يروي المؤلف في هذه الحلقة قصصاً مذهلة حول أساليب نهب مليارات الدولارات من الأموال العراقية التي كانت بحوزة الأمم المتحدة من برنامج النفط مقابل الغذاء والأموال التي كانت محجوزة في حسابات خاصة بالولايات المتحدة ناهيك عن تلك التي عثر عليها الأميركيون في قصور صدام حسين ومنازل أركان نظامه.

ويكشف المؤلف عن أسماء ثلة من المتورطين في منح عقود وهمية لشركات كان يفترض أنها تنفذ مشاريع لإعادة الإعمار ويوضح كيف آلت مبالغ طائلة من صندوق تنمية العراق إلى جيوب مقاولين ومتعاقدين دفعوا رشاوى لضباط ومسؤولين في سلطة التحالف مقابل تسهيل عمليات النهب والسرقة لأموال كان الشعب العراقي بامس الحاجة لها. تخيلوا ماذا يحدث لو أن مجموعة من الفئران العمياء تجمعت مع كمية ضخمة من النقود الورقية؟! تلك هي الصورة الفريدة التي يذكرها بيل كيلر ثاني أكبر المسؤولين الأميركيين في وزارة الاتصالات، فهو بذلك يصف المليارات من أموال العراق التي وضعها الغزو في أيدي بعض المسؤولين الأميركيين الذين أخذوا يبددونها ويسرفون في إنفاقها، ويبدو أن تلك الصورة استهوت مؤلف الكتاب فقرر اختيار عنوان الفصل التاسع ليكون: «فئران عمياء»!

ويبدأ المؤلف القصة من صيف وخريف عام 2003 الذي شهد غضب الكونغرس الأميركي بعد التقارير التي تحدثت عن انتشار الفساد والاحتيال الذي فاحت رائحته خارج العراق مما دعا الكونغرس الى طلب فرض الرقابة والإشراف على الموقف المالي في العراق. واستجابت إدارة بوش واختارت محاميا اسمه ستيوارت بووين ليكون رقيبا في العراق. وبدأت أولى رحلاته الى بغداد في فبراير 2004 بعد نحو سنة من بدء العمل في العراق وإنفاق مليارات الدولارات.. ولم يستغرق الأمر وقتا طويلا لكي يكتشف المفتش العام بووين علامات التردي. وأبدى أعضاء الحزب الديمقراطي عدم ارتياحهم لاختياره وسخروا منه حتى أن السيناتور هيلاري كلينتون اتهمت الجمهوريين بأنهم عينوا «مفتشا عاما مزيفا». وذكر هنري واكسمان عضو مجلس النواب أن هناك تعارضا في المصالح عند بووين. وكانت كل الأسباب تؤكد أنه لن يملك الشجاعة لفضح الفساد في العراق وإحراج الإدارة الأميركية لأنه كان من أخلص حلفاء الرئيس جورج دبليو بوش، كما كان واحدا بين قلائل من المحامين الذين جلبهم بوش معه من تكساس الى البيت الأبيض.

فضلا عن ذلك لم يكن يتمتع بالخبرة اللازمة لمهمة المفتش العام ولم يعمل كمدقق للحسابات من قبل، ولم يزر العراق على الإطلاق، حتى إنه تساءل هو نفسه فيما بعد عما ورطه في الأمر. وسرعان ما جاء الرد بعد أن بدأ يقوم برحلات شهرية الى بغداد في ربيع عام 2004.

وأثناء إقامته في فندق هيلتون بمدينة الكويت لاحظ أن المقاولين يتفاخرون بالخدمات وموائد الغداء المقدمة الى مسئولي الحكومة الذين يتنقلون من الكويت الى بغداد وبالعكس، ولاحظ أيضا أن وحدة الهندسة والخدمات العسكرية «كي.بي.آر» التابعة لشركة هاليبيرتون، وأكبر متعاقد مع البنتاغون، تضع موظفيها في فنادق فخمة مكلفة، مما يوفر لها مبلغ 6 .3 ملايين دولار سنويا.

وتلقى ستيوارت بووين زيارات قام بها خلسة عدد من المقاولين العاملين في مكتب مراقبة الحسابات ليعربوا له عن قلقهم من وجود أموال مكدسة في قبو في القصر الجمهوري ببغداد يسهل الوصول إليه، وقد اكتشف مدقق الحسابات من رجال بووين أن مفتاح الخزانة التي يُحتفظ فيها بمبلغ 600 مليون دولار، موجود في حقيبة في مكتب مراقب الحسابات.

كذلك تلقى المفتش العام معلومات سرية أفادت أن أحد المسؤولين في سلطة التحالف كان يخطط لوقف الصفقات الخاصة مع شركات البناء الأميركية والعراقية. وقد فصل ذلك المسؤول، ولكنه قبل أن يترك العمل بقليل. تمكن من إقناع بريمر بتوقيع عقد لشركة أمن خاصة بالأمر المباشر وتبلغ قيمته 6 ملايين دولار، وعندما تحقق بووين من ذلك أمر بإلغاء العقد ولكن كان صاحب الشركة قد تسلم من قبل مبلغ ثلاثة ملايين دولار وغادر العراق. وهكذا تعلم بووين بالممارسة أن الأموال كانت تتحرك بسرعة كبيرة خارج سلطة التحالف دون رقيب، وذكر أنه كان من السهل جدا أن يأخذ أي شخص بعض المال من القبو.

المال السائب

وفاجأ بووين الذين شككوا في قدراته عند تعيينه، وأصبح أصدق ناقد لعملية إعادة البناء في العراق، وأكبر المنادين بإصلاحها. وأخذ يبذل كل ما في وسعه لإلقاء القبض على الضباط الأميركيين والمقاولين الذين تحوم حولهم شبهات الفساد والاختلاس. وكان معظم المحققين الحكوميين السابقين لا يرسلون تقاريرهم إلا بعد مرور شهور أو أكثر من عام بعد إجراء تحقيقاتهم، ولكن بووين حرص على إرسال تقاريره في ظرف أسابيع متتالية.

وخلال ربيع عام 2004 وجد خيطا مشتركا وهو أشبه بمنجم ذهب واسمه: «صندوق تنمية العراق»، وقد أنشئ بعد الغزو بناء على قرار الأمم المتحدة رقم 1483، وهو في الأساس عبارة عن حساب بنكي تودع به عائدات النفط العراقي، وكذلك يحجز فيه نحو مليار دولار نقدا وهو إجمالي المبالغ التي وجدها الجنود الأميركيون مخبأة في منازل ومكاتب تعود لصدام حسين وأعوانه.

كذلك كان هناك حساب مجمد ومحتجز في الولايات المتحدة تزيد قيمته على 20 مليار دولار. وقد طلب قرار الأمم المتحدة من سلطة التحالف استخدام هذه الأموال بطريقة شفافة لتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي. وهي أموال عراقية ولكن الولايات المتحدة كانت مسؤولة عن حمايتها. وخلال أول موسم صيف يمر على الاحتلال قرر بريمر إنشاء آلية خاصة لإنفاق الأموال من الصندوق.

وفي بداية الأمر شكل ما أسماه «مجلس مراجعة البرنامج» من عشرة أعضاء من التحالف يقومون معا بمراجعة الاقتراحات ومنح العقود. وتنفيذا لما جاء في القرار الدولي بشأن «التشاور» مع الحكومة العراقية الانتقالية، دخل المجلس مندوب عراقي وحيد لم تكن له سلطات تذكر ولم يحضر بانتظام في معظم الوقت. وعلى الفور جعل المجلس من نفسه مجرد «بصمجي» يختم بالموافقة على أية عقود تريد حكومة الاحتلال إبرامها.

ووافق الكونغرس على قرار ثان زاد من سهولة إنفاق الأموال العراقية السائلة بأكثر من المعمول به بالنسبة لأموال إعادة البناء الأميركية. فقد أصدرت سلطة التحالف المؤقتة المذكرة رقم 4 التي تحدد المبادئ المتبعة في التعاقد وتقع المذكرة في 31 صفحة، على عكس القواعد الأميركية التي تقع في 1923 صفحة. ونصت المذكرة على تقديم الاقتراحات والتعاقد بشأنها في ظرف يوم واحد.

وأشارت المذكرة إلى أن العقود لا داعي لطرحها في مناقصات عامة مع الحد من الاعتراضات عليها. أما العقود التي تزيد قيمتها على نصف مليون دولار فينبغي أن يراجعها ثلاثة أشخاص على الأقل. ويجب عدم الكشف عن حالات إهدار المال أو الاحتيال أو إساءة استعمال السلطة، إلا للجهات المختصة، ولم تحدد المذكرة تلك الجهات. ويضيف مؤلف الكتاب قوله إن تلك القواعد أدت باختصار إلى تحويل الأموال العراقية إلى مال سائب، ولم تضيع سلطة التحالف الوقت وسارعت إلى إنفاقها وكان المستفيد الأكبر شركة هاليبيرتون، وهو أمر لا يدعو إلى الدهشة.

وفي واشنطن كان هنري واكسمان عضو مجلس النواب يشكو من الأسعار المرتفعة التي تدفعها الولايات المتحدة للشركة في مقرها الرئيسي في هيوستن لاستيراد الوقود في العراق، وأشار إلى أن دافعي الضرائب الأميركيين يدفعون للشركة أسعارا تبلغ ضعف ما تدفعه البنتاغون على الوقود الخاص بها. وفي العراق ورطت سلطة التحالف العراقيين في دفع الفواتير بدلا من فرض تخفيض الأسعار على الشركة.

وفي ذلك الخريف بدأ مجلس مراجعة البرنامج الخاضع للسيطرة الأميركية، في دفع قيمة عقود هاليبيرتون من أموال صندوق تنمية العراق بدلا من أموال دافع الضرائب الأميركي، وسلم المجلس للشركة مبلغ 64,1 مليار دولار لتغطية أسعار الوقود بالغة الارتفاع. ولم تكن تلك الشركة المستفيد الوحيد من أموال الصندوق لأن سلطة التحالف لم تبخل بشيء مادامت تغترف من أموال العراق، فقد نالت شركة كستر باتلز للأمن عقدا قيمته 8,16مليار دولار لحراسة مطار بغداد، رغم أنها كانت ضالعة في سرقة الحكومة علنا.

وربحت شركة إيرسكان ـ وهي شركة خاصة للاستطلاع الجوي ـ صفقة قيمتها عشرة ملايين دولار رغم إدانتها في الولايات المتحدة بانتهاك حقوق الإنسان. ويذكر مؤلف الكتاب أن بعض الشركات العراقية نالت عقودا هي أيضا ولكن كان من الصعب معرفة من الذي تقاضى الأموال نظرا لإبقاء الأسماء طي الكتمان حتى لا يصبح أصحابها هدفا للمسلحين العراقيين. وبالإضافة إلى مئات الملايين التي صرفها المجلس، أصبح صندوق تنمية العراق أيضا كما يصفه المؤلف - وكأنه درج مفتوح به أموال نقدية تحت تصرف سلطة التحالف المؤقتة، وأصبح وسيلة للحصول على موافقات سريعة على مشروعات البناء بدون المشاحنات المرهقة التي يسببها الالتزام بالقواعد المنظمة للتعاقد.

ويؤكد توماس ميلر في كتابه أن كثيرا من المسؤولين في سلطة التحالف الذين أجرى معهم مقابلات أثناء فترة وجوده في بغداد، قالوا له إنهم يعتقدون أن تلك الأموال استخدمت لدفع رشاوى أو لشراء ولاء حلفاء وأفراد بعض العائلات، كذلك قال له مسؤول سابق في سلطة التحالف إن بعض الناس كان يعرف كيف يستغل الموقف ويحاول إيجاد السبيل لوضع يده على مبالغ ضخمة من الأموال السائبة التي تملأ المكان، وماذا يهم في ذلك مادامت الأموال عراقية لا أميركية، وكانت الإجراءات المتبعة سريعة وغير محكمة حتى أن هيئة المعونة الأميركية رفضت استخدام الصندوق خوفا من أن يساء استخدام أمواله.

وقال سبايك ستيفنسون مدير الهيئة خلال عام 2004: «بالنسبة لصندوق تنمية العراق كان بإمكانك أن تضع القواعد كما تحب» ولم يذكر أحد شيئا عما يحدث بأموال العراق.. لقد اختفت في جب مظلم عميق. وبينما كان موعد نقل السلطة إلى حكومة عراقية يقترب في يوليو 2004، تعرضت عملية إعادة البناء للتعثر، وعلقت الشركات الأميركية عملها في كثير من العمليات بعد انفجار العنف في النجف والفلوجة.

وكان ما يقلق بريمر أن الأميركيين «يخاطرون بأن يصبحوا الأسوأ.. أي باعتبارهم محتلا لا خير فيه»، فقرر أن يقوم التحالف بزيادة الإنفاق في أسرع وقت ممكن، وكانت أسهل وسيلة لذلك سحب الأموال من صندوق تنمية العراق الذي لا يفرض إلا القليل من القيود والتدقيق إضافة إلى إفلاته من رقابة الصحافة والكونغرس. وتلقى قرار بريمر دعما آخر ففي مارس 2004 قامت الأمم المتحدة فجأة بإيداع 5 .2 مليار دولار في حساب الصندوق، ويمثل المبلغ التحويل النقدي النهائي من حساب نظام النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة.

وأثار المبلغ دهشة بريمر ومديري الميزانية إذ لم يكن أحد في المنظمة الدولية قد أخبرهم بوجود ذلك الفائض الضخم من المال، ولذلك فقد أثار الأمر جدلا داخليا مكثفا حول سؤال هام هو: هل ينبغي على سلطة التحالف الإنفاق من ذلك المبلغ الذي جاء نقدا وفجأة، أو تركه للحكومة العراقية الجديدة لكي تديره بمعرفتها؟

غياب الرقابة

بعد أسابيع من المناقشات المحمومة في ابريل 2004 قررت الولايات المتحدة وشريكاتها من دول التحالف أن احتياجات العراق عاجلة ولا تحتمل التأخير. وتعليقا على ذلك قال مسؤول كبير في التحالف لمؤلف الكتاب: «كانت ضربة الحظ هذه لعنة». وأضاف ذلك المسؤول أن الولايات المتحدة خشيت من أن وضع الأموال تحت سيطرة حكومة عراقية جديدة قد يؤدي إلى تأخير أعمال يحتاج إليها العراق بشدة.

وتبرر واشنطن ذلك بأن العراقيين قد لا يتمتعون بالخبرة، وقد ينشغلون كثيرا في تشكيل الحكومة الجديدة فينصرفون عن اتخاذ القرارات بشأن مشروعات تكلف مئات الملايين من الدولارات، ولذلك يقول المسؤول الكبير لصاحب الكتاب إن الرأي انتهى إلى القول: «إما أن نعمل مع العراقيين في تقرير أولويات الإنفاق أو نجلس فوق الأموال!!» ولم يكن أي من الخيارين مغريا.

ويضيف مسؤول التحالف في حديثه الصريح إلى توماس ميلر أن سلطات التحالف كانت تخشى من إساءة صرف الأموال، ولكن بريمر وكبار معاونيه قرروا أن ظروف زمن الحرب تتطلب التركيز على العمل لا على مبادئ المحاسبة، ولا يوجد أي نظام في العالم يتمتع بمستويات مرضية في مراقبة الحسابات. وهكذا قررت سلطة التحالف إنفاق 5 .2 مليار دولار في أقل من ثلاثة أشهر. وفي يوم واحد فقط هو يوم 15 مايو 2004وافق مجلس مراجعة البرنامج على مبلغ 9 .1 مليار دولار للتعاقد على مشروعات جديدة.

ومع اقتراب ساعة نقل السلطة إلى العراقيين انتاب المسؤولين هوس الاندفاع إلى إنفاق المال، وأصبح شهر يونيو 2004 الشهر الذي قُذف فيه المال والمسؤولية من النافذة، والذي لعبت فيه الولايات المتحدة دور المتسوق المهووس، وتورط فيه العراقيون في دفع الفواتير.

وأبرم المسؤولون الأميركيون أكثر من ألف عقد في شهر يونيو، من بينها سبعمائة عقد دون اتباع الإجراءات المعتادة، ومنحوا مسؤولا أميركيا في الحلة جنوب العراق مبلغ 75 .6 ملايين دولار يوم 21 يونيو وطلبوا منه أن يعيدها في نهاية الشهر. ويذكر مؤلف الكتاب أن واحدا من المسؤولين في سلطة التحالف قال له: «من المؤكد أننا كنا مندفعين لإخراج الأموال وتوزيعها.

لقد كنا نجلس فوق تلك الكومة الهائلة من الموارد التي كان من الواجب أن نضع قواعد لصرفها» وضحك المسؤول قائلا: «أصبحت مليونيرا كبيرا لمدة 45 دقيقة عندما كان عليّ حمل 5 .3 ملايين دولار عبر القصر الجمهوري حتى مكتبي دون أن أوقع أية قطعة من الورق تفيد استلامي ذلك المبلغ الكبير». وفي الأيام الأخيرة قبل نقل السلطة من الاحتلال الأميركي كانت الولايات المتحدة تنثر النقود عبر العراق وكأنها ريح عاتية تدفع الأوراق في الهواء.

ويروي توماس ميلر مؤلف الكتاب قصة أخرى تنم عن مدى التسيب في التعامل مع أموال الشعب العراقي. فلقد كان من المعروف أن أموال صندوق تنمية العراق مودعة في حساب يشرف عليه بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وفي يوم 11 يونيو طلبت سلطات التحالف من البنك إرسال مبلغ 4 .2 مليار دولار. وتدافع مسؤولو البنك ليبحثوا عن إحدى طائرات الشحن طراز سي-130 التابعة لسلاح الجو الأميركي لكي تحمل النقود. وفي يوم 22 يونيو 2004 شحن البنك مبلغ 000 .600 .401 .2 دولار (ملياران وأربعمائة وواحد مليون، وستمائة ألف دولار) وكلها من العملة الورقية فئة 100 دولار وقد كدست في أكياس مخصصة لحمل الأموال المدفوعة نقدا.

وبلغ وزن الشحنة 28 طنا وشغلت في الطائرة مساحة 74 غسالة ملابس. وبذلك أصبحت أضخم شحنة مالية تنقل في دفعة واحدة في تاريخ البنك. وبعد يوم من عملية النقل وضعت سلطة التحالف 15 طنا من تلك النقود السائلة في ثلاث طائرات هليوكوبتر عسكرية متجهة إلى مدينة أربيل الكردية.

وكان المبلغ 4,1 مليار دولار وقد دفعته سلطات التحالف للأكراد الذين أصروا على انهم خدعوا من قبل صدام حسين أثناء تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء. وقد شحنت الأموال دون الحصول على إيصالات تبين المكان الذي جاءت منه الأموال أو إلى أين اتجهت أو من الذي استلمها. كذلك لم تتسلم سلطات التحالف أي شئ من الأكراد يفيد تسلمهم للنقود.

مجرد أرقام

بعد خمسة أيام في 28 يونيو 2004 سلم بريمر السلطة إلى حكومة عراقية مؤقتة يصفها المؤلف بأنها مكبلة اليدين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. وتم ذلك في احتفال مفاجئ قبل يومين من الموعد المحدد تحاشيا لأية هجمات من المقاومة.

وبعد عدة أيام أصدر بريمر ما أسماه «عرضا تاريخيا لإنجازات سلطة التحالف المؤقتة» ذكر فيه أرقاما عديدة يرى مؤلف الكتاب أنها كانت مجرد أرقام، فقد كانت قوة الشرطة فاسدة وضعيفة التسلح بالنسبة للمقاومة، وتفتقر إلى الرجال، وانهارت القوات المسلحة العراقية أثناء العنف الذي تفجر في شهري ابريل ومايو، وتركت وحدات كثيرة منها مواقعها.

وحتى بعد مرور عام أكدت البنتاغون أنه لا توجد في العراق كله إلا وحدة واحدة قادرة على القيام بالعمل المستقل. وربما يكون إنتاج الكهرباء قد وصل بالكاد إلى 4900 ميغاوات أثناء الشهر الأخير لوجود سلطة التحالف، ولكنها لم تستمر على هذا النحو. أما بالنسبة لزعم أنها أعادت إنتاج النفط إلى سابق مستواه وهو 5 .2 مليون برميل يوميا فإن المؤلف، يصف هذا الإدعاء بتعبير طريف مستوحى من عبارة «النفط الخام» فيقول إنه مجرد «كذب خام» لأن مسؤولي الطاقة في إدارة بوش نفسها قدروا ذلك الإنتاج بأنه 7 .1 مليون برميل يوميا في شهر يونيو 2004.

ونعود مرة أخرى إلى ستيوارت بووين الذي وافق بوش على إرساله إلى العراق ليشغل منصب المفتش العام لمراقبة أوجه إنفاق الأموال الطائلة التي سبق أن أشار إليها الكتاب ويذكر المؤلف أنه عندما بدأ المفتش العام في ضم جوانب قصة صندوق تنمية العراق، تيقن أن الولايات المتحدة قصرت في أداء واجبها الذي كان يقتضي الاحتفاظ بأموال العراق في أمان وتحت رعايتها، والصرف منها بقدر من التحفظ وتقدير المسؤولية. وقد أمر بووين بإجراء مراجعة لجميع أموال الصندوق البالغة 20 مليار دولار.

ولم تسفر المراجعة عن قصة مبهجة فقد اكتشف المدققون التابعون له أن سلطة التحالف لم تستطع تفسير مصير 9 مليارات دولار شحنت من البنك المركزي العراقي إلى وزارات العراق الإثنتي عشرة. وبلغة تقارير مدققي الحسابات أشار المحققون إلى أن سلطة التحالف كانت تقوم بأقل مما يلزم من الرقابة على الأموال، ولم يكن لديها أي ضمانات بأنها استخدمت فيما خصصت له مثل تغطية نفقات الميزانية كالرواتب الحكومية ومشروعات إعادة البناء التي تشرف عليها الوزارات.

ويبدو أن جزءا من الأموال دفع لأشباح وجدوا فقط لكي يتسلموا رواتبهم، ففي إحدى الوزارات كان من المفترض أن 8206 من ضباط الأمن يقومون بحراستها، ولكن الذين يقومون بالعمل لا يتجاوزون 602 فقط. وكان بووين حريصا فقال ببساطة إنه لا سلطة التحالف ولا أي شخص آخر يستطيع إيضاح ما حدث للأموال.

ومع ذلك عندما وضع مراقبو الحسابات تقريرهم الذي يكشف تفاصيل التجاوزات المذهلة حاولت وزارة الخارجية الأميركية سد الطريق أمام هذا التقرير بحجة أن أمر تكليف ستيوارت بووين لم يشمل توسيع سلطاته للتحقيق في الأموال العراقية، وأقنعت الوزارة بووين بعدم الإفراج عن النتائج حتى شهر يناير 2005 خوفا من التشويش على الانتخابات العراقية المقرر إجراؤها.

ومن واقع تقارير بووين والدوائر القضائية الأميركية يسرد الكتاب نماذج صارخة للفساد من بينها حالة روبرت ستاين مراجع الحسابات في مركز قيادة التحالف في مدينة الحلة جنوب العراق. وخلال تسعة أشهر قضاها مع سلطة التحالف المؤقتة في العراق كان ستاين يتحكم في 82 مليون دولار من أموال إعادة البناء وكان الجانب الأكبر منها نقدا من أموال صندوق تنمية العراق. وهي كعكة كبيرة اعترف فيما بعد للسلطات بأنه وضع جزءا منها في جيبه.

وكما يصف بووين والمحققون الفيدراليون الموقف فقد كان ستاين اللاعب الرئيسي في مؤامرة واسعة النطاق شملت خمسة ضباط ومقاولا أميركيا عاش عدة سنوات في رومانيا اسمه فيليب بلوم. وقد اعترف ستاين بتوجيه عقود قيمتها 6 .8 ملايين دولار لإعادة البناء في جنوب العراق، إلى بلوم وشركاته في الفترة ما بين يناير ويونيو 2004، وبالمقابل أهدى بلوم إلى ستاين وضباط الجيش تذاكر طيران بالدرجة الأولى وعقارات وسيارات جديدة فاخرة وساعات غالية ومجوهرات ورشاوى نقدية وغير ذلك. وقد ارتفع نصيب ستاين إلى مليون دولار نقدا ومليونين آخرين اعترف بسرقتهما من المكان الذي كان يشرف عليه في مركز الحلة.

وفي موقع بعيد وفي ظروف الحرب وانعدام الرقابة اهتم كل من ستاين وبلوم بدعم الآخر، وتولى بلوم غسل أموال ستاين عبر حسابات بنكية في سويسرا ورومانيا وهولندا، واستخدم ستاين النقود السائلة في شراء طائرة من طراز سيسنا 1995، ومجوهرات من الماس وسيارة ليكزس 2004. واعترف ستاين للمحققين بأنه خطط لافتتاح شركة أمن خاصة في العراق مستخدما قاذفات قنابل وبنادق رشاشة ومسدسات عيار 45 مسروقة من التحالف.

والسر الغامض الذي حير البعض هو كيف تم استئجار هذا الرجل رغم أن ملفات المحاكم توضح أنه سجن عام 1996 بتهمة تزوير بطاقات ائتمان، وقد أقر بأنه مذنب وصدر عليه حكم بالسجن ثمانية أشهر مع خضوعه للمراقبة ثلاث سنوات بعد خروجه من السجن. كذلك حكم عليه بإعادة مبلغ 45 ألف دولار، وكان أيضا متورطا في قضية اتهم فيها باختلاس 700 ألف دولار من جهة عمل كان موظفا بها.

والى جانب ستاين هناك رئيسه السابق في العراق مايكل ويلر وهو برتبة لفتينانت كولونيل وكان يستخدم صفته العسكرية في تهريب السلاح وتحويل الأموال إلى حسابه في أمريكا، وكذلك امرأة في السابعة والأربعين برتبة كولونيل أيضا واسمها ديبرا هاريسون التي سرقت من 80 ألفا إلى 100 ألف دولار من سلطة التحالف المؤقتة، وفي عام 2004 اقتنت سيارة كاديلاك تصل قيمتها إلى 60 ألف دولار، وتم تحويل ثمنها مباشرة إلى بائع السيارات من خلال حساب خاص بالمقاول بلوم. وقد ألقي القبض على كل من ويلر وديبرا هاريسون ووجهت إليهما تهمتا التآمر وغسيل الأموال. واقر الاثنان في فبراير 2006 بارتكاب جرائمهما في العراق وقررت المحكمة معاقبتهما بتهم الرشوة، وغسيل الأموال، والتآمر.

مأساة الحلة وكربلاء

وبينما غادر بريمر وستان وبلوم العراق كان وسام الحرية الذي أنعم به بوش في انتظار بريمر، أما الاثنان الآخران فقد كانت أبواب السجن في انتظارهما. وكان ستيوارت بووين قد غرق في المأساة كلها من خلال محاولات مدققي الحسابات معرفة طرق استخدام أموال صندوق التنمية في مركز سلطة التحالف في مدينة الحلة حيث كان المركز مسؤولا عن ست محافظات في جنوب ووسط العراق، والتي تمثل نصف مساحة أراضي البلاد. وقد وجد مدققو الحسابات أن العمل لم يكتمل في إنشاء أكاديمية إقليمية للشرطة ومكتبة.

وفي بعض الحالات لم يتم عمل شيء بالمرة. مثال ذلك أن ستاين منح شركة بلوم وفروعها مجموعة من العقود لبناء أكاديمية جديدة في الحلة في موقع قيادة حزب البعث ونفذ بلوم جانبا من المهمة فقط أما الباقي منها فقد كان كارثة، ففي بداية الأمر بدأ بلوم البناء على أرض استولى عليها بغير حق وبمخالفة للقانون. ورغم ذلك تم التعاقد بشكل غامض مع شركته لإزالة المباني في الموقع مرتين.

ووردت الشركة للأكاديمية مولدا واحدا للكهرباء بدلا من ثلاثة نص عليها العقد والأدهى من ذلك أن المولد كان مجرد صندوق فارغ ولا شيء بداخله. وتقاضى بلوم ما لا يقل عن 3 .7 ملايين دولار لإعادة بناء الأكاديمية. والمأساة الثانية في كربلاء حيث كان مفترضا أن يبني بلوم مكتبة في وسط واحد من أهم المراكز التاريخية في العالم العربي. وكانت المكتبة في ذلك المركز قد تعرضت للنهب والتخريب أثناء الحرب. ومنح ستاين عقدا إلى صديقه لكي يجددها ويمدها بالأثاث وبأجهزة كومبيوتر.

ونص العقد على أشياء ضرورية كالمراوح في الأسقف والأبواب والسجاد والرفوف والطاولات، والطاولات المخصصة للكومبيوتر ولكن المقاول اكتفى بإحضار مقاعد من البلاستيك وأثاث مستعمل وأغفل طاولات الكمبيوتر وخدمة الانترنت، وجاء بأربعة عشر جهاز كمبيوتر بدلا من ستة وثمانين جهازا ينص عليها العقد، كذلك كانت الأجهزة التي أحضرها بدون أجهزة الخادم أو السيرفر اللازمة. وفي النهاية ظلت مكتبة كربلاء في الظلام مثلها مثل أهلها.

عرض ومناقشة: صلاح عويس