يسرد لنا المؤلف في هذه الحلقة قصص الفساد الذي استشرى في أوساط المسؤولين الأميركيين عن إعادة إعمار العراق، وبخاصة في قطاع الاتصالات الهاتفية المحمولة، الذي يعد قطاعاً مغرياً للشركات الأميركية ومنافستها الأوروبية، وقد استغل الأميركيون مناصبهم لتحقيق مناصب شخصية مشبوهة تستهدف جني مكاسب مالية تقدر بمليارات الدولارات، ولكن المؤلف يشير إلى أن جانباً كبيراً من تلك المحاولات انكشف ليفجر فضائح انعكست سلباً على صورة الولايات المتحدة ومشروعها في العراق وأظهرت تورط شخصيات سياسية كبيرة فيها من أمثال وزير الدفاع رامسفيلد وأعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي.
يصف مؤلف الكتاب حالة خاصة تحت عنوان فرعي هو: «النفط والهواء»، وهو يرى أن تلك الحالة توضح كيف أن المحاباة السياسية، والمال، وجشع الشركات خنق عملية إعادة البناء في العراق منذ البداية. وتبدأ القصة التي يرويها توماس ميلر في مارس 2003 عندما قام واحد من جماعات اللوبي الأميركي اسمه جوناس نيهارت بزيارة لمكاتب داريل عيسى العضو الجمهوري في الكونغرس.
وكان نيهارت يمثل شركة كوالكوم التابعة لشركة سان دييغو للاتصالات، وقد أراد التحدث في «البيزنس» إذ كانت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قد اقترحت منح عقد لبناء شبكة للهاتف المحمول في بغداد بعد الإطاحة بصدام حسين.
وقال نيهارت لموظفي الشركة إنه قلق لأن الشائعات تردد أن الاقتراح يفضل التكنولوجيا الأوروبية للهواتف الخليوية المعروفة اختصارا ب«جي. إس. إم» ولكن شركة كوالكوم سجلت براءة اختراع لتكنولوجيا أخرى منافسة معروفة ب«سي. دي. إم. إيه» ودخلت الاثنتان في معركة ضارية للسيطرة على الأسواق تشبه المعركة الدائرة بين مايكروسوفت وأبل، فإذا كانت الولايات المتحدة تنوي غزو العراق فعلا أليس من حق الشركات الأميركية أن تجني الفوائد؟!
وقد وافق السيناتور الجمهوري على ذلك، وهو بالمناسبة يعمل في تجارة أجهزة الإنذار للسيارات وتزدحم دائرته الانتخابية بموظفي كوالكوم، فكتب رسالة إلى دونالد رامسفيلد وزير الدفاع يقول فيها: «من غير المقبول أن تقوم الولايات المتحدة بتسليم أموال دافع الضرائب الأميركي إلى شركات فرنسية وألمانية وأوروبية أخرى لمعدات الهاتف المحمول، لكي تبني الشركة الجديدة في العراق». وفي يوم 26 مارس 2003.
وبينما كان الجنود يتجهون نحو بغداد، تقدم داريل باقتراح بمشروع قانون ينص على أن تمنح حكومة الولايات المتحدة الأفضلية للشركات الأميركية، بالنسبة للعقود في العراق. وكان بذلك يشير بوجه خاص إلى أن أي عقود للهاتف المحمول يجب أن تستخدم تكنولوجيا «سي. دي. إم. إيه» مما يضمن لشركة كوالكوم جني الأرباح جراء الحرب. غير أن مشروع القانون فشل ولكن قرار مجلس النواب الأميركي رقم 1441 كان أول إشارة إلى أن العراق ساحة مفتوحة لنشاط الشركات الأميركية، وذلك بفضل أصدقائها في الكونغرس.
وفي النهاية تفجر السباق على بناء نظام الشبكة في العراق وتحول إلى أضخم فضائح عملية إعادة البناء. ودمرت الفضيحة مستقبل اثنين من الموظفين الحكوميين كانا قد حذرا بشأنها، وأدت إلى إجراء تحقيق من قبل مكتب المباحث الفيدرالي، والى إلغاء جزء من عقد مربح، واستقالة موظف جمهوري كبير تم تعيينه لأسباب سياسية، وإجراء تحقيق بشأن المفتش العام بوزارة الدفاع.
وكان من بين اللاعبين تيد ستيفنس وهو من أقدم أعضاء مجلس الشيوخ عن ألاسكا، ومهندس سابق متخصص في المصاعد أصبح وزيرا للاتصالات العراقية، وشاب أيرلندي مغامر يعمل متعهدا للانترنت، وممول دولي مشكوك في أنه كانت له علاقات بصدام حسين، وقبيلة من مواطني ألاسكا. واتسعت العملية من العراق إلى البنتاغون وحتى إلى الدائرة القطبية الشمالية، وكانت بدون شك أغرب فصل في عملية «إعادة البناء».
معركة الهواء
ولا علاقة للقصة بأشهر موارد العراق الطبيعية وهو النفط، ولكنها تدور حول أقل الأشياء التي لم تستغل بعد وهو الهواء!!. وكان نظام صدام حسين الديكتاتوري قد منع إنشاء نظام للهواتف المحمولة بسبب خوفه منه. وعشية الحرب كان العراق هو السوق التي لم يقرع أبوابها أحد والذي يبلغ عدد سكانه 26 مليون نسمة من دون هواتف محمولة. وقدر المحللون أن عائدات تلك السوق تبلغ قيمتها ما بين 500 مليون إلى مليار دولار تدخل خزانة الشركة التي تنشئ النظام وتديره.
وتلك بالطبع مبالغ ضخمة بأي معيار ولا يمكن أن تمضي هكذا دون أن تنتبه واشنطن إليها. وأصبحت موجات الأثير الطليقة مغرية لشركة كوالكوم على الأخص التي كانت تناضل للحصول على موقع قدم خارج الولايات المتحدة. وتتمتع تكنولوجيا كوالكوم بعدة مزايا فهي تحتاج إلى عدد أقل من الأبراج وقدرتها أكثر تقدما بالنسبة لتحريك كتلة كبيرة من البيانات.
ولكن التكنولوجيا الأوروبية المطورة في فرنسا كانت أكثر انتشارا في أوروبا والولايات المتحدة حيث استخدمتها شركات مثل تي- موبايل، وسنغيولار، وإيه تي آند تي، فضلا عن أن نظام جي إس إم يسيطر سيطرة كاملة على منطقة الشرق الأوسط ويعتبر النظام المعتاد في كل دولها، ولذلك أصبحت أمام كوالكوم فرصة ضيقة للتسلل إلى السوق نظرا لعدم تناسب النظامين معا.
وبالتالي فإن معظم الهواتف التي تستخدم التكنولوجيا الأوروبية لا تستطيع استخدام شبكة تعتمد على تكنولوجيا سي. دي. إم. إيه والعكس صحيح، ولكن إذا تم اختيار تكنولوجيا كوالكوم لشبكة العراق فإن كل رجل أعمال عربي يسافر إلى العراق سوف يشتري هاتفا آخر جديدا لكي يستخدم واحدا في العراق والآخر في وطنه. ونتيجة لذلك بدا أن تكنولوجيا كوالكوم سوف تخسر السباق إلا إذا كانت الحكومة الأميركية تنوي مساعدتها.
وفشلت أول محاولتين من كوالكوم لاختراق السوق العراقية. وفي نهاية مايو 2003 قامت وزارة الدفاع الأميركية - نيابة عن سلطة التحالف المؤقتة ـ بمنح عقد صغير قيمته 45 مليون دولار لشركة إم. سي. آي التي كانت تحمل اسما سابقا هو: وورلدكوم عندما أفلست في عام 2002. ورغم تاريخها المشبوه أنشأت الشركة شبكة في العراق لا يعتمد عليها في شهر يونيو 2003 مستخدمة في ذلك تكنولوجيا جي. إس. إم الأوروبية.
وجاءت هجمة كوالكوم الثانية في الصيف عندما أعلنت سلطة التحالف عن منح ثلاث رخص للهاتف المحمول للعمل في العراق. وانضمت كوالكوم إلى كونسوريتوم حمل اسم ليبرتي موبايل بقيادة مقاول أيرلندي غامض اسمه ديكلان غانلي يمتلك مئات الملايين ويتنقل بسيارة رولز رويس ومرسيدس بالتبادل، ويسافر عبر أوروبا بطائرة هليكوبتر تحط على مهبط في قصره المنيف.
وفي مقابلاته الصحفية كان يرفض دائما الحديث عن ثروته، ولكن كان واضحا أنه كان يعرف جيدا كيف يعمل في الأسواق الناشئة في ظل ظروف مشوشة وقوانين مرنة. وقد جنى ثروة من تجارة الأخشاب الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ثم استثمر أموالا في الانترنت والاتصالات الهاتفية ومشاريع أخرى في أماكن مثل لاتفيا وبلغاريا وألبانيا. وكان العراق آخر جبهة واعدة بثروات هائلة تستحق المخاطرة.
وفي يوم 7 أكتوبر أعلن حيدر العبادي وزير الاتصالات العراقي أسماء الشركات الفائزة ولم تكن ليبرتي موبايل من بينها إذ فاز بالرخص الثلاث شركات تعمل بنظام جي. إس. إم ذات سجل موثوق به لعملياتها في الشرق الأوسط وهي: أوراسكوم في مصر، وآسياس للاتصالات الخليوية، وشركة كردية قائمة، ومجموعة «أثير» وهي كونسورنيوم عراقي يضم شركة جي. إس. إم كويتية.
ولم تحز ليبرتي موبايل حتى على أية مرتبة ضمن أهم عشر شركات متقدمة للعرض. وبهذا أغلق العراق في وجه شركة كوالكوم. ولحسن حظ تلك الشركة أنها عثرت على شخصية داعمة لها تتمتع باتصالات خاصة جيدة وهو جاك شو نائب وكيل وزارة الدفاع الأميركية. ويصفه مؤلف الكتاب بأنه شخص ثرثار ومروج للإشاعات ويعتبر بيروقراطية واشنطن نوعا من نوادي الملاكمة للمرشحين السياسيين للتعيين.
وكان عضوا دائما في مجتمع واشنطن يتمتع بجلسات العشاء المطولة في نادي متروبوليتان عبر شارع من البيت الأبيض، وهو بدين ويميل للصلع ويدين بولاء شديد لأولياء نعمته الذين كانوا يوفرون له وظيفة في أي وقت تكون فيه إدارة جمهورية في الحكم. وقد شغل شو وظائف متوسطة المستوى في عهد جيرالد فورد ورونالد ريغان وبوش الأب وقد عين في عهده مساعدا للوزير في وزارة التجارة.
وكان يعمل أيضا في القطاع الخاص بين الجمهوريين وساعد في بناء مدن نفط صناعية في المملكة العربية السعودية لشركة بوز ألين هاملتون وهي إحدى أقوى شركات واشنطن الاستشارية، وكان كذلك زميلا رئيسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وبعد سنوات قليلة في العمل في مجال الاستشارات أصبح جاك شو في عام 1998 رئيسا لشركة طبية اسمها العيادات الأميركية عبر البحار، ولكن لم ينجح في كسب المال ففي أكتوبر 2001 كتب في بيان سري في البنتاغون أنه لا يملك أصولا مالية وأنه لم يكن له دخل في السنة السابقة، وكذلك ذكر أن بطاقة الائتمان الخاصة به مدينة بمبلغ بين 10 آلاف و15 ألف دولار عليها فوائد دين نسبتها 19%.
وبعد انتخاب جورج دبليو بوش للرئاسة تغيرت أحواله وفي أكتوبر 2001 عينه رامسفيلد وزير الدفاع نائبا لوكيل وزارة الدفاع لشؤون تكنولوجيا الأمن الدولي. وعلى الورق كان مسؤولا عن مراقبة نقل المواد التكنولوجية الحساسة إلى الدول الأجنبية، وهو عمل يشبه ما كان يفعله في وزارة التجارة، ولكن نائبا آخر لوكيل وزارة الدفاع كان يقوم بنفس العمل. وخصص لجاك شو مكتب ولقب وعدد قليل من الموظفين ولكنه ظل بدون عمل.
وعندئذ جاء العراق.. ولم تكن لديه أية معرفة بمقاولات الدفاع ولا الاتصالات ومع ذلك عينه البيت الأبيض كمسؤول البنتاغون للاتصال بالعراق في المسائل الخاصة بالاتصالات لكي يساند كبير مستشاري التحالف في العراق الذي يعمل مع وزير الاتصالات العراقي. وكان شو بصفته هذه من رجال الصف الأول عندما بدأت معركة الهاتف المحمول لأول مرة، وعندئذ توجه إليه داريل عيسى ومعه السيناتور كونراد بيرنز الجمهوري ذو الصلات الوطيدة مع شركة كوالكوم، وحثه الاثنان على العمل على فتح المجال أمام تلك الشركة في العراق.
وكانت حجتهما التي تذرعا بها هي أن اختراق تكنولوجيا كوالكوم أصعب من الأوروبية ومعنى ذلك أن وكالات الاستخبارات الأميركية هي وحدها التي تستطيع التنصت عليها دون الأعداء. ولم يكن أحد يعرف أن لدى شو سببا شخصيا يدعوه لمساعدة الشركة إذ كان على علاقة صداقة قديمة بواحد من أعضاء كونسورتيوم ليبرتي موبايل وهو رجل أعمال اسمه دون دي مارينو الذي كان يعمل تحت رئاسة شو في وزارة التجارة قبل أن يصبح رئيسا لغرفة التجارة العربية - الأميركية.
وفي ابريل أو بداية شهر مايو عرفه دي مارينو بالمقاول الأيرلندي ديكلان غانلي، وأقنعه الاثنان بأن تكنولوجيا كوالكوم هي الأنسب لاحتياجات البيزنس في العراق وذلك رغم أن شو ذكر فيما بعد أنه لم يعرف بوضوح طبيعة دور صديقه في الكونسورتيوم، وقال «كان هناك صف طويل رمادي من الناس الذين يترددون على مكتبي».. وبعد خروج ليبرتي موبايل من صفقات العراق أصبح شو في مأزق، فكيف يستطيع منح صديقه قطعة من الكعكة؟.. عندئذ فكر في رجال الإسكيمو!!
العم تيد
يصف مؤلف الكتاب السيناتور تيد ستيفنس بأنه قاس سريع الغضب اشتهر بقدرته على جلب الأموال الفيدرالية إلى الولاية التي يمثلها. وقد أمكن اتصال المراكز الصغيرة النائية في قفار ألاسكا بجسور وطرق بفضل «العم تيد» وهو اللقب الذي أطلقه عليه الاسكيمو. ودلالة على مهارته في عالم البيزنس يقول مؤلف الكتاب إنه إذا وُجدت نقود في السلة فهو يرغب في اقتناص جزء منها، والعراق بالطبع سلة كبيرة.
وهكذا ظهرت براعة تيد في نجاحه في اللحظة الأخيرة في إضافة فقرة إلى مشروع القانون الخاص بإعادة بناء العراق الذي وقعه بوش في نوفمبر 2003. وقد وفرت الصياغة عدة مزايا خاصة لمجموعة من المقيمين في دائرته الانتخابية الذين يمدونه لا بأصوات الناخبين وحدها، بل وكذلك بجانب من دخله الشخصي، وهي المجموعة المسماة مؤسسات ألاسكا الوطنية وهي التي كان تيد ستيفنس قد ساعد على إنشائها في سبعينيات القرن العشرين لتسوية المطالب الإقليمية المعلقة لقبائل الاسكيمو.
شعر الديمقراطيون والجمهوريون الأميركيون بالغضب لأن الجولة الأولى من عقود بناء العراق منح أكثرها إما سرا أو بدون إعلان عطاءات تتنافس فيها الشركات المختلفة. وعند اقتراح صرف 4,18مليار دولار، أراد الكونغرس تحسين الشفافية فاقترحت السيناتور سوزان كولينز الجمهورية المعتدلة، ومعها السيناتور الديمقراطي رون وايدن إضافة فقرة خاصة إلى مشروع قانون إعادة البناء تشترط وجود منافسة كاملة وعلنية بشأن أية عقود باستثناء تلك المتعلقة بالأمن القومي.
وكانت هناك مؤسسة ضخمة أخرى اسمها «نانا باسيفيك الإقليمية» تدخل عمليات حفر آبار النفط، وعمليات المناجم الكبرى، ضمن نشاطها ولها فرع يسمى «نانا باسيفيك» يقوم بأنشطة أصغر ويركز بشكل خاص على هندسة نظم المياه والصرف الصحي وترأسه سيدة اسمها جانيت رايزر التي أبلغت ستيفنس وأعضاء آخرين في وفد ألاسكا، بأن شركات ألاسكا تريد أن تلعب دورا في التدافع نحو منجم الذهب في العراق.
وفي الاجتماعات النهائية بين مجلسي النواب والشيوخ للبت في تفاصيل مشروع القانون الخاص بإعادة بناء العراق، انتهز ستيفنس الفرصة وأضاف في هدوء إلى صيغة القانون ما يفيد حماية شركات ألاسكا الوطنية. وتجاهلت جانيت رايزر سخرية البعض من فكرة ذهاب الاسكيمو إلى العراق للعمل وقالت لمؤلف الكتاب: إذا استبدلت الرمل بالثلج فإن العمل في العراق شبيه بما فعلناه في ألاسكا، ونحن نعرف كيف نقوم بالنشاط اللوجيستي في المناطق النائية». وبعد شهور قليلة من الموافقة على قانون إعادة البناء كانت شركة جانيت رايزر في طريقها إلى الحصول على عقد في العراق بفضل جاك شو.
وفي خريف عام 2003 استقبل شو صديقا قديما من أحد مجمعات اللوبي اسمه ديك باورز ممثل شركة نانا باسيفيك. وكانت الشركة آنذاك مهتمة بالحصول على عقد لتطهير ميناء أم قصر في جنوب العراق عن طريق الاشتراك مع شركة شحن السفن المسماه «إس إس إيه مارين».
وأدرك شو أن شركة نانا تستطيع بسهولة أن تشارك ليبرتي موبايل وكوالكوم، ودون إعلان عطاء مفتوح، ودون منافسة من أحد، ولكن المشكلة هي أن سلطة التحالف ليست لديها خطة للتعاقد على إنشاء شبكة جديدة للهاتف الخليوي، ولكن جاك شو لمح الفرصة التي يحتاج إليها في برنامج لإقامة نظام اتصالات لاسلكية جديد للشرطة وربطه مع قوات الأمن العراقية.
كذلك أدرك شو إمكانية تعديل عقد الشرطة بحيث يسمح لشركة ليبرتي موبايل بإقامة سلسلة من أبراج الهاتف الخليوي في جميع أنحاء العراق مع استخدام تكنولوجيا سي. دي. إم. إيه الخاصة بشركة كوالكوم، وبذلك يكون قد ضمن لأصدقائه موطئ قدم طالما سعوا إليه.
وذكر في رسالة له أن الولايات المتحدة تستطيع «إقحام» نظام سي دي إم إيه في عقد الشرطة بحيث يستطيع أن يأخذ شكل خدمة تجارية مع احتفاظنا بالسيطرة عليها. ولتعزيز خطته لجأ شو إلى ترتيب اتصال بين رايزر وغانلي لمناقشة اقتراح شبكة الهاتف المحمول، وظل الاثنان يتفاوضان طوال أربعة أشهر حول التحالف حتى أن رايزر قامت بزيارة غانلي في أيرلندا لإنهاء الاتفاق.
وفي شهر يناير اتفقا على العمل معا بحيث تحصل شركة نانا على عقد الشرطة مستخدمة قدرتها على التعاقد المباشر، وعندئذ تترك العمل الفعلي لغانلي من الباطن والذي أنشأ شركة جديدة باسم «غارديان نت» لممارسة العمل على أن يكون مجلس إدارتها مطابقا لمجلس إدارة ليبرتي موبايل على أن يشترك غانلي ودي مارينو في كلا المجلسين مثلما فعل بول فيسكنس النائب الأول لرئيس شركة كوالكوم.
وفي 12 يناير 2004 عقد شو اجتماعا في مكتبه في البنتاغون حضره غانلي وشو وممثلون لشركتي نانا وكوالكوم. وكان شو حريصا على تأكيد تركيبة نانا وغارديان نت وقال: «هذا هو الحل الذي اخترناه والذي لا سبيل إلى غيره» وذكر أن على من لا يرى ذلك أن يبتعد عن الطريق، ولكن رغم هذه الرسالة ظهر شخصان لم تلحق بهما رسالة شو وهما دان سودنيك وبوني كارول.
وقد عمل دانييل سودنيك في مجالات الاتصالات اللاسلكية، لأكثر من ثلاثة عقود قبل أن يذهب إلى العراق وهو خبير أمين وصارم في مجال عمله. وكان أحد أصدقائه جيري جونز الذي كان البيت الأبيض قد كلفه باستئجار كبار الموظفين للعمل في العراق. وقد اتصل جونز بدانييل سودنيك وقال إنه يريده أن يلتحق بسلطة التحالف المؤقتة في العراق ليشرف على وزارة الاتصالات العراقية، ووافق سودنيك وقام بتحضير دراسة ووضع مسودة خطة قدمها إلى البنتاغون، وبعد أسبوعين كان في طريقه إلى العراق.
وفي ذاك الصيف أدار عملية التنافس على الحصول على رخصة شبكة الهاتف المحمول. وكان الأمر شديد القسوة إذ تسلمت سلطة التحالف خمسة وثلاثين عرضا رسميا لبناء تلك الشبكة وكان عليه شخصيا أن يراجعها لاختيار الفائز بالعقد. وبعد إعلان النتيجة في شهر أكتوبر اشتد الجدل حولها واعترضت إحدى الشركات الخاسرة وبدأت تظهر روايات مختلفة عن الفساد في صحيفة فاينانشيال تايمز وغيرها، وكل قصة تنذر بسوء أفدح من سابقتها.
ولم يعرف دانييل سودنيك مصدر تلك القصص آنذاك، ولكن جاك شو كان هو الذي بثها على أمل إلغاء العملية كلها وقيام الولايات المتحدة بشطب العقود وإعلان عطاء جديد، فضلا عن أنه قام في نفس الوقت بالاتصال بالمفتش العام في وزارة الدفاع ليشكو إليه. واستغرق التحقيق وقتا طويلا وأهدر أموالا كثيرة ولكنه لم يجد دليلا على ارتكاب أية أخطاء، ومع ذلك فقد زاد التحقيق من تلويث سمعة الجهد الأميركي في العراق. وبفضل قصص شو المدسوسة ظهرت أميركا بمظهر المنغمس في نفس الفساد والكسب غير المشروع الذي كان سائدا في ظل حكم صدام حسين.
ويثير مؤلف الكتاب لمحة من التعاطف مع سودنيك إذ يؤكد أنه لم يكن يعلم بما يفعله جاك شو سرا، ولذلك لجأ إليه لكي يساعده فقام شو بتكليف واحدة يعتبرها من أهم أسلحته بمساعدة سودنيك في العراق واسمها بوني كارول وهي سيدة مخلصة للحزب الجمهوري وأرملة ضابط كبير كان يرأس الحرس الوطني في ألاسكا.
وقد أنشأت منظمة لخدمة المحاربين القدماء لمساعدة أسر من ماتوا من العسكريين. وعندما ساعدت في حشد الأصوات لصالح حملة بوش الانتخابية عام 2000 كوفئت بتعيينها في وظيفة مسؤولة البيت الأبيض عن الاتصال مع إدارة شؤون المحاربين القدماء.
وكان كل من سودنيك وبوني كارول يعرف دعم شو لشركة كوالكوم وأنه يريد دمج كونسورتيوم كوالكوم مع مؤسسات ألاسكا الوطنية للحصول على عقد الشرطة، ولم يعرفا علاقة شو بشركة ليبرتي موبايل ولم يهتما جديا بخططه لتوسيع نظام الاتصال اللاسلكي للشرطة بحيث يمتد إلى إنشاء شبكة هاتف محمول. وكان سودنيك قد أرسل له عدة مذكرات يوضح فيها أن المشروعين يختلفان عن بعضهما تماما.
وتوطدت العلاقة بين سودنيك وبوني كارول وأخذا يبحثان معا كل الوثائق المتعلقة بالصفقة وتأكدا للمرة الأولى من أن شركة غارديان نت هي نفسها شركة ليبرتي موبايل التي سبق أن خسرت عقد إقامة شبكة للهاتف المحمول في العراق، وأن عقد الشرطة هو الباب الخلفي لشركة كوالكوم لتقوم بإنشاء الشبكة لحسابها.
وانكشفت خطة جاك شو وتأكد لهما أنه يستغلهما لتمرير العملية كلها فثار غضبهما وطلبا من مسؤولي سلطة التحالف استبعاد شركة نانا من العقد. وكانت تلك الخطوة مخاطرة منهما إذ كانا يعرفان أنهما يواجهان مراكز قوة بما فيها مسؤول كبير في البنتاغون تربطه صداقات وطيدة بذوي النفوذ والمؤسسات الأميركية الكبرى. وقالت كارول لسودنيك: «لقد قضي علينا»، وأمرت سلطة التحالف بإلغاء مهمة شركة نانا من العقد والخاصة بالشرطة.
قبلة الموت
وفي الساعة الثانية بعد منتصف ليل 9 مارس2003 تلقت بوني كارول مكالمة هاتفية من جاك شو الذي كان يصرخ في الهاتف ويأمرها بالإبقاء على نصوص العقد كما هي وصرخ فيها قائلا: «ستدفعون ثمنا غاليا.. أنت لا تعرفين حجم وضخامة هذا الشيء» ثم أنهى المكالمة دون أن يسمع منها كلمة.
وفي اليوم التالي صب شو غضبه على سودنيك وهدد بأنه سوف ينحي كارول، وطلب منه تقديم استقالته، ثم أرسل له برقية بالبريد الالكتروني حافلة بسيل من الشتائم وبكل ما في خزانة بيروقراطية البنتاغون من ألفاظ القدح والذم، وفي واشنطن عمل شو طوال الوقت على تدمير سمعة سودنيك وأشاع في كل مكان في البنتاغون أنه رجل فاسد، وشرعت شركة نانا أسلحتها ضده. وفي يوم 23 مارس استدعاه نائب وولفويتز للعمليات وطلب منه تقديم استقالته. وشعر سودنيك بالمرارة وبأنه قد خدع، ووافق على الاستقالة وتبعتها استقالة كارول بعد قليل.
وبعد عودته كتب تقريرا بشكوكه إلى المفتش العام في البنتاغون الذي كان بوش قد عينه في ذلك المنصب واسمه جوزيف شميتز، وقد اتخذ الرجل خطوة ملتوية غريبة إذ وافق على اتفاق غير اعتيادي يقضي بانتداب شو ليكون مستشارا للمفتش العام، ثم قرر إحالة القضية إلى «الإف بي أي». ويصف مؤلف الكتاب هذه الخطوة بأنها «قبلة الموت». وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي مستغرقا في المسائل المتعلقة بالإرهاب ولا يبدي اهتماما بقضايا الفساد الإداري.
وأبدى كبار المحققين التابعين للمفتش العام اعتراضهم واصفين تصرفه بأنه حركة محسوبة لمساعدة زميل معين لأسباب سياسية، وبعد ذلك بمدة أصبح شميتز هدفا لاستجواب قاده السيناتور الجمهوري تشارلز غراسلي الذي اتهمه بإعادة التحقيقات مع شو وغيره من كبار الجمهوريين لأسباب سياسية.
واستمر شو من جانبه في تكديس الاتهامات على رأس سودنيك، وفي النهاية أعد تقريرا في 188 صفحة احتوى على قصة خرافية ذات أبعاد دولية وتحالفات غير حقيقية معتمدا على برقيات مجهولة ومعلومات من غانلي ودي مارينو وإشاعات مما أسماه «الشارع العربي» ونسج ذلك كله مع فضائح برنامج النفط مقابل الغذاء، ولجنة فرنسية، وشركة غامضة للاتصالات في لوكسمبورغ. وأقحم كذلك أسماء مثل دوغ فيث وكيل وزارة الدفاع، وأحمد جلبي، ورئيس موظفي رامسفيلد وزير الدفاع.
وكان من الممكن أن يبقى جاك شو في منصبه حتى خريف عام 2004 ولكن نزوعه إلى نظرية التآمر تفجر مرة ثانية خلال الأيام الأخيرة للانتخابات الرئاسية. وفي يوم 25 أكتوبر نشرت صحيفة نيويورك تايمز قصة هائلة على صفحتها الأولى عن فشل البنتاغون في تأمين مخزن للأسلحة في العراق أثناء الغزو، وقد اختفى 380 طنا من المتفجرات من موقع القعقاع جنوب بغداد.
وتحولت مسألة المتفجرات إلى إحدى القضايا الكبرى في الأيام الختامية للحملة الانتخابية. واتصل شو هاتفيا بأصدقائه من الصحفيين في صحيفة واشنطن تايمز وفاينانشيال تايمز، وزعم أن مكتبه تلقى معلومات «موثوقا بها» من مصادر استخبارات أوروبية لم يذكر اسمها مفادها أن مجموعة كوماندوز روسية تسللت إلى العراق قبيل غزو العراق بقليل لاختطاف المتفجرات.
وخلال أربع وعشرين ساعة تغير مسار القصة وأخذ المعلقون المحافظون وشبكات التليفزيون يعلنون أن مسؤولا كبيرا في البنتاغون صرح بأن لديه إيضاحات ترفع اللوم عن بوش، ولكن هذا كلام مناف للعقل، وحتى لو ساعدت الرئيس الأميركي فالذي حدث هو أن مسؤولي إدارة بوش أخذوا ينفون القصة الواحد وراء الآخر، وحتى رامسفيلد نفسه أعلن نفيا صريحا لها. وكانت قصة الكوماندوز الروسي الكاذبة القشة النهائية بالنسبة لجاك شو وطلب البنتاغون منه أن يقدم استقالته فلما أصر على الرفض فصل من وظيفته.
ولم يضف فصله كثيرا في الكشف عن أسرار فضيحة شبكة الهاتف المحمول. ولم توجه إليه أية اتهامات بشأنها، ولم يبد أنه جنى أموالا من ورائها.. وبعد مغادرة سودنيك العراق بدأت الولايات المتحدة من جديد عملية الشرطة واستغرق الأمر سنتين مات خلالهما ألوف الجنود الأميركيين وضباط الشرطة العراقيين وكان من المحتمل أن ينجو بعضهم على الأقل لو استطاعوا استخدام هاتف محمول لطلب النجدة.
وينهي مؤلف الكتاب تلك القصة بقوله: كان ذلك فصلا من فصول الانتصار المكلل بالعار للمصالح التجارية الضيقة على سياسة استراتيجية جوهرية، ويمكن قول الكثير من القصص المماثلة لصناعة النفط العراقية.
عرض ومناقشة: صلاح عويس
