يستمد هذا الكتاب أهميته من الموضوع الذي يتناوله وهو سيرة حياة نيكولا ساركوزي، الرئيس السادس للجمهورية الفرنسية الخامسة، التي أسسها شارل ديغول عام 1958، الذي فاز في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، حيث يتبع الكتاب مسيرته السياسية التي بدأت منذ ثلاثين عاماً وطبيعة الدوافع البعيدة التي كانت تحرك صاحبها، الذي حدد طموحاته في أن يصبح رئيساً للجمهورية منذ ريعان شبابه، بحسب ما تؤكده شهادات عديدة.
مؤلفة الكتاب هي كاثرين ناي، وهي كاتبة مرموقة لها كتب في السير أبرزها تلك التي تتناول سيرة حياة رؤساء فرنسا السابقين فاليري جيسكار ديستان وميتيران وشيراك. وهي تكشف في هذا الكتاب الكثير من أسرار مسيرته السياسية والشخصية، حيث تحكي عن علاقته بزوجته سيسيليا ووالدته أندريا ووالده بال المجري الأصل الذي هرب من بلاده عام 1948، وعن علاقته بالديغولية وبشيراك وبالعديد من قادة العالم.اختارت مؤلفة هذا الكتاب كتصدير لحديثها عن سيرة حياة نيكولا ساركوزي جملة قالها ذات يوم الجنرال شارل ديجول وجاء فيها: «يصل إلى المجد فقط أولئك الذين حلموا به دائماً».
«بال ساركوزي دو ناجي بوكسا» هذا هو اسم أب نيكولا ساركوزي. تعود أصول العائلة إلى المجر التي كان الأب قد هرب منها عام 1948 وهي عائلة ارستقراطية ساهم أبناؤها في القرن السادس عشر في الحرب ضد العثمانيين.. وقع أحدهم «ميشيل» في الأسر ولم يعد منه. ولقد كافأ فردناند الثاني إمبراطور النمسا، أسرة ساركوزي بتجديد منحهم لقب «نبلاء». هنا تفتح المؤلفة قوسين كي تكتب: «من المفارقة ان بعد أربعة قرون يأتي واحد من سلالتهم اسمه نيكولا كي يقود هو أيضاً المعركة ضد الأتراك عبر الاعتراض على دخولهم إلى المجموعة الأوروبية.عاش بال ساركوزي الأب، في بلدة «ألاتيان» الواقعة على أحد روافد نهر الدانوب حين كان جده وأبوه نائبين لرئيس بلديتهما. كان والده بروتستانتياً وأمه كاثوليكية. خلال سنوات الثلاثينيات ذهب «بال» للدراسة في سويسرا حيث تعلّم اللغة الفرنسية. وعند بداية الحرب العالمية الثانية هاجرت أسرة ساركوزي إلى جنوب النمسا ثم عادت إلى البلاد عام 1946. وفي نهاية عام 1947 كان عمر بال ساركوزي 19 سنة، فما كان منه إلا أن اختار طريق الهجرة خوفا من تجنيده في الجيش وإرساله إلى سيبيريا. كانت وجهته هي فرنسا «بلد الحريات».
وفي تلك الأثناء توفي والده ـ جد نيكولا ـ عندما كان في الخمسين من عمره بعد أن كان النظام الشيوعي قد صادر جميع ممتلكاته. أيدت الوالدة فكرة رحيله إلى فرنسا ووعدت أن تلتحق به في باريس في منظور تأسيس دار للأزياء، ومن أجل تجنب بحث السلطات الشيوعية عن «بال» أعلنت الأم أن ابنها قد غرق في بحيرة «بالاتون».نجح «بال» في الوصول إلى النمسا المجاورة ومنها إلى ألمانيا، وفي مدينة سالزبورغ حيث قاده تشرده التقى بال ساركوزي برجل فرنسي كان يقوم بتجنيد متطوعين لوحدات الجيش الفرنسي العاملة في منطقة الهند الصينية. وهاهو في الجزائر، وتحديداً في مدينة سيدي بلعباس حيث يوجد المقر الأساسي للوحدات الفرنسية الخارجية. بعد خمسة أشهر من التدريب على السلاح وإطلاق النار والقفز بالمظلة ومختلف أشكال التدريبات وصل «بال» إلى معسكر «فريجوس» جنوب فرنسا .
حيث يتجمع الذاهبون إلى الهند الصينية. لكن الصدفة شاءت أن يكون الطبيب الذي عاينه قبل ترحيله مجرياً ونصحه أن لا يخاطر بحياته وهو «الشاب الوسيم» في حقول الأرز أو على ضفاف نهر الميكونغ.. لقد أقنعه فعدل عن السفر لكنه وجد نفسه من دون قرش واحد. وقد روى لأبنائه لاحقاً أنه اضطر ذات مرة إلى أن يبيع نعل حذائه «المظلي» كي يحصل على بضعة فرنكات.
وصل بال ساركوزي إلى باريس عام 1948 في نهاية شهر ديسمبر. كان البرد قاسياً تلك الليلة فأمضى الليل على شباك إحدى فوهات المترو الباريسي التي تعطي بعض الدفء.استطاع بعد جهد الاهتداء بفضل هيئة مختصة بمساعدة اللاجئين إلى أحد أقاربه، لم يكن ذلك القريب ثرياً لكنه آواه وعرفه على عدد من المهاجرين المجريين. مارس «بال» العديد من الأعمال «الصغيرة». وامتاز في الفن الذي كان يتقنه أكثر من غيره وهو جذب النساء إليه.
اللقاء الأول
وفي نهاية شهر يونيو من عام 1949 وصل «بال ساركوزي» أمام قصر صغير في الدائرة السابعة عشرة البورجوازية من باريس، حيث كانت تعيش أسرة طبيب شهير وجراح اسمه بينيد كت ملاح. لم يكن الشاب يقصد عيادة الطبيب وإنما كان يريد مقابلة ابنته سوزان التي تحمل شهادة الدكتوراه في الحقوق وحيث كان يقصدها كي تساعده في إيجاد عمل. كانت سوزان غائبة في عطلة وكانت اختها اندريا الملقبة بـ «دادو» هي التي استقبلت اللاجئ المجري الباحث عن عمل. وعندما قالت له أن يعود، ، فيما بعد عندما تعود أختها لم يتردد أن يعود في اليوم الثاني ولم يكن يقصد الأخت الكبرى هذه المرة. وإنما «السمراء الجميلة» اندريا. لقد دعاها إلى لقاء في الخارج، وكان الموعد في أحد المسابح فالجو حار جداً.
وتقول أندريا اليوم: «أعتقد أنه أراد أن يتفحصني عن قرب». وبعد أن تشير أنها لم تتردد أبدا في قبول الدعوة تقول: «كنت امتلك «مايوه» سباحة أصفر جميلاً، ومنذ أن رآني أعلن لي بأننا سوف نتزوج بعد ستة أشهر، انفجرت ضاحكة، ثم ذهبت لإمضاء عطلة دون أن أفكر به أكثر». وعندما عادت من عطلتها دعته مع ذلك إلى المنزل حيث كانت برفقة عدد من الأصدقاء. تقول: «عندما رأى أنه كان بحياتي رجل يحبني ذهب». لكن ذلك لم يمنعه من التقدم لطلب يدها حسب الأصول.
وجد الدكتور ملاح أن الشاب غير ناضج ولا مستقبل واضحا له وهو ليس فرنسيا، كانت تلك الأسباب وجيهة كي يتردد، لكن الابنة ألحت.أراد الأب أن يكون متفهماً، اذ كان يعرف جيداً ماذا تعني حياة شاب أجنبي في باريس، فقد كان هو نفسه قد أخبرها، وكان قد وصل عام 1904 إلى باريس قادما من سالونيك، حيث كانت تعيش نخبة من اليهود الشرقيين «السفارديم» الذين طردهم الملوك الكاثوليك من غرناطة عام 1492، وكان والده يمارس مهنة «صائغ» في اليونان، تعلم بينيدكت اللغة الفرنسية في إحدى المؤسسات اليهودية باعتبارها لغة التجارة والدبلوماسية والثقافة.
وفي فرنسا أصبح طبيباً وتزوج عام 1917 بفتاة من مدينة ليون اسمها «اديل بوفييه» واعتنق المذهب الكاثوليكي.. وحصل على الجنسية الفرنسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.وبتاريخ 9 فبراير 1950 أصبحت اندريا ملاح زوجة بال ساركوزي بعد أن كانا قد تعارفا منذ سبعة أشهر بالكاد. كان عمرها أربع وعشرين سنة تقريبا وفي الثانية والعشرين بالكاد. سكن الزوجان لمدة ثماني سنوات لدى أسرة الطبيب ملاح وانجبا ابنهما الأول غيوم عام 1951 ثم نيكولا بتاريخ 28 يناير 1955.
عمل «بال ساركوزي» آنذاك في ميدان الإعلام كرسام، وكان قد تعلم المهنة لدى أحد مواطنيه المجريين، لقد أظهر موهبة كبيرة. بل وكان قد ظهر في إحدى الدعايات الإعلانية لآلة الخياطة الشهيرة «سنجر» الأمر الذي دعا الدكتور ملاح عندما رأى الصورة منشورة في إحدى المجلات إلى القول: «عارض أزياء؟ هذه ليست مهنة» لكن ذلك جلب بعض «الشيكات» مما سمح له، مع استدانة مبلغ، بشراء شقة في باريس.
مارست اندريا دورها كربة بيت بارعة ومارس بال دور الرجل الجذاب الذي لم يبخل بجمل «الإطراء» على صديقات الأسرة ومشفوعة أحياناً بلمسات الاستلطاف. لم تكن الزوجة اندريا عمياء أو عديمة الإحساس. وفي تلك الشقة وُلد الطفل الثالث فرانسوا عام 1959، لكن الحلم الجميل كان قد تحطم، وذات مساء اتصلت اندريا هاتفياً بوالدها، وتركت له رسالة صغيرة تقول: «أنا قادمة مع الأطفال». لم يثر ذلك دهشته. لقد غادرت اندريا بيت الزوجية مرّة واحدة وإلى الأبد، وطلبت الطلاق.
بدأت آنذاك الطفولة الحقيقية بالنسبة للإخوة الثلاثة. ويتذكر نيكولا قوله: «أتذكر أن أمي أعطتني ذلك اليوم كراساً لتلوينه» ويضيف: «كان أبي عنيفاً، وكنت أخاف منه».لم يكن منزل الجد مسرحاً بعد أن فقد زوجته، سكنت اندريا وأطفالها في الطابق الثاني، وكان الأب وابنته البكر سوزان، التي بقيت دون زواج يحتلان بقية المنزل. وكانت هذه الخالة «الطيبة» التي أطلقوا عليها تسمية «تاتي» هي التي تأخذ الأطفال إلى قداس يوم الأحد وتصطحبهم يوم الأربعاء بعد الظهر في نزهة كما كانت تسهر على دراستهم، وتنقل مؤلفة هذا الكتاب عن نيكولا قوله عن والدته التي كانت تعود متأخرة كل يوم:
«في كل مساء كنت انتظرها عند أعلى السلم. وكانت تقول لي عند وصولها: أنت تنتظر الشوكولا بالتأكيد إذا كانت تحضر لنا كل يوم بعضاً منها، لكنني كنت بالفعل انتظرها هي إذ كنت ارتعش أمام فكرة عدم عودتها».أصبحت الأم اندريا «دادو» محامية بعد أن استأنفت دراسة القانون بعد القطيعة عن الجامعة.
بناءً على طلب زوجها الشاب لقد عملت في مكتب للمحاماة يعود لزوج إحدى صديقاتها. كانت بحاجة لكسب بعض المال لا سيما أن زوجها أدار ظهره لها ولأولادها. تقول: «كنت أستيقظ عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً وأدرس في سريري حتى السابعة والنصف. وكنت بعدها أهتم بالأطفال وأصطحبهم إلى المدرسة وأقوم بالمشتريات وببعض الأعمال المنزلية، وعند الساعة الثانية بعد الظهر أذهب إلى المكتب حين كانت فتاة شابة تصل إلى المنزل لاستكمال العمل. كانت هي التي تذهب لجلب الأطفال من المدرسة وتحضر العشاء للصغيرين وتغسلهما، أما أنا فقد كنت أتناول طعام العشاء مع غيوم ـ الابن الأكبر ـ عند عودتي».
الطرد من المدرسة
كان أطفال «ساركوزي» الاب يترددون على مدرسة «كاثوليكية» في حيهم .. وكانوا هم الأطفال الوحيدون لأبوين «مطلقين» فالطلاق كان لا يزال ظاهرة نادرة في ذلك الحي البرجوازي. نيكولا وحده لم ترق له تلك المدرسة وتركها كي يتسجل في ثانوية «شابتال» التي طردوه منها بسبب غيابه وعدم انضباطه، فاضطر للعودة إلى مدرسته الأولى حيث رسب في صفه، يقول: «لم يكن لتلك الدراسة أي معنى بنظري.
ولم أبدأ الدراسة جدياً إلا بعد الشهادة الثانوية العامة أما إخوة «غيوم» فقد كان بارعاً في «الرياضيات» وحصل على الشهادة الثانوية وهو في السادسة عشرة من عمره. وقد أصبح فيما بعد رئيس مؤسسة كبيرة وأحد أرباب العمل الفرنسيين المشهورين. وكان فرانسوا، الابن الأصغر ناجحاً في جميع الميادين، وأصبح طبيباً كبيراً فيما بعد، كان هناك إذن هم واحد هو: نيكولا.. لكن المحامية الشابة كانت تطمئن نفسها بالقول ان هذا الولد «نشيط» وسوف ينجح ايضاً.
كانت العادة في عطلة نهاية الأسبوع ان يذهب الأطفال مع جدهم، الدكتور ملاّح، إلى مزرعة كان قد اشتراها بالقرب من باريس.. لكنهم كانوا يشترطون عليه عندما يأتي لاصطحابهم عند نهاية الدروس في آخر يوم من الأسبوع الدراسي، ان يقف بسيارته القديمة في شارع مجاور كي لا يرى زملاؤه تلك «الخردة» القديمة.
وعندما كانوا يقولون له: يمكنك أن تغيّر سيارتك»، كان جوابه لهم باستمرار هو: «لكن لماذا؟ انها لاتزال تسير» وكان الأطفال يحبون المزرعة من أجل الاستماع إلى حكايات عامل الحديقة هناك الذي كان شارك في الحرب العالمية الأولى عام 1914.. وقد قال نيكولا ذات يوم لأمه بحماس: «سوف أصبح جندياً فيما بعد».كان الدكتور ملاّح حريصاً على عدم القيام بأية مصاريف «غير مفيدة». ويروي عنه حفيده نيكولا:« لم يصطحبنا جدّي ابداً إلى السينما أو المسرح. لم تكن تخطر على باله فكرة كهذه. كان يمتلك بالتأكيد إمكانيات عمل ذلك، لكنه لم يكن من ذلك الصنف.
وكنا نشتري الخبز كل يوم لكن كان ينبغي اولاً الانتهاء من تناول خبز الأمس. وكان ينبغي إطفاء النور عند الخروج من أية غرفة. ويوم الخميس كنا نركب، نحن الاثنان المترو حتى آخر محطة ثم نخرج حيث كان يمسكني بيدي ونمشي حتى أول مقهى.كان يطلب له فنجاناً من القهوة ولي عصير فواكه وقطعة حلوى. لم نكن اثنين. فجدّي لم يكن يتكلّم ابداً، ولكن تلك النزهة كانت بالنسبة لي عيداً استثنائياً.
وتنقل المؤلفة عن الأخ الأصغر فرانسوا قوله: كان جدي حريصاً جداً على نقوده». ويضيف: «لقد ارتدت والدتي لفترة طويلة الثياب التي أعطتها لها صديقة وكنت أشعر أنا بخجل كبيري من ذلك» وكان سمع أمه كثيرا تبكي عندما يرفض أبوها ان يعطيها المبلغ المطلوب كي تصطحب الأطفال في عطلة عيد الفصح إلى مكان ما. وكان ذلك الجد يهوى جمع الطوابع وقد نقل تلك الهواية لحفيده«نيكولا» وقد كان يصطحبه إلى سوقها المعروف بالقرب من الشانزيليزيه لكنه لم يكن يشتري أي طابع.
ساركوزي متظاهراً
كان ذلك الجد ديغوليا متحمساً وقد ذهب للمرة الأولى في حياته للاشتراك في تظاهرة يوم 29 مايو 1968 كي يردد مع الجماهير» ديغول ليس وحيدا، وذلك كرد على المتظاهرين الذين رددوا خلال عدة أسابيع سابقة أثناء الأحداث المعروفة بثورة الطلبة في مايو 1968 هتافاً يقول «عشرة سنوات تكفي» للمطالبة برحيل الجنرال عن السلطة.
كان عمر نيكولا آنذاك 13 سنة وكان لا يزال صغيراً على التظاهر، أما أخوه غيوم فقد كان في الثامنة عشرة لكنه لم يشارك في تظاهرات مايو كلها. ويقول: «أنا ذهبت للتظاهر بعد ثلاثة أشهر في أغسطس أمام السفارة السوفييتية عندما اجتاحت الدبابات الروسية براغ ورددت: براغ، بودابست، وارسو يكفي» وما تؤكده المؤلفة هو قولها: أن الالتزام المتحزب الأول للاخوة ساركوزي كان التزامهم بجذورهم المجرية. لقد أعلنوا ثلاثتهم كرهاً عميقاً وشاملاً ونهائياً للشيوعية».
كانت أندريا قد تعودت منذ طلاقها من بال ساركوزي ان تستأجر كل عام خلال شهري يوليو وأغسطس الطابق الثاني من فيلا كبيرة بالقرب من مدينة روايان كي يمضي فيها أطفالها الثلاثة العطلة الصيفية. كانت تعود لوالدة إحدى الصديقات. كان نيكولا يمضي آنذاك أوقاتاً كثيرة وهو يستمع للمطرب «جوني هوليداي» وهو يغني بأعلى صوت يسمح به المذياع.
لكنه لم يكن سعيداً إذ كان يحس بالانتماء إلى «مرتبة اجتماعية أدنى» من أولئك الذين كانوا يعيشون بيسر في كنف أسرة «طبيعية» بوجود أب وأم يعيشان معاً. وتنقل المؤلف عن «ستيفان هوفيت» ابن أحد الأسر التي كانت تستقبل نيكولا وأخوته في بعض العطل الصيفية: « لقد رأيته ـ أي نيكولا ـ وهو يصيغ حوافز لحياته. لقد حدثني دائما عن الثأر، ولم أكن أفهم لماذا».
وإذا كانت أندريا «دادو» قد تذكر بعض ما فعله زوجها السابق أمام بعض الأصدقاء فإنها كانت تلزم الصمت تماماً أمام أطفالها. ولم يسمعوا منها أبداً أي نقد لوالدهم. أما الدرس الكبير الذي أخذوه عن هذه الأم فهو «التفاؤل» وأخذ الجانب الجيد من الأمور ولم يكن ذلك يعود فقط لطبيعتها وإنما لتجربة حياتها إذ كان عليها أن تقوم بكل الأدوار وحدها وبالتالي التوجه نحو ما هو أساسي. إذ ليس من المفيد الرضوخ لأشكال الحنين أو الأسف. فهذا يعني مضيعة للوقت. يقول عنها ابنها غيوم: «كانت أما منظمة جداً تفرض القواعد بل وبعض الحدود لكنها تركت لنا إمكانية الاختيار وقدراً لا يستهان به من الحرية.
كان الأطفال الثلاثة يكنون حباً كبيراً لوالدتهم فقد كانت مركز حياتهم. وتنقل المؤلفة عن صديقة للعائلة منذ الطفولة هي «ديانا دوسان ماتيو» ما مفاده: «إذا كان أبناء ساركوزي الثلاثة قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه فإن الفضل بذلك يعود ليها». وكانت تحرص على عدم انتقادهم أمام الآخرين حتى عندما كانوا يركبون حماقات. وكان كل منهم قد اختار مستقبله وتوجهه الحرفي كما يريد. فغيوم الابن الأكبر وبعد أن اجتاز بنجاح مسابقة الانتساب إلى المدرسة الحربية أرضاءً لأمه أصبح رب عمل في قطاع النسيج قبل أن يتحول اليوم إلى العمل في ميدان التأمين.
ما لم تكن الأم تحبذه هو أن يدرس أبناؤها الطب. وأسوأ منه السياسة فهذه «ليست مهنة» ويدقق ابنها نيكولا القول: أنها كانت ترى في السياسة تراجعا اجتماعياً». لكن فرانسوا الأصغر أصبح طبيباً للأطفال مثل جده. أما نيكولا فقد كانت مسيرة حياته مغامرة سياسية أوصلته إلى قمة هرم السلطة.
أين الأب من هذا كله؟ لقد كان غائباً تماماً تقريباً عن حياة أطفاله. يقول الابن فرانسوا: «لم أمض أبداً عيد الميلاد عند أبي ولم أنم أبداً في بيته». كان بال ساركوزي يعيش حياته بحثاً عن الاستمتاع دون الاهتمام بأبنائه. لقد تزوج بعد أمهم اندريا بابنة رجل ارستقراطي مجري وأم فرنسية كانت ابنة مدير بنك. لكن زواجه بتلك الفتاة «ميلندا ديليساي» انهار بسرعة. ثم زواج ثالث من ارستقراطية أخرى اسمها «كريستين دو جاناي» حيث أنجبا طفلين هما كارولين عام 1967 واوليفييه عام 1969، وقد أهمل آنذاك أبناءه الثلاثة من زوجته الأولى اندريا. وفي عام 1970 كان الطلاق للمرة الثالثة. هذا ما عقلت عليه ابنته كارولين فيما بعد بالقول: الزوجات الثلاث تركن أبي ذلك أن الحياة معه لا تطاق.
على صعيد العمل أسس الأب بال ساركوزي وكالة للإعلان حظيت بنجاح كبير، وكانت إحدى الإعلانات الخاصة بمسحوق للغسيل «بونوكس» تحمل صورة فتى أشقر.. وقد كانت الأسر التي تستخدم آنذاك ذلك المسحوق تجهل أنها تشاهد صورة وزير داخلية ووزير مالية قادم وربما رئيس للجمهورية، هذا ما تحقق منذ 6 مايو 2007. كانت تلك هي المرة الاولي التي تبدو فيها صورة نيكولاساركوزي على منتج «عام».
وعد المستقبل
كان بال ساركوزي يرى آنذاك اطفاله يوم الخميس كل اسبوعين ويدعوهم لتناول «البيتزا» بالقرب من مكتبه، وكان يهتم بمسيرتهم الدراسية ويثني فقط المتفوقين اي غيوم فرانسوا التلميذين النجيبين الناصحين ويفض لهما على نيكولا، غير المجتهد وذي النتائج المتواضعة. وكان نيكولا يحس ان والده لا يحبه كثيرا، وقد أسر ذات يوم لمعاونيه فيما بعد انه، أي والده قال له ذات مرة: مع الأسم الذي تجمعه والنتائج التي تحصل عليها لن تنجح ابدا في فرنسا. هذا على عكس ما قال له ذات يوم جده لأمه هامسا: المستقبل وعده.
وكان «بال» يذهب في الخميس الآخر كل أسبوعين لتناول الطعام في منزل زوجته السابقة أندريا» التي كانت تصر على استمرار تلك الرابطة مع والد أطفالها. وكانت تدعو أيضا ولديه الآخرين من زواجه من كريستين دوجاناي اي الأخ والأخت كما كانت تدعوهما اوليفييه وكارولين.وتروي كارولين أن نيكولا كان يصطحبنا بالمترو الى منزل جذتنا بطريق العودة. كان مهذبا جدا وحنونا جدا وكان يضحكنا وهو يقلد المطرب جوني هوليداي.
الصورة السائدة عن نيكولا ساركوزي هي انه كان فتى حدتناً ويميل إلى العزلة تقول عنه صديقته «مورييل» كان حنونا في اعماقه وكان بحاجة لمن يشعره بانه محبوس وقد قال نيكولا ساركوزي نفسه ذات يوم: لم أحب طفولتي» وما تؤكده مؤلفة الكتاب هو أنه كان أكثر من قاس عاطفيا واجتماعيا من انفصال ابويه. كما كان هو أكثر من «استنبطن» في أعماقه الصعوبات التي كانت تواجه أمه لاسيما وأنها لم تكن تشتكي أبدا. وهو يؤكد قوله: كانت والدتي قد فقدت من مكانتها الاجتماعية بسبب طلاقها، وكنت ارتضي تماما النظرات التي كانوا يرمقونها بها.
ونيكولا هو الذي يشبه أكثر من اخويه، والدتهم مع نفس النظرة ونفس طريقة المشي ونفس الحركات. ويروي الاخ غيوم: كانت هناك دائما رابطة قوية بين أمي وأخي. وتقول الأم: كان و الأكثر تنبها لي بين الأبناء الثلاثة وعندما كان يخرج أصدقائه كان يسألني دائما اذا لم أكن أريد الالتحاق بهم، واذا كان غيوم الاخ الكبير يريد أن يلعب دور رئيس الأسرة بالنيابة عن الاب الغائب، فإن نيكولا لم يسمح بذلك ابدا.
وتؤكد الأم قولها: ان نيكولا لم يساوره الخوف بذلك ابدا وهذا سهل له الحياة بالتأكيد. ويقول نيكولا نفسه: بقدر ما يمكن للمذاكرة ان تعود بي لم أقبل أبدا ان يضطهدني أيا كان. وتقول مؤلفة الكتاب: عاش نيكولا منذ سنوات طفولته الاولى حالة توازن قوي مع غيوم وهذا يفسر ان النزاع اصبح طبيعة ثانية لديه، بل أصبح محركا، انه يحب المعركة. ويحقق ذاته في المجابهة.
ولم يكن سهلا على نيكولا انه أقصر من إخوته الثلاثة وتتساءل المؤلفه عما إذا كان يعاني من عقدة القامة؟ وتجيب: بالتأكيد وتنقل عن مقربين منه قولهم: ما يؤلمه هو ان قامته تشكل موضوعاً للمزاح في وسائل الإعلام.لقد كان مختلفا عن إخوته من حيث هواياته وذوقه «الشعبي» وكان الدرس الكبير الذي استخلصه من مسيرة أولئك البالغين المحيطين به الأم والجد وحتى الأب هو أن من يريد الوصول لا يمكنه الاعتماد سوى على نفسه.. وقد استفاد من ذلك الدرس كثيرا.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



