ينقل لنا المؤلف في هذه الحلقة مشاهداته في العراق خلال الزيارات التي قام بها لذلك البلد بعد الغزو الأميركي له، حيث يشير إلى أنه بات مقصداً مغرياً لشركات الأمن الخاص التي لبعض منها سجل أسود في أوطانها وفي بلدان أخرى تشهد توترات وصراع مصالح على الثروات،
فهذه الشركات لا يتورع أفرادها المأجورين عن قتل الأبرياء من العراقيين وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. ورغم أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية عن أفعال هذه الشركات، إلا أن ميلر يرى أن تلك المسؤولية ما هي إلا على الورق، فعندما ترتكب أي مخالفة من قبل عناصر شركات الأمن الخاصة، فإنه لا يتم توجيه أي اتهام لأحد ومن يدفع الثمن هو الشعب العراقي ودافع الضرائب الأميركي. قبل أن نمضي مع كتاب ميلر، نجد أن من الضروري أن نلقي نظرة على الموقف في العراق من خلال وسائل الإعلام الأجنبية. وعلى الفور نلاحظ أن معظم الصحف البريطانية والأميركية وغيرها تؤكد أنه بعد مرور أربعة أعوام على غزو العراق لا تزال الإحصائيات المؤكدة حول الخسائر البشرية لهذا الغزو قليلة وأحياناً نادرة.. وقد ذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية في عددها الصادر يوم 6 فبراير 2007 أن عدد القتلى في العراق في شهر يناير الماضي بلغ ألفي قتيل على الأقل من المدنيين العراقيين وقوات الأمن والجيش العراقية والقوات الأميركية والبريطانية، وأن ذلك الشهر شهد تصعيدا خطيرا للعمليات العسكرية والهجمات وعمليات التفجير التي شملت العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.
وتؤكد الصحيفة البريطانية أن بعض الصحف الأميركية الكبرى مثل نيويورك تايمز تقلل من مستوى أعمال العنف في معظم مناطق العراق لأنها تعتمد على المصادر الحكومية والعراقية الرسمية والجيش الأميركي، وهي أطراف تمتنع عن الإعلان عن حقيقة أعداد القتلى والجرحى لأسباب واعتبارات مختلفة. ويقول البروفيسور ريتشارد غارفيلد، وهو أستاذ في جامعة كولومبيا شارك في إعداد دراسة عام 2004 في هذا الموضوع، إن إحدى الأساطير والخرافات التي تروّج لها إدارة بوش هي أن العراق يعيش في هدوء واستقرار باستثناء أربع محافظات فقط. وتُكذب الدراسة تلك المزاعم، ويشير البروفيسور الأميركي إلى أن هناك مدنا وقرى كثيرة في أنحاء العراق تشهد قتالا عنيفا واشتباكات واسعة لا نعرف عنها شيئا. وعاد الدكتور غارفيلد وبعض زملائه إلى إعداد تقرير في أكتوبر عام 2006 جاء فيه أن عدد المدنيين وأفراد الأمن الذين قتلوا بلغ نحو 655 ألفاً. وتؤكد صحيفة الإندبندنت في مطلع فبراير 2007 أن العراق أصبح ممزقا بالحرب ولا أحد فيه يشعر بالأمن والسلامة في ظل شلالات الدم التي تتصاعد مع تصاعد العنف. وإذا عدنا إلى كتابنا الذي نستعرضه نجد أن مؤلفه خصص الفصل الثامن لتسجيل مشاهداته الشخصية في زياراته للعراق وخاصة انعدام الأمن بعد الغزو، ويختار لذلك الفصل من الكتاب عنوانا دالاً هو: «الجيوش الخاصة»،
وتحت عنوان فرعي آخر يتحدث عن «البنادق المستأجرة»!! ويبدأه بقوله إنه بينما طارد العنف المتزايد بعض الشركات لتخرج من البلاد، ازدهرت تجارة أخرى هي: شركات الأمن الخاصة. وقد جاءت تلك الشركات في حشد إلى العراق من جميع أنحاء العالم وفي مقدمتها قوة دلتا السابقة، و«رجال الفقمات» من الولايات المتحدة، وفرقة غورخاس من نيبال والمدربة في بريطانيا، وقوات «إيليت ساس» من المملكة المتحدة، والحروف هنا تشير إلى أنها «سلاح جوي خاص»، وفرقة كوماندوز الشرطة السابقة من جنوب افريقيا، وجنود مدربون في الولايات المتحدة من كولومبيا والسلفادور. ولا تعرف البنتاغون على وجه الدقة عدد الرجال المسلحين الذين تعاقدوا على العمل في العراق، وقد قدرت وجود ستين شركة تضم نحو 20 ألف موظف، بينما ذكرت تقديرات أخرى أن عدد الشركات يصل إلى ما بين 80 و100 شركة تضم نحو 25 ألف مسلح.
وإذا جمعت تلك الأرقام نجد أن عشرات الألوف من جنود شركات الأمن الخاصة يمثلون أكبر ثاني قوة عسكرية في العراق ويجيء ترتيب حجمها قبل الجيشين البريطاني والبولندي. ولم يحدث أبدا من قبل أن تجمعت هذه الأعداد الكبيرة من شركات الأمن الخاصة في مكان واحد، ولا لعبت مثل ذلك الدور الحاسم على المسرح العالمي.
وأصبح العراق «وادي السليكون للبنادق المستأجرة» كما يصفها مؤلف الكتاب الذي يقول إنه بذلك يكافئ المخاطر ويغذي تزايد عمليات التفجير. وقد دفعت الحكومة الأميركية رواتب مجزية مقابل الحصول على تلك الخدمات، وبسهولة يتقاضى من لديه خبرة سابقة في القوات الخاصة مبلغا يتراوح بين 100 ألف و200 ألف دولار في السنة.
وإرسال مجموعة من خمسة رجال لحماية مهندس واحد أثناء تفتيشه لمحطة كهرباء، يتكلف خمسة آلاف دولار يوميا. وتلتهم نفقات الأمن 22% في المتوسط من عقود عملية إعادة الإعمار. وتقاضت شركات الأمن 766 مليون دولار على الأقل من عقود في العراق، كما يذكر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي.
ويرى ستيوارت بويين المفتش العام أنه لا يمكن التهوين من أثر نفقات الأمن على عملية إعادة إعمار العراق، وقال أحد كبار مسؤولي البنتاغون إن هذا التأثير واضح وغير مسبوق. ويقول مؤلف الكتاب إن تجارة الأمن الخاصة تمتد بجذورها إلى آلاف السنين في الماضي، وطالما وجدت الحروب يوجد رجال يقاتلون مقابل أجر.
ويزعم أن رمسيس الثاني فرعون مصر استأجر نوبيين في معركة قادش عام 1294 قبل الميلاد، واعتمد أهل قرطاجة على محاربين مستأجرين في أول حروب قرطاجة مع روما والتي عرفت باسم حرب المرتزقة. ومنذ العصور الوسطى حتى سنوات القرن الثامن عشر كان المرتزقة يسيطرون على الحروب الأوروبية، وكانت تتجول مجموعات منهم ليبيعوا خدماتهم لمن يدفع أكثر.
وبحلول بدايات القرن العشرين اختفت تلك الظاهرة نتيجة لسعي الحكومات الوطنية إلى احتكار استخدام القوة وحل الشعور الوطني مكان الربح كرمز أو دافع للحرب. واعتبرت اتفاقيات جنيف الجنود المرتزقة خارجين على القانون وحرمتهم من أشكال الحماية أثناء الحرب،
ولكن الحرب الباردة أوقفت الحاجة إلى استخدام جنود مرتزقة وجنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مليارات الدولارات من بيع السلاح لزبائنهما من الدول المحتاجة إلى تدعيم قواتها المسلحة. وعندما انتهت الحرب الباردة انتهى الركود الطويل في استخدام المحاربين الأجراء وأخذت دول في أميركا اللاتينية وافريقيا وآسيا تستعين بشركات عسكرية خاصة طوال تسعينات القرن العشرين.
واستؤجرت شركات خاصة للقتال في سلسلة حروب قذرة في افريقيا كانت في الغالب صراعا ضاريا على موارد مثل الماس والنفط. وكانت إحدى الشركات تستخدم جنودا من نخبة فرقة عسكرية من قوات جنوب افريقيا العنصرية السابقة،
وقد استأجرتها حكومة أنغولا لاستعادة منطقة نفطية كان متمردو منظمة يونيتا بزعامة جوناس سافيمبي قد استولت عليها عام 1993 بدعم من الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة. وبدأ بعض الخبراء الدوليين يرون في الشركات الخاصة حلا للحروب الصغيرة الشريرة التي سادت فترة ما بعد الحرب الباردة.
ولم يتحمس المجتمع الدولي لتوريط قوات في عمليات حفظ السلام، بينما تعاني الحكومات المحلية من ضعف شديد يمنعها من خوض عملياتها العسكرية، وسدت الشركات العسكرية الخاصة تلك الفجوة، بل كانت منظمة بشكل أفضل من الجيوش التي من المقرر أن تحل محلها، وتمتلك معدات وخبرة أفضل وبالتالي قدرة أفضل على خوض القتال.
سوق سيئة السمعة
وفي العراق قامت شركات الأمن الخاصة بأكبر أدوارها إذ وفرت الجانب الذي يعتقد الكثيرون من الخبراء العسكريين أن الجيش الأميركي في حاجة إليه في العراق. وشكا المنتقدون لتلك الشركات من أنها تستخدم مرتزقة من طراز العصر الحديث الحالي فتستأجر رجالا ذوي ماضٍ مبهم لقتل العراقيين مقابل المال.
ولم تستطع أميركا العمل في العراق من دون الشركات الخاصة، فليس لدى القوات المسلحة الأميركية قوات تقوم بدوريات حراسة المواقع الاستراتيجية الحيوية مثل خطوط أنابيب البترول وأبراج الكهرباء، والوزارات والمباني الحكومية،
كما أن القوات الأميركية تفتقر إلى القوات اللازمة لحماية المسؤولين الأميركيين والمقاولين الخاصين القائمين على إعادة إعمار العراق. واضطرت الولايات المتحدة إلى دفع مبالغ تفوق ما تصورته لذلك الجيش من شركات القتال الخاصة التي ساعدت على وجودها.
وفي مناسبات عديدة خاضت تلك الشركات معارك ضارية مع المقاومة العراقية امتدت لساعات طويلة وخاصة في الأيام التي أعقبت انتفاضة ابريل 2004. وفي الكوت خاض أربعة من المستأجرين من شركة «هارت للأمن» معركة دامت أربع عشرة ساعة على سطح مبنى قيادتهم المحلية. بينما لم تستجب قوات التحالف لتوسلاتهم بإرسال نجدة لهم.
ويستطرد الكتاب في رواية بعض عمليات شركات أمن خاصة يسميها بالاسم في مواقع كثيرة ثم يذكر أن تلك الشركات ترفض بشدة وصفها بأنها «مرتزقة» ولا حتى الإشارة إليها باعتبارها جيوشا. وتزعم أنها مقيدة بقواعد القوات المسلحة الأميركية والقانون الدولي بالنسبة للاشتباك المسلح في العمليات الدفاعية فحسب والاقتصار على حمل الأسلحة الخفيفة.
ويشير المؤلف إلى أن العناصر المستأجرة تطلق النار وتقتل العراقيين بالفعل ولكن العراق منطقة حرب. وغالبا ما يدفع المسلحون العراقيون سيارات مفخخة نحو قوافل تنقل المسؤولين الرسميين، ولذلك فأمام العنصر المستأجر ثوان قليلة ليقرر ما إذا كان سائق السيارة المقتربة مسلحا أم عراقيا بريئا.
وحجة تلك الشركات تتلخص في أن سوق قوات المرتزقة هي سوق سيئة السلوك، وتلجأ الشركة الخاصة التي تريد نيل مزيد من العقود إلى ممارسة نشاط أكبر، ومع ذلك قد يتم طرد شركات سيئة إذا كانت الهيئة التي تستخدمها تريد شركات ذات سجل نظيف،
ويرد مؤلف الكتاب على تلك الحجج بقوله: «تلك هي المسألة من الناحية النظرية على الأقل، ولكن العراق ليس سوقا عادية فالطلب فيه على خدمات الأمن مرتفع جدا حتى أن شركات تحوم حولها الشكوك مستمرة في العمل وتزدهر أحوالها في العراق.
وبلغ الأمر إلى حد تكوين اتحاد لشركات الأمن الخاصة في العراق لا يعدو كونه مجموعة تجارية متحدة للدفاع عن مصالحها، ويرى مؤلف الكتاب أن تشكيل ذلك الاتحاد دليل قاطع على ازدهار بيزنس الأمن الخاص، وقد انضمت عشرات الشركات إليه، ومن أهم أهدافه تبادل المعلومات بينها عن الهجمات التي تقع، وكذلك بينها وبين القوات الأميركية.
ونستطيع أن نقول عن هذا التبادل إنه نوع من نشاط شبكة استخبارات خاصة. وقد عمل الاتحاد مع وزارة الداخلية العراقية من أجل وضع نظام للترخيص للشركات. ويقول لورانس بيترز مدير الاتحاد إن متعهدي الأمن لا يريدون قتل أناس أبرياء، ولكن العراق ساحة حرب والأخطاء واردة.
وحتى لو أن بعض المقاولين تحركوا بمهارة فإن وجودهم كان مبعث تعقيدات دائما فلم يكن رجالهم يعرفون ويلات الحرب ولا هم محاربون منظمون، بل كانوا قوة ثالثة في ميدان القتال لم تكن الحكومة الأميركية مستعدة للسيطرة عليها.
وقد تسبب المتعاقدون الخاصون في وقوع مشاكل في التنسيق والتزام النظام والشفافية، وجعلوا مهمة القوات الأميركية تزداد صعوبة، وتركزت معظم الفضائح السيئة لعملية إعادة الإعمار في شركات الأمن الخاصة فقد قتل بعضها عراقيين أبرياء بل وأطلقوا النار على جنود أميركيين ونهبوا أموال دافع الضرائب الأميركي.
وفي شهر يناير 2005 عقد مؤتمر في واشنطن حول تلك الشركات في ساحة القتال ووضع الكولونيل توماس هاميس يده على صلب المشكلة وقال إن المسألة ببساطة هي أن العسكريين وشركات الأمن الخاصة لا يجمعهما هدف واحد، ذلك لأن هدف القوات المسلحة الرئيسي هو كسب الحرب، بينما هدف الشركات هو الربح.
ولم يكن هناك انسجام بين الهدفين. وضرب مثلا لذلك بالحماية التي كانت تقوم بها شركة بلاك ووتر لبول بريمر في العراق التي كان مسؤولوها يتباهون بنجاح الشركة في تنفيذ عقدها ويقولون إن السفير احتفظ بحياته، ولكن الشركة بعملها ذاك نفرت أبناء الشعب العراقي العاديين لأن رجالها اعتادوا على توجيه البنادق إليهم رجالا ونساء وأطفالا، لكي يبعدوهم،
وكانوا يمرون في قوافل عرباتهم المسرعة فيرعبون العراقيين ويدفعونهم إلى الهروب من الشوارع بينما رجال الشركة يمرحون سعداء بذلك المشهد. وأضاف الكولونيل هاميس قائلا: نعم لقد حمت بلاك ووتر السفير الأميركي ولكن العسكريين فقدوا الفرصة لكسب القلوب والعقول التي كان من الممكن أن تفيد آلاف الجنود الأميركيين.
تعتيم حكومي
ورغم أن حكومتي العراق والولايات المتحدة مسؤولتان عن تنظيم تلك الشركات إلا أن ذلك موجود على الورق فقط لأن الشركات لا تستمع لأحد عند الممارسة الفعلية. وحتى حلول شهر مارس 2006 لم يحدث أن أدينت شركة واحدة أو متعهد واحد بأي نوع من الجرائم التي ارتكبت، لا من جانب العراق ولا من الولايات المتحدة.
ولا تتفق مع العقل سجلات الشركات النظيفة تماما حتى أن مؤلف الكتاب يقول ساخرا: «إما أن العشرين ألف رجل مسلح في بيئة معادية تصرفوا كالملائكة لأكثر من ثلاث سنوات، أو أن البعض في السلطة لم يكن منتبها لما يجري».
ويشير توماس ميلر إلى أن أحد المسؤولين المحبطين بسبب عجز الولايات المتحدة عن كسر شوكة المقاولين، قال لابد أن تقع تجاوزات في أي وقت تجتمع فيه مجموعة كبيرة من الناس في مكان واحد، والمشكلة الكبرى الوحيدة التي تحيط بشركات الأمن الخاصة هي انعدام الشعور بالمسؤولية، وقد طبقت قانونها الخاص.
ويذكر مؤلف الكتاب أنه وجد في زياراته للعراق أن سلاح المهندسين في الجيش الأميركي كان يطلب من الشركات إبلاغه بمحض إرادتها عن أية هجمات أو حوادث خطيرة أخرى حتى تضمها إلى التقرير الاستخباري اليومي،
وبعد أن قدم المؤلف طلبا للإطلاع على الوثائق بناء على قانون حرية المعلومات أعطاه الجيش مئات من الصفحات تحتوي على تلك التقارير غير أن الحكومة الأميركية فرضت التعتيم على أسماء الشركات والأشخاص ورغم ذلك كانت الوثائق كاشفة عن الحقيقة إذ أوضحت أن شركات الأمن الخاصة لعبت الدور الرئيسي في انتشار العنف اليومي في العراق.
ويضع الكتاب تحت أنظارنا الحقائق التالية من واقع تلك الوثائق التي حصل عليها المؤلف: إن نحو 11% من مئتي تقرير تدين المتعاقدين بإطلاق النار على السيارات العراقية المدنية. وفي معظم الحالات لم يتعرض هؤلاء المتعاقدون لإطلاق نار من تلك السيارات،
وبدلا من ذلك كانوا هم الذين يطلقون النار أولا لحماية أنفسهم لمجرد أنهم تصوروا أن إحدى السيارات يحتمل أن تكون مفخخة. ويبرر متعهدو الأمن عادة قرارهم بإطلاق النار بأن السائقين لا ينتبهون ولا يبالون بإشارات التحذير مثل قبضة اليد.
مثال ذلك أن أحد رجال الأمن ذكر أنه أطلق النار على سيارة أوبيل سوداء بعد رفض السائق الاستجابة لإشارة باليد وطلقة تحذير في الهواء. وقد أطلق موظفو الأمن على السيارة ثلاثا وعشرين زخة من رشاش روسي الصنع طراز بي كي إم، وتسع رصاصات أخرى من رشاش طراز إيه كي-47 وذكر رجل الأمن أنه وزملاءه أطلقوا النار مباشرة على السيارة.
وأضاف عبارة سخيفة تقول: «إن سائق السيارة على قيد الحياة» ويقول مؤلف الكتاب إن التقارير ذكرت أيضا أمثلة عديدة للأعمال غير القانونية على الطرقات. وفي حالات كثيرة ذكرت التقارير تفاصيل حوادث مرورية لعراقيين لم يروا قوافل الأمن أو تجاهلوها.
ففي إحدى الحالات قام موظف أمن «مع استخدام أقل قدر من التحذير» بإجبار سيارة بها رجل عراقي وسيدة وطفل، على الانحراف على الطريق مما جعلها تصطدم بشجرة. وهذا «مثال لمستوى التصرف غير المهني».
ويذكر الكتاب أيضا أن 20% أخرى من التقارير تقدم الدليل على فشل الاتصالات بين موظفي الأمن والقوات الأميركية وقد تضمنت التقارير توثيقا لما يسميه العسكريون: «الأزرق على الأزرق» وهي عبارة تنطبق في الأساس على النيران الصديقة التي يطلقها جنود أميركيون على موظفي شركات الأمن الخاصة.
وفي العادة يتحرك هؤلاء الموظفون بمركبات لا تحمل علامات مميزة ودون أن تكون معهم وسائل اتصال يعتمد عليها بينهم وبين الوحدات العسكرية. أما بقية التقارير فتحتوي على رصد لهجمات المسلحين العراقيين ضد الموظفين استخدمت فيها متفجرات على جانبي الطريق وكمائن وقنابل يدوية، وزخات من مدافع الهاون والرشاشات.
ويرى المؤلف أن من الواضح أن شركات الأمن الخاصة متورطة في الحرب في العراق إلى أقصى حد. وقد وفرت التقارير نقاط بداية لإجراء تحقيق، ولكن تلك الشركات أفلتت من التدقيق لأنها تعمل في منطقة رمادية يجيزها القانون.
وقد قرر أمر أصدرته سلطة التحالف المؤقتة وظل ساريا في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة، أن موظفي الأمن المستأجرين المتهمين بارتكاب أخطاء ينبغي محاكمتهم في أوطانهم. وواضح أن ذلك الأمر منح هؤلاء الموظفين حصانة أعفتهم من المثول أمام المحاكم العراقية، لكنه لم يلزم الولايات المتحدة ولا أية دولة أخرى بإجراء المحاكمات،
كذلك ليس هناك مكان للتعويضات المدنية في حالة إلحاق دمار بالممتلكات أو في حالات القتل الخطأ. وكان لدى بعض شركات الأمن الخاصة برامج تعويضات غير رسمية دفعت فيها أموالا نقدية للأطراف المتضررة، ولكن المبالغ التي دفعت كانت إرادية وكيفما اتفق.
والحقيقة هي أنه ليس أمام العراقيين سبيل إلى العدالة في المحاكم الجنائية أو المدنية بالنسبة للأعمال الخاطئة التي ترتكبها شركات الأمن الخاصة. والنتيجة هي المزيد من الاستياء العميق بين العراقيين الذي تحول ليتوجه إلى الأميركيين عامة.
أما القوات المسلحة الأميركية، فلديها نظام رسمي تعمل به مكاتب في المنطقة الخضراء لمراجعة دعاوى التعرض للدمار ودفع التعويضات، وهو وإن لم يكن نظاما كاملا إلا أن المؤلف يرى أنه على الأقل يمثل طريقا ما نحو العدالة.
رعاة البقر
لقد عانى العراقيون على أيدي شركات الأمن الخاصة ومتعهديها الذين تتعاقد معهم، ولكن المؤلف يذكر أن دافع الضرائب الأميركي عانى هو أيضا من تلك الشركات ويقول إن موظفي الأمن المستأجرين كانوا في أغلب الأحوال من «رعاة البقر» الذين يحولون الأصدقاء المحتملين إلى أعداء.
وقد دار الكثير من أضخم الفضائح حول شركات أمن كانت تظهر من لا مكان وأحيانا بدعم من المسؤولين الأميركيين. وقد ألقت قوة من المارينز في الفلوجة القبض على حراس أمن تابعين لشركة تسمى «زاباتا» بعد أن أطلقوا النار على جنود ومواطنين عراقيين في المدينة، ثم أطلق سراحهم وطردوا من العراق ولكن بعضهم عاد مرة ثانية مع شركات أمن أخرى.
وهناك شركة من جنوب افريقيا اسمها إيرينيس انترناشيونال تحالفت مع صديق للجلبي اسمه أ.الفاروقي لنيل عقد قيمته 80 مليون دولار لتوريد حراس أمن لخطوط أنابيب النفط، وقد وجد فحص أجراه المفتش العام أن الحكومة أبرمت العقد دون اهتمام كبير تاركة خطوط الأنابيب عرضة لهجمات أدت إلى شلل إنتاج النفط.
وقد أمكن القبض على المساعد العسكري لجاي غارنر أثناء فراره، وتلقت الكولونيل كيم أولسون لوما رسميا واضطرت إلى الاستقالة من السلاح الجوي بعد أن اعترفت بافتتاح فرع أميركي لشركة أمن من جنوب افريقيا عندما كانت تعمل لدى سلطة التحالف المؤقتة في صيف عام 2003.
وتحت عنوان «الغرب المتوحش» يسرد المؤلف قصة رجلين هما مايك باتل والثاني سكوت كستر وقد كونا معا شركة عرفت باسم «كستر باتلز» ويصفها مؤلف الكتاب بأنها إحدى شركات الأمن الخاصة التي عرفت بالفساد وتخطي القانون في العراق والتي حامت حولها شبهات كثيرة في عديد من المهام التي تعاقدت عليها
ومن أهمها عقدها الخاص بمطار بغداد، ثم تمكنت بعدها من الحصول على عقد آخر جديد ساعدت فيه على تدمير عملة العراق القديمة التي تحمل صورة صدام حسين، واستبدالها بعملة جديدة، ومرة أخرى وجد الرجلان نفسيهما في خضم واحد من أكبر الأعمال في العراق.
ومن الناحية اللوجيستية تطلبت المهمة زيارة نحو مئتي بنك في البلاد وجمع كل دينار مطروح للتداول وبلغ حجم العملة الورقية 13 ألف طن يمتد طولها ليكفي الالتفاف حول الكرة الأرضية اثنتين وثلاثين مرة، وفي نفس الوقت كان على التحالف أن يشحن جوا 2400 طن من العملة الجديدة لتوزيعها عبر العراق. وقد منحت العملية كلها ثلاثة أشهر وسط منطقة حرب تتزايد مخاطرها.
وتضمن العقد إلزام الشركة ببناء معسكرات لإيواء العمال في ثلاثة مواقع رئيسية في الموصل والبصرة ومطار بغداد، كما أن على الشركة إحضار خمس شاحنات. وفي يوم 27 أغسطس 2003، وقعت شركة كستر باتلز عقدا مع حكومة التحالف قيمته 8,9 ملايين دولار.
وفي الشهر التالي أصيب فريق التحالف الذي يرأس المشروع بإحباط متزايد، فلم تلتزم الشركة بالتاريخ المحدد لإتمام بناء المعسكرات، وكان مستوى الطعام سيئا، وتعطل نصف عدد الشاحنات التي قدمتها الشركة، واشتكى مقاولو الباطن الذين أمدوها بالانترنت والخدمات الأخرى من أنهم لم يتلقوا أموالهم، واكتظت الكبائن المخصصة للسكنى بأعداد فوق سعتها حتى أن التحالف بدأ يشعر بالقلق من المشاكل الصحية التي قد تنشأ عن ذلك.
فواتير مزيفة
واتهم مسؤولو التحالف الشركة بالعجز عن إنجاز العمل، وأبلغ الجنرال هيو تانت المسؤول عن تغيير النقود شركة كستر وباتلز أن الشاحنات التي استوردوها من سوريا لا تعمل وأن حجمها صغير جدا بالنسبة لحجم العمل. واضطر تانت إلى الاتصال بالجنرالات الذين عرفهم أثناء خدمته في الجيش وتوسل إليهم أن يقرضوه شاحنات عسكرية. وقد تعرضت تلك الشاحنات للنيران في جميع أنحاء العراق.
وهددت الشركة بترك العمل. ووجد استشاري المشروع واحدة من أوراق الشركة تبين أنها كانت تزيد أرباحها بطريقة غير سليمة، وأشارت الورقة إلى أن الشركة قدمت للحكومة فاتورة قيمتها 1 ,2 مليون دولار مقابل أعمال قيمتها الحقيقية 913 ألف دولار، وضاعفت بذلك ربحها الذي ينص العقد على ألا يزيد على 25%.
كذلك اتضح أن الشركة اشترت آلة تصوير ودفعت مئة دولار ثم طالبت التحالف بأربعمئة دولار، وطابعة قيمتها 365 دولاراً وتقاضت الشركة ألف دولار، كما اشترت شاحنة دفعت فيها 18 ألف دولار تقاضت من الحكومة 80 ألف دولار.
وكانت تلك الورقة وثيقة دامغة، وقام بيت بالدوين، موظف الشركة المسؤول عن تغيير الأموال، بتقديم استقالته وتوجه إلى المفتش العام التابع للبنتاغون في مكتبه بالقصر الجمهوري العراقي ليشرح له خطة معقدة للشركة للاحتيال على الحكومة. ورغم كل ذلك ظلت الشركة تتعامل بوقاحة دفاعا عن نفسها وتصر على أنها لم ترتكب أية أخطاء وتهاجم من اتهموها.
ويذكر مؤلف الكتاب أن إدارة بوش لم تبذل أية محاولة جادة لاستبقاء بعض مستحقات الشركة، وفشلت جهود مراقبي حسابات البنتاغون لفحص دفاتر الشركة بعد أن نجح محاموها في إعاقة التحقيق لأن مسؤولي التحالف نسوا إضافة عبارة للعقد تسمح لهؤلاء المراقبين بمراجعة الدفاتر، ودخلت القضية إلى متاهة من الجدل: هل كانت الأموال المسلوبة حقا أموالا أميركية؟
ومادام المسؤولون عن إبرام العقود يعملون لصالح سلطة التحالف المؤقتة فهل يمكن في هذه الحالة تطبيق القانون الأميركي؟ وانسحب مكتب التحقيقات الفيدرالية دون توجيه اتهامات. وكل ما فعلته الحكومة أنها أصدرت قرارا بمنع إبرام مزيد من العقود مع الشركة، ولكن نظرا لأن ذلك القرار صدر بعد سنة من ظهور أول مؤشرات الاحتيال، فقد استمرت عقود بملايين الدولارات تتدفق على الشركة في الفترة الانتقالية.
ويختتم المؤلف القصة بقوله: نتيجة للتصاعد الهائل في أعداد شركات المقاولة وموظفيها المستأجرين بعد انفجار العنف في ربيع عام 2004، أصبح الكثير منهم متوحشين ونفروا الشعب العراقي، وجعلوا العراق أكثر خطرا بسبب ممارستهم للعنف وسلوكهم غير القانوني. وقد سلبت الشركات أموال دافعي الضرائب الأميركيين أيضا. ولكن المحققين الأميركيين بدأوا يكتشفون أن تلك الشركات كانت مجرد رأس الحربة في الاحتيال والهدر والفساد.
عرض ومناقشة: صلاح عويس



