تتناول المؤلفة في هذه الحلقة قصة البدايات الأولى لنيكولا ساركوزي في عالم السياسة واهتمامه بالديغولية، وتورد شهادات من معارفه حول عزمه وإصراره وقدرته على الإقناع وشجاعته وجرأته في التعامل مع الجنس اللطيف، وكيف استغل كل ذلك في تحقيق أهدافه.

وتنقل المؤلفة عن ساركوزي نفسه قوله: «إن حصول المرء على ما يريده يتطلب رسم استراتيجية» وهذا هو بالفعل ما قام به، حيث وضع استراتيجية لمسيرته السياسية التي توجت بوصوله إلى قصر الإليزيه، وهو ما حقق حلم حياته منذ الصغر. في ربيع عام 1973 كان على أندريا وأطفالها الثلاثة البحث عن سكن جديد بعد وفاة الدكتور ملاح.

ووقع الاختيار على بلدة نويي الغنية على حدود مدينة باريس غرباً. تقول الأم: «كان والدي قد ترك لي بعض المال. ومع إضافة المبلغ الذي دفعه صاحب المنزل السابق كتعويض مقابل التخلي عنه استطعت أن أنجز عملية الشراء، كما اشتريت للأطفال غرفة في الطابق الأعلى».

بعد وفاة الجد عرف الأطفال أنه كان يهودياً قبل تحوله إلى الكاثوليكية.. وتنقل المؤلفة عن الأخ فرانسوا قوله: «كان هناك دم يهودي يجري في عروقي ولم يقل لي أحد ذلك». لم يتكلم الجد عن ذلك، ولكن لم يكن السبب هو النسيان أو إنكار الأصل بل كان بدوافع الحماية والرغبة القوية في الاندماج بالإطار الجديد.

وكان يريد لأحفاده أن يكونوا فرنسيين وكاثوليك مما يسهل عليهم سبل الحياة لا سيما وأنهم أبناء مهاجر وأبواهما مطلقان. يقول نيكولا: «كنا نتناول طعام الغداء مرة واحدة كل سنة مع أبناء عمومة من الأرجنتين اسم عائلتهم حاييم، ولكن والدتي كانت تنطق الاسم بطريقة محرفة كي يصبحوا زيم». بكل الأحوال ما كان يهم الأبناء الثلاثة هو المستقبل وليس الماضي.

لم يكن نيكولا ساركوزي يعرف أن بلدة «نويي» ستكون نقطة الانطلاق الأولى في مسيرته السياسية. وفي عام وصوله إليها حاز على الشهادة الثانوية بدرجة «مقبول». وتسجل بكلية الحقوق في جامعة نانتير القريبة من سكنه. ثم بمناسبة بلوغه سن الثامنة عشرة قرر الذهاب مع صديق له بسيارة قديمة صغيرة من باريس إلى اسطنبول.

في طريق العودة حرص نيكولا على المرور بسالونيك كان يريد اللقاء بكاتب العدل هناك للمطالبة بحصة والد جده «الصائغ» من الإرث، وحيث كانت لا تزال هناك أراض ومخازن لم يتم فرزها بل ظلت ملكية مشتركة. وتنقل المؤلفة عن رفيق رحلته قوله: «لقد تكلم نيكولا ببراعة وتمكن في النهاية من إقناع كاتب العدل ومدير البنك المسؤول..

لقد استأسد في الدفاع عن قضيته وما كان لشيء أو لشخص أن يقاومه»، كانت الغنيمة متواضعة وتعادل ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف فرنك آنذاك. وكانت القوانين اليونانية النافذة تفرض صرفها داخل البلاد.. لكن نيكولا خبأها في بطانة سترته واجتاز بها الحدود. أما ما تبقى من قيمة الإرث فقد جرى دفعه للأسرة عام 1995.

كان أصدقاء نيكولا ساركوزي في مقر إقامته الجديد ليسوا.. من البرجوازيين، كما يشير ويكرر القول، وإنما كانوا من عامة الناس، فهناك «باسكال» النادل في المطعم الإيطالي القريب و«علي» صاحب الحانوت في الحي و«آرثور» صاحب متجر بيع المرطبات الذي اشتغل عنده نيكولا كبائع لمدة عامين كي يدفع نفقات دراسته.

ويقول نيكولا: «عندما أصبحت رئيساً لبلدية نويي غطى آرثور جدران متجره بصوري. وكان يقول لكل من كان يدخل إليه هذا هو مساعدي». ويؤكد نيكولا أنه كان يحمل دائماً بجيبه ملعقة صغيرة كي «يتذوق» جميع أصناف المرطبات، كذلك عمل نيكولا ساركوزي عند بائع الزهور في الحي.

في تلك الأثناء كان الأب «بال ساركوزي» يكسب مبالغ مالية كبيرة من الإعلانات التي يصممها ببراعة.. لكنه رفض أن يزيد نفقة الأولاد عندما طلبت منه الأم ذلك. وتقول عنه إحدى العاملات معه: «لقد بقي مجرياً جداً في رأسه، حتى لو لم يكن يحدثنا عن ماضيه».

وتشير المؤلفة هنا إلى أنه لم يطلب الجنسية الفرنسية إلا في فترة متأخرة من سنوات السبعينات. لم يكن ابنه نيكولا يخفي آنذاك عداءه السافر والقوي لوالده. وكان يصفه بـ «الوغد» وأعلن أنه سوف يرفع ضده دعوى في المحاكم.

عندما وصل بآل ساركوزي، إلى المحكمة كان يركب سيارة «ليموزين» فارهة، لكنه نجح في إقناع القاضي أنه لم يعد يملك شيئاً، كان كل همه أن يتهرب من زيادة نفقة كلفة حياة أبنائه، وعندما خرجوا من المحكمة حاول نيكولا أن يلوي ذراعه فصرخ بوجهه: «أنا لست مديناً لكم بشيء». كانت الحجة التي يرفعها دائماً هي أن «الأب لا يبرر سلوكياته أمام أبنائه».

بواكير العمل السياسي

في ربيع عام 1974 سرت الشائعات الكثيرة حول صحة الرئيس آنذاك جورج بومبيدو الذي كان قد كلف «بيير ميسمير» بتشكيل الحكومة للمرة الثانية والتي شارك فيها «بارونات» الديغولية كلهم تقريباً، كان فاليري جيسكارديستان هو الاستثناء غير الديغولي الذي تولى وزارة المالية،

وتسلم جاك شيراك وزارة الزراعة التي كان يشغلها في الحكومة السابقة منذ عام 1972، كان شيراك وجيسكار ديستان يعدان الخطط للعب الأدوار الأولى، وبتاريخ 4 ابريل 1974 توفي الرئيس بومبيدو. وفي تلك الأثناء أيضا دق نيكولا ساركوزي وكان في التاسعة عشرة من عمره، على أبواب مكتب الحزب الديغولي وهذا ما يقوله مسؤوله اليوم عن ذلك اللقاء: «فجأة دخل شاب بشوش وقال ان عمره 19 سنة ويريد النضال معنا».

بوفاة الرئيس بومبيدو بدأت معركة جرى فيها استخدام جميع اشكال القتال. كان المرشح الديغولي الطبيعي لخلافته هو جاك شابان دالماس رفيق الجنرال ديغول في مقاومة النازية وتحرير فرنسا والذي كان قد شارك في عدة حكومات سابقة وكان رئيساً لواحدة منها،

كان منافسه القوي هو فاليري جيسكارديستان «عدو الديغوليين» إذ كان قد شارك في سقوط الجنرال عندما أشار للفرنسيين اثناء استفتاء شهر ابريل 1969 أن «لا يقترعوا بنعم» للإصلاح الذي كان يريده الجنرال والذي قرر ترك كرسي الرئاسة عندما فشل مشروعه، معتبراً انه لم يحظ بعد بثقة أغلبية الفرنسيين.

لكن ذلك الخصم للديغولية حظي بدعم جاك شيراك الديغولي، وبتاريخ 16 مايو 1974 أقام فاليري جيسكار ديستان في قصر الاليزية كرئيس للجمهورية الفرنسية، كانت مكافأته لجاك شيراك هي تعيينه رئيساً للوزراء. كان شيراك عمره 41 سنة وجيسكار ديستان 48 سنة. بدا الأمر آنذاك وكأن جيلاً جديداً قد وصل إلى السلطة. لكن شيراك بدا بنظر أغلبية الديغوليين انه «خائن».

لم يقترع نيكولا ساركوزي في تلك الانتخابات إذ لم يكن قد بلغ سن البلوغ القانوني (21 سنة)، لكنه تابع الحملة الانتخابية بشغف وتعلم بعض دروس السياسة، وعندما طلب منه زعيم الشبيبة الجيسكارية ـ المؤيدة لجيسكار ـ في نويي التخلي عن «الديغولية التي عفا عليها الزمن وانه يضيع وقته» أجابه أنه «لا يريد الالتحاق بأقوياء اللحظة وسيظل مخلصا لحركته».

كان «خياراً مشهوراً».. لكنه يرد على ذلك بالقول: «كنت أحس بداخلي قوة ينبغي استخدامها. كنت بحاجة لكي أفعل شيئاً ما بحياتي وكانت السياسة بالنسبة لي هي أحد ميادين المغامرة الجماعية الأخيرة. على الأقل كانت المجال الوحيد المفتوح بالنسبة لي. وكنت أريد بحماس كبير أن أكون عنصراً فاعلاً وليس متفرجاً».

أبدى نيكولا ساركوزي نشاطاً كبيراً في إلصاق الدعايات الانتخابية وتوزيع المنشورات الديغولية.. وكان قد أعلن منذئذ لأصدقائه كلهم قوله: «اذا كنت اعمل في السياسة فذلك من أجل الصعود عالياً جداً». لقد كرس قراءاته آنذاك للعظماء الذين كان لهم كلمتهم في صناعة التاريخ من أمثال لويس الرابع عشر ونابليون وشارل ديغول.

لم يكن الشاب نيكولا ساركوزي نشيطاً في ميدان السياسة فحسب وإنما ايضاً في مجال جذب الفتيات، «ومن شابه أباه فما ظلم»، كما يقال.. ويقول هو نفسه عن ذلك: «عندما كنت أرى زملائي يترددون كنت أنا أتصرف وأتحدث للفتيات دون دعوة منهن، كنت انجح في إدارة المحرك قبل الآخرين». ويضيف: «لم أكن بخيلاً بالعواطف كنت شاباً ومستعداً للقفز على كل ما يتحرك».

في نهاية عام 1974 كان الحزب الديغولي يعاني من حالة من التضعضع واستطاع شيراك عبر مجموعة من التحالفات ان يصل «بالانتخاب» إلى رئاسة الحزب. وهذا ما يعلق عليه نيكولا ساركوزي بالقول: «كنت حتى آنذاك من أنصار شابان دالماس. لكنني فهمت في تلك اللحظة أن جاك شيراك وحده هو الذي يستطيع انقاذنا»، كما يشير إلى انه تعلم درساً مفاده ان حصول المرء على ما يريده يتطلب رسم استراتيجية.

واثر انتخاب جاك شيراك رئيساً للحزب أعيد تقسيم المهام في مكتب الحزب في نويي حيث تسلم نيكولا ساركوزي مهمة «أمين الصندوق». كانت تلك أول مهمة سياسية حقيقية يقوم بها، كان معلمه «السياسي الجديد هو جاك شيراك الذي استقال من منصب رئيس الوزراء في شهر أغسطس من عام 1976 شارحا للفرنسيين عبر شاشات التلفزة قوله: «لم أعد امتلك أدوات الحكم» وخلفه في رئاسة الحكومة ريمون بار.

لم يترك شيراك رئاسة الحكومة كي يستقيل من السياسة، فبتاريخ 5 ديسمبر 1976 أعلن تأسيس حزب «التجمع من أجل الجمهورية» كي يمثل الحركة الديغولية.. لم يكن مجرد تغيير بالاسم وإنما ايضاً لتشكيل «حزب جاك شيراك».

وفي عام 1977 أصبح رئيساً لبلدية باريس وهو ما اعتبر خطوة في الطريق إلى قصر الاليزيه، وخلال الحملة الانتخابية لرئاسة البلدية، كان هناك شاب مغمور قد ساهم بتعليق العديد من الدعايات الانتخابية على الجدران في الشوارع، انه نيكولا ساركوزي.

وفي عام 1981 ترشح جاك شيراك لرئاسة الجمهورية، لكنه أقصي من السباق الرئاسي منذ الدورة الأولى كي يتنافس في الدورة الثانية ـ بعد أسبوعين من الأولى ـ فاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتيران. هذا الأخير هو الذي فاز بعد أن أمضى ثلاثة وعشرين سنة في المعارضة.

الانتقال إلى باريس

بدأ نيكولا ساركوزي مسيرته السياسية في نويي. لكن ذلك لم يكن يرضي طموحه، لذلك ذهب ذات يوم إلى مقر الحزب الديغولي في باريس. كان ذلك عام 1975، حيث كان جاك شيراك لا يزال رئيساً للوزراء في ظل رئاسة فاليري جيسكار ديستان، ويروي «روبرت غروسمان» المسؤول آنذاك عن الشبيبة الديغولية قوله: «ذات يوم رأيت في البهو ـ بهو مقر الحزب ـ شاباً فتياً يحمل بيده باقة كبيرة من الورود.

سألته ما يفعل هناك، فروى لي أنه طالب ديغولي يناضل في نويي لكنه يعمل في متجر للورد كي يدفع كلفة دراسته، كان ودوداً وعلى طبيعته فقلت له: دعني أقبلك». ويقول نيكولا ساركوزي: «انني مدين بالكثير لروبرت غروسمان» الذي أدخله في إطار فريق عمله المقرب.

بعد فترة وجيزة اصطحب نيكولا ساركوزي معه فتاة إلى مقر الحزب اسمها كلارا لوبي» التي كان قد التقاها في جامعة نانتير حيث كانا يدرسان. يقول عنها روبرت غروسمان: «كانت مناضلة ذكية لامعة بعينيها الزرقاوين، لقد كانا مثل توأمين لا يفترقان أبداً».

ذهبت كلارا بعد زمن قليل من قدومها إلى مقر الحزب في عطلة مع أحد الأصدقاء للتزلج على الجليد ولم تعد أبداً إذ صدمتها شاحنة أودت بحياتها. أثناء جنازتها أجهش نيكولا ساركوزي بالبكاء.. ولا تزال تخيم عليه حتى الآن غيمة من الحزن عندما يتذكرها.

في عام 1975 شارك نيكولا ساركوزي في برنامج تلفزيوني على القناة الفرنسية الثالثة ضمن مجموعة من الشبيبة الديغوليين. ويروي روبرت غروسمان: «قلت لنيكولا إنه ستكون على تدريبه على الكلام (..) كان عليه أن يتحدث بهدوء أكثر وأن ينطق بوضوح مخارج الكلام. وعندما قلت له: أعطيك 12 نقطة من عشرين ليست أكثر استشاط غضباً وبدأنا التدرب من جديد أكثر فأكثر وكي أشجعه قلت له: أنت لؤلؤة سوف استخرجها».

كان نجاح نيكولا ساركوزي كبيراً في ذلك البرنامج التلفزيوني. وتتالت بعدها المرات التي وجد فيها نفسه مكلفاً بالحديث أمام الآخرين. وبعد مداخلة له أمام هيئات الحزب وقياداته في محافظته اتصل بوالدته «اندريا» كي يقول لها: «هل تعرفين يا أمي؟ لقد صفقوا لي وهنأوني» كان من المعجبين به «شارل باسكوا» المسؤول الديغولي الكبير والمستشار المقرب من جاك شيراك.

ومن المحافظة والنجاح الذي حققه اختاره باسكوا ووافق على ذلك روبرت غروسمان للحديث أمام المؤتمر الوطني للحزب الديغولي في مدينة نيس على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وفي نيس وجد نفسه على المنصة أمام ما يزيد عن خمسة وعشرين ألفاً من المناضلين الديغوليين. كان دوره في الحديث بعد «ميشيل دوبريه» رئيس وزراء الجنرال ديغول سابقاً، وأحد رموز الديغولية المعروف عنه أنه يتحدث طويلاً أثناء خطبه.

وعندما انتهى «دوبريه» التفت جاك شيراك صوب نيكولا ساركوزي الذي لم يكن قد قابله قبل ذلك وقال له: «أنت ساركوزي؟ لديك دقيقتان للحديث». وبدأ حديثه بالقول: «إن رأسي في السماء فانتم الذين أمامي مثلي الأعلى، أنا شاب فتي لكنني مثلكم ديغولي الهوى، وذلك لأنني أدرك أن كون المرء ديغوليا يعني أنه ثوري».

ويتذكر نيكولا ساركوزي ذلك اليوم قائلاً: «سمعت موجات التصفيق تقاطع خطابي. كنت مندهشا بالأضواء وأحسست بنوع من النشوة.. بحيث إنني لم أكن تقريباً أريد النزول عن المنصة».

الفرصة التاريخية

وتشرح مؤلة الكتاب أنه توجد في مسيرة كل إنسان لحظة ينفتح فيها باب أمامه من أجل ترك المستقبل يدخل. وينبغي على الإنسان أن يعرف كيف يستفيد من ذلك. وقد أحس نيكولا ساركوزي يومذاك أنه «مثل فراشة تخرج من الشرنقة». وفي تلك اللحظة بالتحديد أدرك أنه سوف يدخل معترك السياسة ومثل كل مرة كان أول شخص تحدث معه هاتفياً هو امه «دادو».

في ذلك اليوم أيضا كان من بين الحضور «اشيل بيريتي» رئيس بلدية نويي. الذي سأل مسؤول الحزب الديغولي في بلدتهم: من هو هذا الشاب؟ وكانت الإجابة أنه من سكان نويي فطلب منه أن يجلبه له في الحال. لقد هنأه ودعاه لزيارته في دار البلدية. وهناك وعده أنه «سيفكر به» كأحد أعضاء المجلس البلدي لدورة عام 1977.

وفي غداة اليوم التالي للقاء نيس تمت دعوته مع روبرت غروسمان لمقابلة رئيس الوزراء جاك شيراك. كان لقاء تعارف عادي لم يبق منه الكثير من ذاكرة نيكولا ساركوزي. وفي عام 1977 ظهر اسم نيكولا ساركوزي على قائمة المرشحين للمجلس البلدي في نويي.. والتي كان يرأسها رئيس البلدية اشيل بيريتي. كان اسمه يحتل المرتبة 37 أي الأخيرة .. لا يهم كان عمره آنذاك 22 سنة فقط.

وفي عام 1977 أيضا جرى تكليف نيكولا ساركوزي بتنظيم لقاء وطني للشبيبة الديغولية.. وقد نجح بجمع ما يزيد عن خمسة وعشرين ألفاً أيضا ـ رددوا عند وصول شيراك: «شيراك رئيسا.. شيراك رئيسا» وفي نهاية اللقاء قال شيراك لنيكولا ساركوزي: «أنت سوف اجعل منك ذات يوم وزيراً»

وفي الحال أخذ الهاتف وقال: «أمي هل تعرفين ماذا قال لي جاك شيراك. لقد قال لي إنني سوف أصبح وزيراً ومنذ ذلك اليوم أصبح نيكولا ساركوزي احد الديغوليين الأكثر نشاطا في نويي. يروي فيليب غرانغ المسؤول الديغولي في نويي ونائب رئيس بلديتها: اشيل بيريتي ما يلي: ذات مساء حوالي الساعة الواحدة صباحا رن جرس الهاتف.

كان نيكولا الذي طلب أن يراني على الفور. سألته إذا كان قد نظر إلى الساعة وإذا كنت تستطيع تأجيل ذلك حتى الغد. فأجاب قائلا: الآن ثم وصل وقال لي: هناك ضربة ممتازة ينبغي القيام بها فسألته: ما هي؟ قال نيكولا: انه قرر ان يرشح نفسه لمنصب سكرتير فرع الحزب في البلدة مساء اليوم التالي ولكنه لن يستطيع تحقيق ذلك سوى بمساعدتي ودعمي.

ويضيف: أجبته أن ذلك مستحيل فأشيل بيريتي قد اختار مرشحه وقلت: لن تستطيع ان تفعل ذلك مع بيريتي، وهذه مخاطرة بالنسبة لك. ومع ذلك أصر نيكولا ساركوزي ورضخ فيليب غرانغ أمام ما أظهره من عواطف كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحا. وحصل نيكولا على ما أراد مستفيدا من ثقة بيريتي به.

وفي الانتخابات البلدية لعام 1983 احتل اسم نيكولا ساركوزي المرتبة السابعة على قائمة بيريتي وليس الـ 37 مثل المرة الأولى. كان تقدما ملحوظا ووصل إلى منصب نائب رئيس البلدية. وكان قد تزوج في العام السابق ماري دومينيك كوليولي المناضلة الديغولية الشابة،

وكان بيريتي هو الذي زوجهما وبما ان ماري كانت من أصول كورسيكية وابنة صاحب صيدلية فإن ذلك عزز العلاقات مع بيريتي وهذا ما يعلق عليه مراقب عارف بالقول: ما هو عفوي عند نيكولا لا يمتزج دائما مع ما هو محسوب. أصبح نيكولا ساركوزي أيضا آنذاك احد المقربين من شارل باسكو مع شابين آخرين هما باتريك دوفاجيان الأرمني الأصل وباتريك باثاني ابن مهاجر مجري مثل نيكولا.

وفي عام 1983 أعيد انتخاب اشيل بيريتي رئيسا لبلدية نويي للمرة السادسة وبـ 60% من أصوات الناخبين. كان عمره 72 سنة وبدا ان شارل باسكوا نفسه الذي انتقل للسكن في نويي قبل أشهر يريد هو نفسه أن يكون خلفاً له ولكن باسكوا اقسم أغلظ الأيمان انه لا يفكر بذلك ولا يريد أن يشغل نفسه بـ جمع روت الكلاب من أرصفة الشوارع.

وبتاريخ 14 ابريل 1983 قضت نوبة قلبية على «اشيل بيريتي» عندما كان يحضر حفل استقبال نظمه سفير كوريا في باريس عندما سمع نيكولا ساركوزي بالخبر أحس بحزن عميق كما يقول ويضيف: اشيل بيريتي هو بالنسبة لي أول من كان وراء الاعتراف الاجتماعي بي.

أراد شارل باسكوا رغم كل ما قاله سابقا، ان يخلف اشيل بيريتي على رئاسة البلدية لكن حزب التجمع من اجل الجمهورية لم يكن يمتلك الأغلبية المطلقة في المجلس البلدي. وفهم نيكولا ساركوزي ان باسكوا لن ينجح وبالتالي يمكن ان يجرب حظه.

يقول عن ذلك: لقد حسبت انه لن يكون بمستطاع أي مستشار بلدي ان يفوز وعندما قلت ذلك لأفراد أسرتي اعتقدوا أنني قد أصبت بالجنون.. لقد حذرته أمه وإخوته بالقول: سوف تخرب مسيرتك المهنية كلها. فأجابهم: ان مثل هذه الفرصة قد لا تتكرر مستقبلا.. وإنني أفضل التجسيد الفوري لحلم المستقبل.

كان شارل باسكوا يعتقد مع ذلك أن مسألة انتخابه هي مجرد إجراء شكلي.. وأن نيكولا ساركوزي قد مهد الطريق له. لكنه سرعان ما فهم ان المعركة ستكون صعبة ولم تتردد السيدة اديث جورس زانكليف المستشارة البلدية الأكبر سنا في القول: ينبغي ان يكون رئيس البلدية من سكان نويي منذ فترة طويلة وأضافت: إننا نعرف جيدا نيكولا ساركوزي وسيكون رئيس بلدية جيدا.

اعتقد شارل باسكوا انه يستطيع ان يحسم الأمر عبر طلب النجدة من جاك شيراك. لكن نيكولا ساركوزي لم يضعف، ولم يتوقف عن مقابلة جميع المستشارين البلديين يقول عن ذلك: لقد أمضيت الساعات الضرورية مع كل منهم لإقناعهم ولا اعرف اذا كنت امتلك اليوم القوة لفعل ذلك من جديد.

ويضيف: اذكر أنني أمضيت مع احدهم أربع ساعات واعتقد أنني كسبته إلى جانبي لأن زوجته كانت قد حضرت طعام العشاء وكانت تريد انصرافي بأي ثمن، ولم اتركه إلا عندما أعطاني موافقته. لم يكن جاك شيراك يريد التدخل شخصيا فطلب من «برنار جونس» الأمين العام للحزب الديمقراطي استدعاء ساركوزي من اجل إعطائه درسا.

وقال له جونس: إنني أتحدث معك باسم جاك شيراك فإذا تابعت ترشيحك سوف يغضب منك حتى نهاية حياته، فأجاب نيكولا: اذا كان جاك شيراك يريد ان يقول لي شيئا فعليه ان يتصل بي مباشرة وسوف أقول له إننا مع باسكوا سوف نفقد نويي. لقد فاز نيكولا ساركوزي

وهكذا أصبح رئيس البلدية الأصغر سنا في فرنسا للمدن التي يزيد عدد سكانها عن 60الف نسمة وقد قال يومها عن شارل باسكوا: لقد أخذت رئاسة البلدية من جيبه وشرح ذلك كما يلي: كنت صائد سمك على حافة نهر بواسطة خيط صنارتي الرفيع ومرت سمكة كبيرة، فهل كان ينبغي علي أن لا أحاول اصطيادها؟ كنت أخاطر بكسر صنارتي وحتى بالغرق.. لكنني حاولت ونجحت.

عرض ومناقشة: محمد مخلوف