هالة إعلامية ضخمة تحيط بما يطلق عليه حالياً اسم «الأغذية السوبر»، وهي الأغذية الباهظة الثمن التي يقال إنها غنية بكميات دقيقة للغاية من الفيتامينات والمواد المعدنية الضرورية للجسم والتي تُغني الإنسان عن تناول كميات كبيرة من الأطعمة. الضجة الكبيرة التي أثارها هذا النوع من الأغذية لها ما يبررها بالطبع في ضوء ارتفاع معدل الدخول في الدول المتقدمة وكذلك بين أفراد الطبقات العليا في الدول النامية، وسعي الناس وراء كل ما هو جديد ومستغرب ومميز.

فالأمر بلا شك أقرب إلى كونه موضة يقول عنها أولو العلم إنها سرعان ما ستنتهي في ضوء أنها تفتقر إلى أي براهين علمية موثوق في صحتها يمكن أن تدلل على أي فائدة تحملها هذه الأغذية التي لا يقدر على شرائها بالطبع سوى صفوة المجتمع.

لا شك أن دور وسائل الإعلام كان مؤثراً بدرجة كبيرة في انتشار هذا النوع من الأغذية بشكل سريع وملفت للنظر في عدد كبير من دول العالم، لاسيما البلدان الصناعية ذات الدخول المرتفعة ومستويات المعيشة التي تناطح في ارتفاعاتها السحاب، والتي تأتي على رأسها الدول الاسكندنافية.

فمع كل حملة إعلامية ضخمة، ترتفع مبيعات هذه الأغذية بشكل ملفت للنظر، الأمر الذي دفع محال بيع المواد الغذائية ومنافذ السوبر والهايبر ماركت إلى التنافس فيما بينها من أجل تلبية الارتفاع الكبير في الطلب، مما أدى إلى انتشارها بعدما كان وجودها مقتصراً على فترات محددة من السنة ومن خلال منافذ بيع متخصصة في التغذية لا تصل إليها إلا نوعية أيضاً خاصة من المستهلكين.

غير أن ما يطلق عليه «الأغذية السوبر» تعرضت منذ ذيوع شهرتها إلى حملة هجوم كبيرة من قبل خبراء التغذية في العالم الذين يقولون إن الشخص بوسعه تغذية نفسه بشكل أفضل من خلال فواكه طازجة رخيصة الثمن مثل البرتقال والتفاح ويحصل على الفائدة الغذائية نفسها التي يدّعى القائمون على منتجات «الأغذية السوبر» أنها تحتوي عليها.

والإشارة إلى الفواكه في هذا الصدد تأتي من كون أن معظم تلك المنتجات تركز على الفواكه مثل التوت البري الأزرق، الذي بدأت به هذه السلسلة من الأغذية ، ثم انتشرت بعد ذلك من خلال منتجات مثل الرمان وطحالب البحر وغيرها من الأغذية المرتفعة الثمن.

وفي تقرير لها عن شيوع ظاهرة هذا النوع من الأغذية نقلت صحيفة «أوبزرفر» البريطانية عن خبير التغذية جيريمي سبنسر، من جامعة ريدينغ، قوله إنه يعتقد إن ما يدور من أقاويل وشائعات حول الفوائد الكبيرة لهذه الأغذية لا يستند إلى أي دليل علمي. يقول سبنسر: «الأمر ليس مضللاً فحسب أن يجري تفتيت الغذاء إلى مكوناته الأساسية ودراسة أثر كل مكون منها منفصلاً على الإنسان، وإنما أيضاً هناك استحالة في أن يجري توقع رد فعل عملية التمثيل الغذائي لدى الإنسان تجاه أغذية بعينها.

فبصرف النظر عن حقيقة أن الأثر الذي يخلفه منتج غذائي بكامل مكوناته يمكن أن يكون مختلفاً عن الأثر الذي تخلفه كل جزئية من هذا الغذاء إذا ما تم تناولها بشكل منفصل، فإنه من الاستحالة القول إن هذا المنتج الغذائي سيكون له أثر واحد على كل منْ يتناوله».

وأضاف في هذا الصدد: «الناس لا تأكل فيتامينات ومواد معدنية، وإنما تأكل أطعمة بكل ما تحمله من مكونات. والغذاء الواحد بكل مكوناته يمكن أن يكون له أثر مختلف كل الاختلاف عن الفيتامينات والمواد المعدنية التي يحتويها الغذاء نفسه في حال تناول هذه الفيتامينات بشكل منفصل، كما أن للغذاء الواحد أثراً في جسم الإنسان يختلف كل الاختلاف عن الأثر الذي ينتج عنه عند اختبار الغذاء نفسه داخل المعمل».

ويتفق مع سبنسر في الرأي نفسه عدد من خبراء التغذية في العالم الذين تنقل عنهم الصحيفة وصفهم للأغذية «السوبر» بأنها أغذية لا معنى لها في أحسن توصيف وأنها مضرة في أسوأ حال. تقول كاثرين كولينز، وهي خبيرة تغذية في مستشفى سان جورج في لندن: «هناك أفكار خاطئة كثيرة تحيط بهذا النوع من الأغذية لدرجة أنني لا أعرف من أين أبدأ كي أدحض المفهوم الكلي الذي ترتكز عليه. فليس مجرد أن تحتوي أغذية بعينها على كميات هائلة من الفيتامينات والمواد المعدنية يعني أنها مفيدة لجسم أي شخص.

فقد يبدو شيئاً بديهياً أن تناول الفيتامينات يعني صحة أفضل، غير أن الحقيقة تتمثل في أن أجسامنا لها متطلبات واحتياجات لكميات كافية من المواد المغذية. هذا يعني أنه في حال أن تكون لدى أجسامنا كميات زائدة عن الحد من الفيتامينات ولا تستطيع تخزينها فإن هذه الفيتامينات ستكون بمثابة نفايات متراكمة داخل الجسم.

وفي حال عدم استطاعة الجسم إخراج المواد الزائدة عن الحد في صورة براز أو بول بمستويات كافية، فإن وجود هذه المواد داخل الجسم سيلحق تلفاً بالخلايا. فتعبئة أجسامنا بالفيتامينات بشكل زائد عن الحد ليست أمراً صحياً على الإطلاق».

ويشير الخبراء في هذا الصدد إلى أنه لا يوجد تعريف علمي محدد لهذا النوع من الأغذية. وليس هذا فحسب، بل أن المفهوم الذي تقوم عليه في حد ذاته قد ينطوي على ضرر. تقول كولينز: «إن تحديد وتسمية بعض أنواع من الأغذية بأنها ذات تأثير هائل وأكثر قدرة من غيرها يعني أن هناك عيباً ما في الأغذية الأخرى التي هي متاحة للجميع وتستهلكها جميع الطبقات.

ولكن الحقيقة العلمية تشير إلى أنه بدلاً من إنفاق خمسة جنيهات إسترلينية على كمية بسيطة للغاية من التوت البري فإنه من الأفضل لك أن تبتاع كمية أكبر من الفواكه والخضروات الطازجة من السوق المحلي وعدم الاكتراث بما يقال عن هذه الأغذية وفوائدها لجسم الإنسان».

يقول مايكل بولان، وهو خبير تغذية بريطاني ومؤلف سلسلة من الكتب حول التغذية: «إذا كنت مهتماً بصحتك، فإنه يتعين عليك تجنب المنتجات الغذائية التي يدّعي القائمون عليها أنها تحمل فوائد عديدة، مثل منتجات الأغذية «السوبر» . لماذا؟ لأن الأيديولوجية الكلية التي تقوم عليها هذه الأغذية مضللة للمستهلك وللعلماء على حد السواء».

وضرب الخبير في هذا الصدد مثلاً بمادة «بيتا كاروتين» التي ثبت علمياً أنها تعمل كمادة مضادة للأكسدة تساهم في قتل جزيئات في الدم يمكن أن تتسبب في تلف الحمض النووي ومن ثم تتسبب في إصابة الجسم ببعض أنواع السرطان. (يُذكر أن الكاروتينات هي عبارة عن توربينات بناء ضوئي لها لون برتقالي، وهي مهمة لعمليات البناء الضوئي، وهي سبب وجود اللون في الجزر. هذه المواد لا تساهم بنشاط في البناء الضوئي ولكنها تنقل الطاقة التي تمتصها الخضروات والفواكه.

وعلمياً، فإن الكاروتين عبارة عن ثنائيات من فيتامين «آي» وله شكلان يطلق عليهما اسم «الفا كاروتين وبيتا كاروتين». وعلى عكس فيتامين «ايه»، فإن الزيادة من الكاروتين ليس لها أثر سام ويمكن أن تتحول إلى فيتامين «آي» عند الحاجة إليه.

وتوجد مادة البيتا كاروتين المهمة للصحة في عدد من الفواكه الصفراء والبرتقالية والخضراء اللون، كما توجد في الخضروات ومنها السبانخ والخس والطماطم والبطاطا والشمام والقرع.) ولكن عندما قام العلماء بفصل جزيئات الكاروتين وجدوا أنه يمكن أن يكون له أثر عكسي قد يتسبب في إصابة الجسم بالسرطان عندما يتم استخدام بعض جزيئاته كمواد مساعدة على خفض السمنة.

ومن ثم فإن العالم يؤكد أن الحل المتاح أمام القاعدة العريضة من المستهلكين هو تناول وجبات غذائية متوازنة بعيدة عن المواد الصناعية والإضافات الملونة.

إعداد: حاتم حسين