت جلبة وراء الباب.. عندما فتحت صديقتها لاحظت ان النافذة مفتوحة وان هناك آثار أقدام على الثلج المسألة واضحة، انها آثار أقدام زوجها بكت، وعاد الجميع إلى باريس.

وصلت الشائعات أخيرا إلى مسامع جاك مارتان نفت سيسيليا لمدة أسابيع عديدة تهمة «الخيانة» التي «يحاولون» الصاقها بها، لكن ذات يوم اتصلت به ماري هاتفياً كي تؤكد له، بالبراهين القاطعة، انهما قد تعرضا، كليهما، للخيانة.

هدد جاك مارتان انه سوف «يكسر رأس» ذلك الأخ المزيف، لكن على عكس الشائعات التي لا تزال رائجة في «نويي» لم يحاول تنفيذ ما هدد به. وصرح اثناء بث تلفزيوني لراديو وتلفزيون لوكسمبورغ مازحاً: «لكنني لن أذهب مع ذلك كي أقتل رئيس بلدية المدينة التي يسكنها أطفالي».

في خريف عام 1988 قررت سيسيليا مغادرة بيت الزوجية الذي لم يعد محتملا، كما تقول واصطحبت معها طفلتيها لتقيم في شقة صغيرة غير بعيدة عن سكن زوجها وقريبة جداً من دار البلدية، كان التبرير الوحيد الذي قدمته لجاك مارتان هو: «لم أعد سعيدة، إذن أغادر».

يقول الأصدقاء «كان الأمر مأساة حقيقية لمارتان» ويقول عن سيسيليا الأصدقاء الذين حاولوا إعادة المياه مع زوجها إلى مجاريها: «ربما تكون صديقة جيدة، لكن إذا تعرضت للإزعاج تصبح امرأة بلا رحمة».

وكان جاك مارتان يتألم بصمت.. لكنه كان في بعض المرات اثناء تقديمه لبرنامج الأطفال الاسبوعي بعد ظهر يوم الأحد، عندما يدل الطفل على أبويه في القاعة ويلاحظ مارتان ان الأم جميلة لا يتردد في ان ينصح الأب بالقول: «عليك ان لا تصطحب زوجتك إلى نويي فرئيس البلدية سوف يهتم بها شخصيا» وذات مرة سأله الصحافي المعروف «تيري أرديسون» في برنامجه «لعبة مزدوجة» إذا كان قد فكر ذات يوم بقتل أحد فأجاب على الفور «نعم، رئيس بلدية نويي».

حصلت سيسيليا بعد أربعة أشهر من مغادرتها منزل الزوجية على الطلاق من جاك مارتان.. لكن لم يكن الأمر سهلاً كي يقطع نيكولا مع ماري زوجته التي أصيبت بانهيار عصبي وعانت من مرض أدخلها إلى المستشفى.

مع ذلك وغداة إعادة انتخاب نيكولا ساركوزي لرئاسة بلدية نويي عام 1989 حسم الأمر لصالح سيسيليا، لكنه استمر مع ذلك طيلة سنوات بالذهاب لاصطحاب ابنيه إلى المدرسة من امام منزل أمهم، القليل من أهل «نويي» وقفوا إلى جانب سيسيليا ولم يتردد الكثيرون منهم بإطلاق أشنع الأوصاف عليها.

صعود السلم

تنقل المؤلفة عن باتريك ديفيد جيان، صديق نيكولا ساركوزي قوله عنه: «الأمر بسيط معه، فكل ثانية تمضي مطلوب منها أن تقرب به أكثر من هدفه». وهكذا كلما اعتلى درجة على السلم يريد أن يصل إلى التي فوقها «إنه لا يشبع أبداً».

في عام 1986، كان عمره 30 سنة، وكان قد أصبح رئيس بلدية نويي ونائب رئيس المجلس العام لمحافظة «هوت دوسين» التي كان مسؤولاً فيها عن الثقافة السياسية، وفي تلك السنة أيضاً شهدت فرنسا انتخابات تشريعية فاز بها اليمين فكلف الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتيران رئيس حزب التجمع من أجل الجمهورية الديجولي بتشكيل الحكومة. كانت بداية فترة تعايش بين رئيس جمهورية اشتراكي ورئيس وزراء يميني.

اهتم نيكولا ساركوزي آنذاك بتعزيز صلاته مع شارل باسكلوا، وزير الداخلية آنذاك، والذي كانت علاقاته به قد ساءت منذ أن «سلبه» رئاسة بلدية نويي عام 1983، وقد سعى نيكولا بكل السبل للتقرب منه. تنقل المؤلفة عن النائب والوزير السابق «ألان كارينيون» قوله: «كنت وزيراً للبيئة.

وقال لي ذات يوم نيكولا: ينبغي أن تدعمني لدى باسكوا. عليك أن تقول له أنك بحاجة ماسة إلى من يهتم بمسائل المخاطر الكبرى الطبيعية في وزارة الداخلية وانك ترغب أن أكون أنا من يتم تكليفه. هذا ما فعلته.. وقبل باسكوا سريعاً.

عهد باسكوا بساركوزي إلى «جان بول بروست» مدير الدفاع والأمن المدني آنذاك.. والذي تنقل عنه المؤلفة قوله: «ذات يوم استدعاني باسكوا إلى مكتبه.. ووجدته مع شاب لم أكن أعرفه. قال لي: أقدم لك نيكولا ساركوزي. لقد انتخبوه رئسياً لبلدية نويي ضد رأيي، لكنه يمتلك الكثير من المزايا وله مستقبل واعد. وليس فيه سوى عيب واحد هو أنه لا يعرف أي شيء عن وظيفته الجديدة. ولهذا كلفته بهذا الملف وما عليك إلا أن تتولى تدريبه والإشراف عليه».

وفي مطلع عام 1987 كان المدعو «جان كلود كامو» مدير أعمال جوني هوليداي وعدد آخر من النجوم يريد تنظيم حفل غنائي للمطربة الأميركية الشهيرة مادونا في فرنسا خلال شهر أغسطس.. وفكر أن يقيمه في الهواء الطلق بحديقة «سوو» جنوب باريس..

كان ذلك يتضمن أخطارا أمنية كبيرة فرفضت السلطات المعنية فقرر «جان كلود كامو» ان يطلب مساعدة صديقه رئيس الوزراء «جاك شيراك» وساعدته في ذلك كلود شيراك ابنة رئيس الوزراء الطالبة آنذاك والتي رأت في الحفل مناسبة لـ «تحسين صورة والدها لدى الشباب» لاسيما وان الانتخابات الرئاسية كانت قريبة، في عام 1988.

أراد جاك شيراك المساعدة في إقامة الحفل وقال لجان كلود كامو: «إذهب واتصل بنيكولا ساركوزي من طرفي. أنه المسؤول عن الثقافة في محافظة هوت دوسين ـ حيث توجد حديقة وسوف ـ وسف يتدبر الأمر». ويروي كامو: «عندما رحلت إلى مكتب ساركوزي أدهشني صغر سنه.

واعتقدت عندها أنه من السهل أقناعه بالميزات التي يوفرها الحفل من أجل تحسين صورة جاك شيراك. تركني أتحدث لمدة عشر دقائق دون أن يقاطعني ثم قال لي: استمع لي إنني أرى هذه الفكرة سيئة جداً. ولكن بما أن جاك شيراك هو الذي يطلب ذلك فسوف أفعلها وأقوم بتنظيم الحفل».

لم تتم دعوة نيكولا ساركوزي لحضور حفل الاستقبال الذي نظمته بلدية باريس على شرف «مادونا» عشية يوم الحفل. لكنه كان في اليوم التالي إلى جانب كلود شيراك التي كان يقابلها للمرة الأولى في حياته. لقد لاقت حفلة مادونا نجاحاً كبيراً تحدثت عنه الصحافة الفرنسية طويلاً. المهم كانت مناسبة ثمينة بالنسبة لنيكولا ساركوزي كي يقترب من جاك شيراك. هكذا أصبح بإمكانه الانتقال إلى المرحلة التالية.

كان عام 1988 جيداً بالنسبة لنيكولا ساركوزي وشديد السوء بالنسبة لجاك شيراك الذي لم يحصل في الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى سوى نسبة 20% من الأصوات مقابل 34% للاشتراكي فرانسوا ميتيران الذي نال 54% من الأصوات في الدورة الثانية مقابل 46% فقط بالنسبة لشيراك.

بالمقابل جرى انتخاب نيكولا ساركوزي نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية عن مدينة نويي منذ الدورة الانتخابية التشريعية الأولى عام 1988، بينما ما كان ينبغي أن يكون مرشحاً بالأصل. ذلك أن شيراك كان قد التزم خطياً بدعم جميع النواب السابقين ومن بينهم السيدة «فلورنس داركور» نائبة نويي في البرلمان السابق.

وقبل الترشيح طلب مقابلة جاك شيراك وقال له: «أتيت كي أقول لك إنني أريد تجميد عضويتي في حزب التجمع من أجل الجمهورية ـ حزب شيراك» فأجابه شيراك منزعجاً: « ماذا دهاك؟» فأردف ساركوزي مصمماً: سوف أترشح للانتخابات التشريعية لأنني متأكد من الفوز ولكنني لا أريد إزعاجك.. لهذا السبب أريد تجميد عضويتي».

لقد حظي نيكولا ساركوزي بدعم شارل باسكوا وذلك لسبب بسيط هو أن الاشتراكيين في الحكم قد أقروا قاعدة جديدة هي منع الجمع لأكثر من منصبين مما يعني أن نجاح ساركوزي في الانتخابات مع احتفاظه برئاسة بلدية نويي سيجعله يترك عضويته في مجلس محافظة «هوت دوسين» وقد لعب ساركوزي الورقة بوضوح وذكاء،

إذ قال لباسكوا: إذا تم انتخابي كنائب سوف اترك لك مقعدي في مجلس المحافظة.. ولك وحدك». هكذا أقنع باسكوا النائبة السابقة فلورنس داركو بعدم الترشيح مع وعدها بأن تكون نائبة في البرلمان الأوروبي وجرى اعتماد نيكولا ساركوزي مرشحاً رسمياً للحزب. وأصبح نائباً. كان عمره آنذاك 33 سنة.

أصبح شارل باسكوا فيما بعد رئيسا لمجلس محافظة «هوت دوسين» الأكثر غني في فرنسا إذ تضم 36 مدينة يزيد عدد سكان 36 منها 30000 نسمة، وقد بقي رئيسها إلى عام 2004، حيث ترك تلك الرئاسة لنيكولا ساركوزي نفسه.

وهو يقول اليوم بشيء من المرارة: « ماذا دهاه هذا الفتى، لقد أراد دائما أخذ مناصبي في نويي ثم في محافظة هوت دوسين، وأخيراً وزارة الداخلية مع لقب وزير دولة مثلي.. والآن يريد أخذ مكان جاك شيراك، أنه بحاجة دائما إلى قتل الأب».

عرض ومناقشة: محمد مخلوف