يشغل الجنرال برويز مشرف منصب رئيس الدولة في باكستان منذ أن قام في 12 أكتوبر 1999 بانقلاب عسكري، وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عزز تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وشن سلسلة من العمليات العسكرية ضد مقاتلي طالبان المقيمين في الأقاليم الحدودية مع أفغانستان. وفيما يعتبر مشرف طاغية من قبل معارضيه، فإن أنصاره ينظرون إليه على أنه عسكري محنك.

صحيفة «الباييس» الاسبانية التقت الرئيس الباكستاني في مدريد، مؤخرا، وكان لها معه حوار تشعبت موضوعاته وتنوعت بمقدار تشعب وتنوع الخارطة السياسية لبلاده، سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي أم الإقليمي، وصولا إلى العالمي.

ويعتبر الجنرال الرئيس أنموذجا للعسكري الدائم، فالقضية هنا لا تتعدى كونها قضية ملابس يبدو أن غمد السيف فيها لم يتزحزح من مكانه وحتى الرتب والأوسمة العسكرية تبدو وكأنها قابعة تحت البزة الرسمية التي يرتديها.

كل شيء يتعلق به في هيئته ومكانه، عقيدة الإنقاذ التي عادة ما تأسر قلوب المنضوين تحت لواء الجيوش. وهذا الرجل، الذي وصل إلى سدة الحكم عن طريق انقلاب عسكري وبذل جهودا مضنية، لكن غير كافية ،لإضفاء صبغة شرعية على ولايته أمام العالم، عقد صفقة جيوسياسية مع الـ 11 سبتمبر والحرب ضد طالبان في أفغانستان.

وهكذا تحولت إسلام أباد إلى حليف حيوي في الحرب ضد القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن، الذي يبدو أنه لا يزال مختبئا بين إقليم وزيرستان الباكستاني والحدود الأفغانية. لكن ذلك الوضع لا يجعل من دور مشرف مهمة سهلة التحقيق بأي حال من الأحوال سيما وأنه عالق بين موقف الولايات المتحدة العدائي،

الذي لا ينقصه بعض الدعم للإرهاب من جهة، وبين مطالب واشنطن من الجهة الأخرى. ولقد قام الجنرال، مؤخرا، بزيارة إلى اسبانيا للتحدث عن تحالف الحضارات وكذلك التعاون في محاربة ذلك الجنون الإرهابي.

ولايته الرئاسية تنقضي في 15 نوفمبر وهو يؤكد أنه سيرشح نفسه للانتخابات- في سبتمبر- في طقس سيتكفل باستكمال شعائره البرلمان الذي فيه عدة أحزاب تساند ذلك الترشيح. ولضمان تمهيد الطريق أمامه، تم مؤخرا إخضاع افتخار محمد شودري رئيس المحكمة العليا في باكستان، الذي لا يعتبر تلك الحركة دستورية، لتحقيق هدف - كيدي- من الصعب أن يخرج منه الرئيس محمودا.

بيد أن مشرف يحرص دائما على القانون، الذي وضعه بنفسه ويقول: « أنا لم أقيل أحدا، كل شيء حسب القانون. فالمجلس القضائي أقر الاتهام الموجه للسيد شودري والمسألة قيد التحقيق، لكنها ليست محكمة، وصلاحياتها ستبقى مقيدة إلى أن تنتهي الإجراءات القانونية المتبعة فقط «.

لكن في الشارع هناك من أخذ الأمر على محمل سيء إلى درجة استدعت اندلاع موجة من الاحتجاجات. مشرف يعلق على هذا الأمر قائلا: « في باكستان يعيش 150 مليون نسمة والذين يتظاهرون لا يتجاوز عددهم مليونين أو ثلاثة ملايين فقط. ما هذا؟«، إنه رقم كبير حتى ترى الشرطة نفسها « مجبرة «- كما كان يقال أيام فرانكو في اسبانيا- على التصرف بحزم.

من بين الذين يشغلون بال الرئيس يبرز نظيره الأفغاني حامد قرضاي وهو حليف آخر يتمتع بالحظوة لدى الولايات المتحدة وهو يقول عنه: «الذين لا يفعلون شيئا ضد الإرهاب مثل قرضاي هم الذين ينتقدون من يناضلون مثلنا نحن، الذين لدينا 80 ألف رجل منتشرين على طول 2600 كيلومتر من الحدود.

والذين يقولون إن آي. إس. آي. ( المخابرات العسكرية الباكستانية التي يؤكد كثيرون أنها تشكل دولة داخل الدولة) تساعد مقاتلي طالبان، لأننا نريد أفغانستان ضعيفة، يكذبون. نحن لا نريد أن نحكم أفغانستان ولا نريد أن نمارس دور الوصي على أفغانستان، نريد أفغانستان مستقرة وديمقراطية.

وهم يقولون ذلك للتغطية على عارهم لأنهم يخسرون الحرب ضد طالبان ويريدون إنقاذ أنفسهم بإلقاء اللوم على الآخرين. وهم لا يملكون ولو فكرة عما يقولون وما يقولونه يفتقر للأفكار». ويستطرد الرئيس: «بن لادن والملا عمر ـ زعيم طالبان ـ ربما كانا مختبئين في أفغانستان وأنا لا أعتقد أنهما عبرا مطلقا إلى باكستان. لكن أحدا لا يستطيع تأكيد ذلك .

فكل شيء بمثابة لعبة تكهنات. وكذلك ليس صحيحا، مثلما نشر، أننا قمنا بالتوقيع على اتفاقية مع طالبان في وزيرستان، نحن قمنا بالتوقيع على اتفاق مع زعماء القبائل ورجالات الدين في المنطقة وذلك كي لا يقدموا ملاذا لمقاتلي طالبان. لأن ما نخوضه ليس قتالا عسكريا وإنما سياسيا. وتلك هي الحرب التي يخسرها قرضاي».

وبالحديث عن الحروب الخاسرة، ما الذي يحدث في العراق برأي الرئيس الباكستاني؟ لا ينكر مشرف، الذي يبدو معتدلا دائما حتى في التعبير أحيانا، ولا يقبل بوصف مغامرة الرئيس بوش العراقية على أنها مغامرة كارثية، لكنه يردد أن ليس هناك من طريق آخر غير التفاوض، مؤتمر تشارك فيه كل من إيران وسوريا يسمح « بتوفير الأمن للعراقيين أنفسهم،

الأمر الذي ربما يقود إلى إبعاد القوات الأميركية عن بؤرة الاهتمام». بيد أن الانسحاب الفوري بالنسبة لرجل عسكري يبقى خارج نطاق الحسابات بصورة كلية، لأنه «قد يشكل دوامة من عدم الاستقرار قد تمتد لتطال الشرق الأوسط بأكمله».

موجة تسونامي التي لا يمكن إيقافها، برأي الرئيس، تتمثل فيما إذا كانت إيران الهدف التالي، لكن مشرف يستبعد في حال «استمرار المواجهة» أن يكون هناك تدخل أميركي ضد طهران وبرنامجها النووي. وهو يقول إن «ذلك سيؤثر علينا جميعا،

مع الأخذ بعين الاعتبار أن غالبية شعبي مناهضة لأميركا وذلك الشعور سيزداد. لكن ذلك لا يعني التوقف عن فهم طبيعة تحالفنا الاستراتيجي مع واشنطن، السياسة التي خدمت باكستان على نحو جيد خلال عقود من الزمن».

بيد أن الباكستانيين لم يظهروا له، مع ذلك، ذلك التقدير عندما قام الرئيس الأميركي جورج بوش في هذا الوقت من العام الماضي بالتوقيع في نيودلهي على اتفاق للتعاون النووي مع الهند، أضفى صبغة شرعية على القنبلة الهندية فيما القنبلة الإسلامية، قنبلة باكستان،وهو البلد الإسلامي الوحيد الذي يملك مثل هذه القنبلة، فإن التسامح الذي تعامل به من واشنطن لا يحمل صفة الاتفاقيات الرسمية.

في هذه اللحظة من الحوار بدا الرئيس مشرف جالسا بصمت، لكن خطابه كان يموج بحركة سريعة وكأنه يتجنب ضربة ما حين قال: «العلاقات مع الهند لم تكن جيدة أبدا مثلما هي عليه الآن وأنا قمت بنفسي بصياغة مقترحات لحل المشكلة الكشميرية،

وهي تتعلق بتثبيت خط وقف إطلاق النار ـ المحدد إثر الحرب الأولى مع الهند في عام 1948 ـ فضلا عن تثبيت الإدارة المشتركة للبلدين على كامل الأرض». بيد أن مشرف يتكلم، مع ذلك، عن إدارة مع إشارة إلى السيادة.

وعن دور دول أوروبية مثل اسبانيا في هذا البحر المتلاطم من الاحتمالات، يؤكد مشرف أن «لاسبانيا مهمة خاصة للغاية متصلة بشكل مباشر بالوضع في وسط آسيا، حيث لا يوجد أحد يتمتع بمصداقية أمام الرأي العام الفلسطيني مثل اسبانيا وذلك ينبغي استغلاله حتى يكون للاتحاد الأوروبي حضور أكبر وبصورة مباشرة في الصراع .

كما أن ذلك يعادل بداية حل المشكلات المتبقية في المنطقة، لأن فلسطين هي أم القضايا وقلب كافة الصراعات التي تعصف بالعالم الإسلامي وذلك ملاحظ في العراق ولبنان وأفغانستان وإرهاب القاعدة . فمن أجل إرساء دعائم السلم في المنطقة لا بد أولا من الاهتمام بحقوق الفلسطينيين. أما في أي حالة أخرى فسيكون الأمر كما لو كنا نضع العربة أمام الحصان».

ترجمة : باسل أبو حمدة عن «الباييس»