وصف الجنرال تومي فرانكس ذات مرة ومن دون اللجوء إلى لغة الثكنات دوغلاس فيث، الرجل الثالث في البنتاغون، بأنه «أغبى رجل على وجه الأرض». يبدو الآن أن وصف الجنرال فرانكس هذا ينطبق بصورة أفضل على بول وولفويتز رئيس فيث، والرجل الثاني في البنتاغون. وبالنسبة لرجل أشيد به باعتباره أذكى المحافظين الجدد، فإن وولفويتز تصرف بحماقة تعد وليدة غرور السلطة.

في ضوء الإشادة بوولفويتز في عام 2003 على أنه مهندس الانتصار في العراق، إلا أنه تم استهدافه، في أواخر عام 2004، باعتباره المتخبط في التخطيط في مرحلة ما بعد الحرب وصاحب القدر الأكبر من المسؤولية عما أطلق عليه الجنرال وليام أودوم بالفعل الخطأ الإستراتيجي الأعظم في التاريخ الأميركي.

ومع تزايد الأعداد المدرجة في قائمة القتلى والجرحى المتزايدة من الأميركيين، كان وولفويتز يبحث عن مكان يختبئ فيه. أبدى الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي أصغى لمناداته بالحرب على العراق من الساعات الأولى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إشفاقه عليه، وتجاوز الأمر مجرد الإشفاق. فقد عينه بوش رئيساً للبنك الدولي، وهو منصب انسحب منه روبرت ماكنمارا بعد سبعة أعوام أمضاها في البنتاغون وأغرقنا خلالها في حرب أخرى، وهي حرب علمنا في وقت لاحق أن ماكنمارا كان يعتقد أنه ليس بمقدورنا الانتصار فيها.

ليست رئاسة البنك الدولي بالمنصب العادي الذي لا يضطلع القائم به بأي عمل وهو منصب يقترن براتب سخي وبإعفاء من الضرائب. ولا يقتضي تصديقاً من مجلس الشيوخ، حيث كان سيتعين عليه أن يفسر استدراجنا إلى الحرب.

ليس هذا هو كل ما هناك. فالوظيفة تتضمن السفر بالدرجة الأولى في أرجاء العالم، وتناول العشاء في القصور، ورفع الكلفة مع جموع منتدى دافوس، وتوزيع المليارات على دكتاتوريي العالم الثالث وطغاته. وبالنسبة إلى وولفويتز، فإن تلك كانت فرصة من السماء لتحسين سمعته المشوهة. وقد فوت هذه الفرصة.

بعد أسابيع قلائل أمضاها وولفويتز في منصبه، سعى مباشرةً إلى مطامعه. وبمقتضى مذكرات كشفت عنها صحيفة «فاينانشيال تايمز»، أعطى وولفويتز مسؤولي البنك تعليمات محددة حول الاعتناء بالمرأة التي تحظى باهتمامه الرومانسي وإرضائها، وهي تدعى شاها علي رضا.

على الرغم من تلقي وولفويتز تحذيراً من لجنة أخلاقيات العمل بالبنك بألا يتدخل في أي قرار يخص مرتب شاها، إلا أنه ضرب بقوانين أخلاقيات العمل عرض الحائط.

وأصدر أوامره لكسزافيه كول، وهو نائب رئيس البنك للموارد البشرية، لانتداب رضا في وزاره الخارجية وزيادة راتبها بحوالي 50%، ليصل إلى 193 ألف دولار معفاة من الضرائب اليوم. أي أكثر من المرتب الذي تتقاضاه كوندوليزا رايس.

وقد أُمر كول بالتأكد بأن رضا تتلقى زيادات في الراتب سنوياً تبلغ 8% وأن توضع في طريق ممهد يفضي إلى أعلى منصب يشغله أي موظف مدني في البنك. وبحلول عام 2010 ستتلقى راتباً قدره 245 ألف دولار معفى من الضرائب. وماذا كانت قضية وولفويتز الكبرى في البنك؟ إنها مكافحة الفساد.

وحسب ما قالته صحيفة «واشنطن بوست» فإن وولفويتز جعل الوكيل البارز روبرت بينيت يفاوض على زيادة مرتبه إلى 400 ألف دولار، أي ما يعادل مرتب بوش، ولكنه معفي من الضرائب. ومن ثم قام بجلب اثنين من مساعدي بوش من البيت الأبيض وعينهما «في مناصب بارزة وكافأهما بعقود عمل غير محددة الأجل. وبرواتب معفية من الضرائب قيمتها ربع مليون دولار، على الرغم من افتقارهما للخبرة في التنمية».

وفيما تسربت هذه المعلومات إلى الصحف، فإن وولفويتز، كان بالكاد يحتفظ بوظيفته. ولكن هانك باوسلون وزير الخزانة، والجناح الغربي من البيت الأبيض كانا يدعمانه. وفي الحزب الجمهوري الذي يحوي أمثال جاك أبراموف وديوك كونينغهام، لا يُعتبر هذا بالأمر الهين.

حسناً، فلندع وولفويتز يواصل عمله مراسلاً لأخلاقيات بوش، ولنترك الأمة تقرر ما إذا كانت ترغب بالاستمرار مع هذا الجمع في عام 2008 من عدمه.

ولكن هناك قضية أكبر من مشاعر وولفويتز التي يكنها لشاها، وهي عمليات النهب المنظم لبلدنا من قبل الطفيليين الذين يتقاضون الرواتب الحكومية الأكثر ارتفاعاً في العالم، والذين يعملون في واشنطن، ويُفترض بهم أن يخففوا من معاناة الشعوب الأفقر في العالم.

كانت أوروبا تعاني من حالة الدمار عام 1945، وكانت هناك حاجة ماسة إلى بنك دولي لتقديم قروض لاعمار الدول المنهكة. ولكن أوروبا وشرق آسيا تُعدان اليوم مزدهرتين على الصعيد الاقتصادي، والعالم غارقٌ في رأس المال الذي يجري استثماره، والدعم الخارجي ثبت أنه فاشل.

لماذا نستمر في تقديم رواتب كبيرة للأجانب لجرف أجزاء كبيرة من ضرائبنا تحت الزعم نفسه عاماً بعد آخر.

نحن لسنا في عام 1945. وأميركا لم تعد الدائنة الأكبر في العالم. فهي المدينة الأكبر في العالم. في عام 2006، بلغ العجز في حسابنا الجاري 857 مليار دولار. وتجلس بكين على قمة جبل احتياطات يبلغ قدرها تريليون دولار. واليابان 850 مليار دولار. أما احتياطات الولايات المتحدة فتعد تافهة بالمقارنة بهما.

لماذا عندما تغرق الحكومة في الديون أكثر من أي وقت مضى في تاريخنا، يقوم هذا الكونغرس باقتراض المليارات سنوياً لإرساء الأنظمة الأقل كفاءة والأكثر فساداً على الأرض؟ لماذا لم يتم إغلاق البنك الدولي، ولماذا لم يتم طرد 10 آلاف موظف فيه يتلقون رواتب أكثر مما يستحقون؟ أم أن الأمر برمته سلّم إلى بكين أو طوكيو؟ فلندعهما يلعبان دور البنك الدولي. فلديهما المال. ولم يعد لدينا شيء.

ماذا حدث لحركة غولد ووتر؟ ما الذي حدث لحزب ريغان؟ ألم نكن يوماً نحن من سيضع حداً لكل ما يحدث؟

ترجمة: كوثر علي ــ عن «أنتي وور»