بالنسبة لقائد عسكري يحاول تحقيق السلام في خضم حرب أهلية في العراق، فإن تشييد الجدران لعزل السكان المتصارعين قد يبدو طريقة بسيطة لإنقاذ الأرواح. إن أحياء في بغداد، التي كانت يوماً موطناً لكل من السنة والشيعة، يتم تطهيرها عرقياً، وقد قام مسلحون من كل طائفة بشن هجمات على مناطق يقيم فيها أبناء الطائفة الأخرى، فقتلوا وشوهوا العشرات.

عندما بدأت القوات الأميركية ببناء جدار إسمنتي بارتفاع 12 قدماً مؤخراً حول الأعظمية، وهو حي تقيم فيه أغلبية سنية، كان الهدف من ذلك الحيلولة دون شن مثل هذه الغارات. وقد أعلن بيان صحفي من الجيش الأميركي عن هذه الحواجز باعتبارها «أحد ركائز» استراتيجية جديدة لوقف العنف الطائفي.

درج المسؤولون الأميركيون على وصف المناطق المطوقة بأنها «مجتمعات ذات أبواب»، وكأن الأعظمية امتداد من مناطق الضواحي وجد نفسه بطريقة أو بأخرى في منطقة حرب. في الواقع، فإن الجدار حول الحي يعد رمزاً لعدم تماسك سياسة إدارة بوش الحالية تجاه وقف العنف الطائفي في العراق.

يتمثل هدف الخطة الأمنية الحالية، التي تتضمن زيادة مؤقتة في أعداد القوات الأميركية، في تهدئة التوترات السنية-الشيعية لفترة طويلة بما يكفي لشراء الوقت من أجل تسوية سياسية تحافظ على العراق كدولة واحدة تؤدي وظائفها. ولكن فيما تتواصل عمليات القتل، يبدو أن إجماعاً سياسياً فيما بين الجماعات المتصارعة (وداخلها) يظل بعيداً.

حتى إذا كانت الجدران تعيق عمليات القتل الطائفية في المدى القصير، فماذا عن المدى البعيد؟ هل ستُحاط الأعظمية بجدار إلى الأبد؟ وعندما تبدأ القوات الأميركية بالمغادرة لدى انتهاء الزيارة، هل سيبقى الجيب السني؟ أو هل سيظل المقيمون بالحي هدفاً معرضاً للبطش به؟

للجدران استخداماتها. جدار برلين أغلق وسيلة الهرب أمام سكان ألمانيا الشرقية الذين سعوا لنيل حريتهم من الشيوعية. ولكن بناؤه أيضاً هدّأ من حدة أزمة سياسية في وسط أوروبا كان يمكن أن تتصاعد. ومؤخراً، فإن الحاجز الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية،

وهو جدار في بعض الأماكن، وسور في أخرى، عزي إليه إحداث تخفيض كبير في التفجيرات الانتحارية في إسرائيل منذ 2002. غير أن ذلك التخفيض دفع ثمنه باهظاً الفلسطينيون المحرومون من الفرص الاقتصادية. إن أي حائط يعد أمراً نهائياً: فهو يعلن عن أن التسوية لم تعد ممكنة، وأن مجتمعاً يعاني جروحاً شديدة لن تبرأ على الإطلاق.

ربما لن يكون هذا مصير العراق. إن الحائط حول الأعظمية أثار انزعاج السنة الذين أقيم من أجل حمايتهم. فأصدر رئيس الوزراء العراقي الشيعي أمراً بوقف بنائه. وتملص جنرال أميركي من الفكرة القائلة إن الجدران تكمن في قلب الاستراتيجية الأمنية.

غير أن تفكك العراق يتواصل. وعندما بدأ المسؤولون العسكريون ببناء الجدار، فقد اعترفوا ضمناً بأن الهوة بين السنة والشيعة في العراق تتسع. ولا يزال يتعين على الرئيس الأميركي تقبل هذا الواقع، وإدراك أن سياسته بحاجة إلى التغيير وفقاً لذلك.

ترجمة: كوثر علي عن «بوسطن غلوب»